انتظار

الجديد  عبدالرزاق بادي [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(94)]

تخطيط: نصر ورور
المعبر الضيق الذي يفضي إلى الوادي يلتوي نزولا. رائحة الزان تحت المطر تبعث في الروح فرحا عميقا، لا يمكن الوصول إلى مصدره، فقط هو يتأرجح دونما سبب، الناصية الحجرية تمتد نزولا على طول المجرى. هي بعينها الفاحصة الدقيقة تتحسس الجمال، تتعقبه بالزوايا والوهاد المحيطة، تبحث في شغف عمّا يمكن أن يكون صورة متفردة، مختلفة لا تراها كل العيون، الحدقة على العدسة لا تطرف، راحة اليد تزيح خصلة تتمرد عن تصفيفة الشعر. القلب ينبض في هدوء كي لا يفسد نقاء الصورة.

بخطى وئيدة تنزل الدرج، الطريق للأسفل طويلة، الحمل على رأسها ثقيل والضغط على الرقبة لا يطاق، الألم يسري عبر الظهر المتعب من رحلة الحياة الطويلة، العجوز لا تتوقف لكنها تتحرّك في بطء شديد، لا تسابق الزمن فهي تعرفه لا يتوقف لأيّ كان، لكنها موقنة أنها ستصل إلى كوخها عند طرف الوادي في آخر المطاف، ملامح الوجه المتعبة، أخاديد الزمن على صفحته تبدو كأن أنامل فنان تجسّدها بألوانه، عينها مطفأة، لون الرماد القابع في عمق نظرتها تبدو منه كأنها كفّت عن متعة النور.

قبل أن تضغط زر الآلة وتلتقط صورة لاحظت ظل العجوز ينحدر عن أقدامها، تبتعد الأنامل في هدوء، تترقّب دخولها مجال العدسة حتى تلتقط ما تسرّب في نطاق الرؤية، تتحسس بالعين الثانية خطواتها المتأنية، الهادئة.. الزمن لم يكن مهما ولا حرارة الشمس المسلطة على رأسها، ولا العرق المناسب على ملامح الوجه، ولا خصلة الشعر العنيدة..

ما كان يهمّ في ذاك الزمن الهارب من عقاربه أن يتوسّط خيال العجوز مرمى العدسة.. لكنها تتوقف فجأة ولا تكمل رحلتها لتصبح هدفا، تهدأ الأرجل المتشققة، المتعبة، المنتعلة خفها المهترئ، لم يكن وقتا للراحة، إنما كان هروبا صريحا من دخول مجال الصورة، لتنتهي اللحظة وتختلف الدروب ويمضي كل إلى هدفه في صمت.


كاتب من الجزائر