ميت عائد من الحرب بسفرجلة

الجديد  سعيد منتسب [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(90)]

لوحة: معتوق أبو راوي
تمتطي بقرة سَلْقِيَةَ العينين وتراقب بانتباهٍ رجلا في عقده الخامس يشعل نارا على شاطئ رملي. كان يمسك غصنا صغيرا بيده اليمنى ليُقَلِّبَ الحطب الذي يُرْغي ويطقطق غبارا أزرق كثيفا، وفي اليد الأخرى يمسك علبة “الهنيكن” يعب منها جرعات متباعدة. ممدّدا كان على جنبه الأيسر، يفترش معطفا طويلا من الكشمير الكاكي ويداري نصف ابتسامة علقت في نصف فمه المتورم. كان يبدو من عينيه الناعستين أن خياله يحلق بعيدا، وأنه لم يكن راغبا في الحديث مع امرأة تمتطي بقرة وتخفي نحرها العاري بوشاح أندلسي أسود مطرز بأزهار قرمزية.

رفع بصره نحوها فترجلت عن بقرتها واقتربت منه. مدت له يدا تنضح برائحة الخزامى. قربتها كثيرا من وجهه، فاستغرق وقتا قبل أن يتخلص من الغصن ليأخذها إلى فمه. ودون أن يدعوها للجلوس، اتخذت لها مكانا قرب النار، وقالت:

- أنت ربما لا تعرفني، ومع ذلك، فأنت أكثر قربا مني من جميع الناس. كنت تعرف أنها ستموت، ولم تفعل شيئا لمنع ذلك. لو كنت مكانك لفعلت الشيء نفسه. لست عاتبة عليك. قمت بما يتوجب عليك القيام به. سقيتها وأطعمتها، واعتنيت بها كأخت.

أجابها دون أن يرفع عينيه عنها:

- أخبرتني أنها كانت تريد ولدا تعتني به ليشتاق إليها، وكنت أعلم أنها ستستعيد تدريجيا هدوءها وتمضي.. لم يكن بوسعي أن أنقذها منهم.

- هل تدري أنها تعطّرت في يومها الأخير، وأخرجت من دولابها ملابس الأعياد. انتظرتك طويلا قبل أن يبرد جسدها.

أنا اللوز الذي بكى في غمده

ناولها علبة بيرة، وطلب منها أن تغلق ستائر الغائبة كي لا يستيقظ ندمه الكبير. لم يكن يريد أن يلتقي في هذا الشاطئ مع امرأة غريبة تحدثه عن امرأة كان يظن أنه يعرفها. حين رآها تغط في النوم، أقفل الباب وتمنى لو كان قوة نووية كبرى ليقصف الأرض. في ما مضى كانا مثل مزمارين أنيقين يعزفان من شفاه واحدة. يتحدثان بحرارة وأمل عن الذهاب إلى فينيزيا، وعن الرقص ليلا في حدائق فيرساي، ويتذكّران، وهما متعانقين، الجارات اللواتي ينشرن أقدامهن في الظل ويتحدثن بإسهاب عن الأزواج الذين يتغيبون أياما طويلة. بدأ يراقبها وهي تتكور داخل اللحاف، لا يظهر منها شيء. وضعت الوسادة على رأسها ونامت. لم تأبه له حين رجاها أن تعود إلى مدينتها عوض أن تتسلل كل ليلة إلى سريره مخمورة وحامضة.. كانت تضطجع ببرود وتخبره عن الزبائن الجدد الذين مروا تحتها “أنا اللوز الذي بكى في غمده، وامتلأت يده بالعقيق اللامع الحلو. أنا النار في الحصيد، والضوء الذي يغسل عشه في خاصرة الماء”.

ينظر إليها مثل غريب الساحة العامة، ويترك خيالاته تستغرقها ببرود: يمسح جسدها بماء الزهر كي تزول تلك الرائحة التي تذكره بعرق الزنوج حين أحاطوا به، ذات ثمالة، في ساحة الماريشال في ساعة متأخرة من الليل. كان يحمل علبة أحذية ومحفظة جلدية حين غطته رائحتهم الهائجة فنزل قلبه إلى ركبتيه، وغاب. يحتاج إلى التأكد من أنه يريدها أن تختفي من حياته إلى الأبد، لا يريد أن يشتاقها، ولا أن يتسكع في شوارع مدينة كازا باحثا عن رائحتها التي كانت تستفز رجولته. حين يفكر أنه يشفق عليها، يمتعض ويفترض أنها خارج حياته التي تحتاج إلى ضربة يأس. أحس أنها أوقعته في فخ طالما تحاشاه. وأنه يمتطي بقرة سلقية العينين، ويخفي كتفيه بوشاح أندلسي.

- هل تشعر بالاختناق؟ سألته المرأة وهي تسترد ضحكتها التي رأتها تبتعد خطوة واحدة.

- لا أدري. لم أجد مكانا آخر أذهب إليه. تمنيت لو كنت قطارا بخاريا يخترق غابة لا نهاية لها..

- ألم يخطر ببالك إطلاقا أن تنتحر لتنسى؟

- ليس لديّ شيء لأنساه، ولا أشعر بالندم على أي شيء؟

- أخبرتني أنك عرضت عليها مبلغا ماليا لترحل إلى مدينة أخرى، وأنك هددتها بالقتل.

