تهاويم ليلة باردة

الجديد  زهرة زيراوي [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(88)]

لوحة: Mazen boukai
-1-

هكذا بدت المدينة رابضة في العياء والاجترار، في فضاءاتها يحلق طائر خارج السرب. مطر أيلول يحيل الذاكرة على أشياء مضت.

كغرف الأطباء المغموسة في لجة من أضواء النايلون كانت غرفة نومنا، وأنت ترقد إلى جانبي، تخرج من غطائك وتقف قبالتي تسألني:

- من كان ينام حدك؟

كنت أنت تنام جانبي، وكنت أنت قبالتي، كنتهما أنت وحدك أنت وأنا معا.

الأغطية كلها كانت غارقة في البياض. هناك فقط بعض ثنياتها ظلت مائلة إلى زرقة بفعل ظلال التكون، اعتقدتك في الأول مازحا، ابتسمت، نحوك… نحو أنت دفعتك. سألتك:

ما تقول؟..

يسلمني شرك إلى شرك، الآخر وأنا المقصودان. أعرف، هكذا ترتب اللعبة، الآخر ليدنيني، وأنا ليجتث المبهم كل حصون قلعتي.

رميت بالأغطية تحت. صرخت:

” تعال أيها الحجر نتعرى معا في غرفة أكثر ضياء(1)

-2-

ينهمر الشلال على جدار الفندق، الجدار تعرش عليه شجرة لبلاب عازف القيثارة يعزف معزوفته، تغني مرافقته. هو إلى جانبي يرتدي قميص” الكاشاريل” يفتح النادل زجاجة خمرته، يسألني رفيقي:

- تشربين؟

قلت:

- لا.

- لماذا؟

- هكذا.

عندما كان يتحدث عن أشيائه، عن خمرة ” اتشيفازا “المعتقة وعن اقتنائها من المزاد العلني بإحدى أسواق “جان زاك” بمليوني فرنك. كنت أنا أسند رأسي إلى كتفه، وأنغمر في رسم لوحة تسكنني، هكذا بدت اللوحة في النهاية، امرأة تتمدد على أريكة بنية قاتمة، تجعل رأسها بين ذراعيها وتشكل يداها انسيابا هادئا، على المخدة يشكل الانسياب رأس حصان يهادن المرأة، في النهاية التحم جسدها بجسده لتبدو فعلا كأنها المرأة الحصان.

هكذا أنا، هكذا هو.

شيء داخلي يقارن بيني وبينه، عندما كان يتحدث لم يكن يتحدث لي قطعا هو قميص “الكاشاريل” وزجاجة “اتشيفازا” وأنا الضاربة في جسد النفّري.

تردّدت في أن أظل إلى جانبه، كسرت هذا التردد عندما اعتبرته خارجا عنّي. سرت في الطريق الممتد، وضعت يدي في جيبي معطفي، وأحكمت الياقة حول عنقي. الخريف يعلّم أشياء كثيرة.

تساءلت:

- ثمة امرأة راحلة داخلي باستمرار، من يقنعها بجدوائية السؤال؟

هكذا رأيت، تقلّني طائرة زرقاء بخطوط صفراء، أقلعت من نافذة حجرة ضيقة، لامس ذيلها إطار النافذة ولكنها أقلعت نحو الفضاء الواسع.

قلت:

- إن من يملك قوة الضغط في الداخل لا يبحث عنها في أيّ نبيذ كان.

لكن ما حدث الليلة كيف يمكن تفسيره لي أنا على الأقل؟

قلتها وجاست يدي داخل صدري. تساءلت:

- لماذا وضعت رأسي على كتفه؟

تلاحقت الأشياء. لا اتشيفازا ولا الكاشاريل ولا… ولا.

كانت السطوة قادمة من شيء آخر، سلطة المكان هو كلّ ما أسندت إليه لحظة الضعف.

القيثارة، الماء، شجرة اللبلاب، تأثيث المكان.

عندما كنت أخرج وحيدة كان الليل يعدو، وكانت الأشياء تتتابع، وكان كلب يخالف أرجله الأربع يقبع وسط الطريق، يغرب عينيه لامباليا.

بدا وحده خارج هذه اللعبة يضحك.

-3-

عندما كانت هي تطارد المدينة كان هو يرتب زهورا برية في آنية الفخار. يبتعد قليلا وينظر إليها. ما يزال بعض النشاز.

زهرة الخابور كانت تحبّها كثيرا. لا يعرف لماذا يأتي بها للبيت كل أسبوع. هل ذلك آيل إلى العادة أم لأنه يثير داخله شيئا ما؟ يسلّ قسمات وجهها من ذاكرته. يراها تفك أزرار روب “ديشامبر”، وتلقي بها على السرير. كان خطوها مبرمجا على ضابط روبو. تتجه صوب الحمام تفتح الصنبور، تجمع أصابعها المرتعشة لتحتفن ماء تبلع به حبات مهدئة.

- لم جف جسدها من كل أنوثته؟ لم يبق به غير حزمة أعصاب متوترة.

هكذا كان يتساءل. يحدث نفسه، يحاول تذكر تفاصيل طقوس ذلك الليل. قال لها:

- ها أنذا كذي النون البصري إليّ بزانية.

عقبت:

- شبيه بذاتك فقط. ما تكاد المرأة تكتمل حتى تتزوج، وما تكاد تتزوج حتى تنتهي.

هكذا تردد كلما شعرت بأنه قد باتت لكل منهما حياة تخصه وحده.

رحلت. قالت ستبقى ولكنها رحلت.

ذلك ما قاله. امتدت يده إلى المزهرية، ودون أن يدري قطفت أصابعه زهرة خابور. ممّ كان يهرب؟

هذا الفعل كان يوقف زحف لحظاتها المرصوصة كحجر الصوان داخله.


كاتبة من المغرب