مغلق أو خارج نطاق التغطية

الجديد  الخير شوار [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(86)]

لوحة: أحمد المرضي
شعر بالأرض تضيق وتضيق، وهو يتكثّف معها. تحوّل إلى عبوة مهددة بالانفجار في أيّ لحظة.

وجد نفسه يحدّق في الشمس الملتهبة. شعر بألم غامض في عينيه، لكنه واصل النظر بشيء من التحدي اليائس. الشمس تلمع في صلعته، حوّلتها إلى ما يشبه الشمس الصغيرة، وهو يواجه الأشعة بعينيه. عادت به الذكرى إلى فكرة نسي مصدرها، تقول بأن الشمس حقيقة لا نستطيع التحديق فيها.

شحن نفسه بما يلزم من الإرادة، واستمر في النظر إلى شمس حقيقته. شمس الزوال متعجرفة. بدأت إرادته تخمد مع الثواني، شعر بألم في صلعته وفي عينيه. وضع يديه على عينيه وصلعته تغلي بألف سؤال وسبعة أسئلة.

الهجير يأكل القرية. والشوارع خالية من المارة. لم يكن يدري بالعرق يتصبّب من جسده والهواجس تأكله أكل الذباب للقمامة.

شعر بحركة غير عادية. رفع رأسه فوجد قطا أسود. قال في نفسه “ماذا لو كان القط عفريتا، يقال بأن العفاريت تظهر على شكل قطط بهذا اللون”، ثم قال في نفسه إن القط ليس عفريتا لأنه بظلّ.

نسي أمر القط وانخرط في ذاته. تكثّف حزنه وما مر به يعود بقوة. ما الذي أتى به إلى هذه الناحية في هذه الهاجرة؟ الشوارع خالية. ظلّ الشجرة يتقلص مع الزوال. شعر فجأة بحركة غير طبيعية. استعاد مشهد القط الأسود. ربما يكون قد عاد.

التفت فجأة. رفع عينيه، فوجد رجلا ينظر إليه دون أن يحييه. كان الرجل يلبس قميصا أصفر، وسروالا أبيض ويحمل وردة بلاستيكية. نظر الرجلان إلى بعضهما في صمت. عندما زال الحاجز النفسي سأل الواقف الجالس:

- من أنت؟ لم أرك في مدينتنا قبل الآن؟

- ومن أنت؟ وماذا تحمل؟

- كما ترى. طلبت منّي أن أحمل وردة حمراء، ولم أجد في مدينتنا إلا الورود البلاستيكية.

- ومن هي؟

- التي أنتظرها.

- ومن تنتظر؟

فتح السؤال شهية صاحب الوردة البلاستيكية للكلام. أمسك بالوردة، استنشق شذاها المتخيل، وقد نسي فعل الحرارة في جسده، وهو يقول “لم أكن أصدق أذني عندما كنت في الغرفة الهاتفية، أردت أن أكلم صديقي الحملاوي الذي قضيت معه أياما لا تنسى في الخدمة الوطنية، وما إن طلبت الرقم حتى فاجأتني بصوتها الساحر، وهي تقول “نظرا لازدحام مؤقت يتعذر وصول ندائكم. الرجاء إعادة المحاولة بعد حين”. عندما سمعت صوتها، لم أنتبه لنفسي وقد سحرني ذلك الصوت. أخذت أقلده بطريقة مضحكة “نظرا لازدحام مؤقت لم يصل نداؤكم. الرجاء إعا….”، ولم أكمل الجملة فقد انفجرت ضاحكة. في تلك اللحظة شعرت بسعادة مطلقة. قالت لي بأن صوتي سحرها، أصرّت على لقائي حالا. وطلبت مني أن أحمل وردة حمراء وأقف في هذه الساحة حتى يتسنى لها معرفتي”.

كان الأصلع مذهولا، وهو يقسم في داخله بأن صاحب الوردة البلاستيكية الحمراء، إما أن يكون مجنونا أو مسطولا أو مخمورا، نهض واقترب منه لعله يشم رائحة ما، لكن المفاجأة أذهلته.