- هل كان بإمكانها أن ترفض عرضا كهذا؟ هل عرضتُ عليها المال بالفعل؟

- قلت لها إنك تحتاج إلى امرأة نظيفة، وبأنك ستبيع البيت!

- دعوتها كثيرا للاحتماء من البرد، لكنها كانت تصر على العودة في وقت متأخر وهي ترتجف. أتجمع حولها، وآخذها إلى السرير. أغطيها وأنام. لم تكن قذرة، بل كانت تائهة.

- وأنت هل وجدت نفسك؟

فوجئا معا بعويل باخرة يلوح ضوؤها من بعيد. فتق علبة “هينيكن” أخرى أخرجها من جراب جلدي، وعبها في ثلاث جرعات. بينما كانت البقرة تسرح بعيدا إلى أن كادت تختفي. قالت له:

• حقا، أخبرني.. ما الذي أتى بك إلى هذا المكان؟ ولماذا تبدو مثل ناج وحيد من زلزال؟

• أشعر بحزن عظيم. هذا كل ما في الأمر. أشعر بأنني ممتلئ برائحة تبن محترق.

الموتى لا يحتاجون لشيء، كل أشواقهم موسيقى

لم يحدثها عن رفاقه الموتى الذين ذهبوا إلى الحرب ليعزفوا ألحانا على مسرح نظيف. لم يعرف كيف جاء إلى هذا المكان، ومن أتى به إليه. الأرض كانت مكتظة بجمهور متحمس لا يراه سواه.. وهو لا يرى أيّ باب خلفي يمكن أن ينسلّ منه من هذا الذي يشعره بأنه جرذ مهدد بعشرة آلاف مصيدة.. الموتى لا يحتاجون لشيء، كل أشواقهم موسيقى، مجرد نوتات تقفز من حشرجة إلى أخرى، تنساب وتتجمع في ثقب أسود عائم كساعات سلفادور دالي.. لم يحدّثها عن رفاقه الذين كانوا يقطعون أصابعهم بسواطير حادة ليطعموا أطفالهم المحاصرين بالدبابات والقنابل والراجمات. استجمع كل أنفاسه وقال:

– لم أعد موجودا، الدخان يلتهم كل شيء، والمخبأ الذي انبطحنا على أرضيته مثل كيس محشو برائحة الموت. لم أحدثها عن خوفي من أن يلتهمني أحدهم. وإنها لمهمة شاقة أن أظل متيقظا في هذا الكابوس الذي رسمته أصابع الله الخبيرة؛ طيلة أربعة أيام لم أنم ولم آكل سوى سفرجلة متشمعة. لماذا أنا هنا، وليس هناك في غرفتي التي تطل على “جردة مردوخ”؟ لماذا أمتلك هذا الجسد، أنا لست بحاجة إليه، أريده أن يبتعد عني، أن يختفي، أن يتوقف عن استعبادي. لا أريده. لا أريده!

- ألم يكن بوسعك التصرف على نحو آخر؟ لماذا تركتها تذهب؟

سألته المرأة، وهي تسمعه يحدثها عن السلطعونات التي تختفي بذعر تحت حراشفها لائذة بعشب الصخور، في مكان تنام فيه كالحجارة الصماء. أزاحت وشاحها الأندلسي وألقته بتثاقل على وجهه، رفع رأسه نحوها فغمره صدرها السخي، وصارت تشبه ليز تايلور التي أحبها كثيرا، واغتصبها كثيرا في أحلامه. أجابها:

- إنها لذيذة ولا تحب حبوب منع الحمل..

- لم يكن يصغي إليها أحد. صرخت قبل أن يسمحوا لها بالذهاب.

- لا أعلم أين ذهبت.. لكنني كنت أميز رائحتها الريفدور. لم أكن أطيق الغرفة.

- كنت تعرف أن حالتها تزداد سوءا؟

- كنت أعرف أنها تريد أن ترحل.

- ولماذا لم تمنعها؟ لماذا لم تساعدها على البقاء قربك قليلا؟

- هل كان ذلك سينفع؟

- كان يمكنها ألا ترحل. كانت بحاجة إلى إلحاح منك.

- لن ينفع ذلك. لم أعد متمسكا بشيء.

بقرة سلقية العينين تجفل أمام أفعى

ليز تايلور تمسح فمها بكُمّ فستانها وتطلب منه أن يكون “أنطونيو”، لكنه حدجها بنظرة كاوية، وأخبرها أنه يفضل أن يكون الأفعى. حرك النار بالغصن الصغير، ورأى فيها أفعى الجرس التي كانت تراقبه وهو ممدد على ظهره نصف ميت. لاحظ أنه بقدم واحدة، وأن الأخرى مرمية بحياد على بعد مترين، كأنها لم تكن منه. لم يشعر بالألم. شعر بالجوع يأكل معدته. وشعر بالبقرة السلقية العينين تجفل أمام الأفعى في بركة من الدم القاني. بينما كانت المرأة تعب ما يكفي من البيرة وتدعو الرجل الخمسيني إلى أن يعض يدها لأنها لم تعد تأبه بالرحيل.


كاتب من المغرب