رأى حسناء تقترب منهما. رائحة عطرها تسبقها. تحمل مروحة وردية اللون، وترتدي ملابس مثيرة. اقتربت من صاحب الوردة البلاستيكية، وقالت بصوت مبحوح:

- أنت إذن؟

ردّ عليها، وهو يطير فرحا أنا نعم. ساد الصمت برهة، ثم مدت يدها له. وضعا الذراع في الذراع، وقبل أن يسيرا طلب منها مرافقها وهو يستنشق ملئ منخاريه الشذا الافتراضي للوردة الاصطناعية “أعيدي عليّ تلك الجملة الجميلة التي ترددينها في الهاتف”، فقالت بصوتها المثير “نظرا لازدحام مؤقت يتعذر وصول ندائكم. الرجاء إعادة المحاولة بعد حين”.

بقي الأصلع وحده يمسح العرق بكفيه، ثم يتحسس صلعته، ويتساءل في نفسه، هل ما يراه حقيقة أم أنه فقد عقله؟ أو كان يكلم الأشباح؟. فقد القدرة فجأة على الوقوف، فجلس تحت أشعة الشمس الحارقة، ثم تدحرج نحو ظل الشجرة.

بقيت الهواجس تتصارع في داخله. أصبح يفكّر بصوت مسموع، ويتفوّه بكلام غامض والهواجس تترجم فوضاه. ما الذي جاء به إلى هذه الناحية في هذا الوقت؟ أين المواصلات؟ بل أين سكان الحي؟

استعاد صورة الحسناء التي ذهبت مع صاحب الوردة البلاستيكية، وهي تتكلم بتلك الإثارة. تأججت هواجسه، ثم خطر في باله أن يبحث عن غرفة هاتفية لحاجة في نفسه.

عندما دخل إلى الغرفة الهاتفية لم يجد رقما في ذاكرته. تحسس جيبه فلم يجد مفكرة. فكر في مغادرة الغرفة، ثم قطع تفكيره هاجس يقول له “يجب أن يكون الرقم خاطئا أو مشغولا. حتى تستمع إلى ذلك الصوت العجيب”، ثم قال في نفسه إن صاحبة الصوت المطلوب ذهبت مع صاحب الوردة البلاستيكية، ثم استطرد قائلا مع نفسه “لا بد من وجود عدد من الحسناوات يشتغلن بالتناوب على مدار النهار والليل، فلأجرب رقما خاطئا”.

وبالصدفة طلب رقما تشكل تلقائيا. رن الهاتف قليلا، وتفاجأ بمجيب يقول له بعد مقدمة من الكلام البذيء “أيها الوقح. إن رقمك مسجل، وسوف تأخذ جزاءك. لماذا تتلاعب بمشاعر الناس أيها الخنزير الوســ…”، ولم يدعه الأصلع يكمل الجملة، فقطع الاتصال فورا والعرق يتصبّب باردا من كل ناحية في جسده.

بقي مسمرا في الغرفة. انتبه لنفسه بعد ذلك وتخيّل نفسه في البيت الساخن لحمام عتيق. وجد صعوبة في استيعاب الحالة. فكّر في مغادرة الغرفة، ثم عدل عن الفكرة.

امتدت يده إلى السماعة مرة أخرى، وجرب رقما آخر تلقائيا. جاءه على الفور صوت يقول له “إن الرقم الذي طلبتموه خاطئ. الرجاء الاتصال بمصلحة الاستعلامات رقم 19″. في أثناء ذلك حاول مقاطعتها، وهو يقول “أهلا. أيتها الجميلة. أنت فاتنة حقا. أنت. أنــ….”، ولم يظفر بجواب.

انقطع الاتصال. شعر بشلل في مؤخرة رأسه. وبرودة العرق. حاول تجاوز الموقف والاتصال مرة أخرى، لكنه شعر بما يشبه الشلل في يديه. ترك السماعة في غير مكانها وخرج من الغرفة. مشى على غير هدى. تفاجأ بصاحب الغرف الهاتفية يقول له ” يا سي محمد… هل نسيت؟ أين ثمن المكالمة؟”. أعطاه الأصلع الدنانير المطلوبة وهو يعتذر له بإصرار، ثم استقبل شمس الهاجرة بخواطر جريحة.

شعر بالأرض تضيق وتضيق. وهو يتكثّف معها. تحوّل إلى عبوة مهددة بالانفجار في أيّ لحظة.


كاتب من الجزائر