جناح لثغاء الأبجدية

الجديد  عبدالرزاق بوكبة [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(96)]

لوحة: عبدالله بولا
- أ-

تضحك، وقد تذكّرتَ النّساء يغسلن الصّوف في الوادي

الزّمان: 15 مارس 1977.

المكان: وادي أولاد جحيش، حيث جفنة حجرية تسَعُ ثوراً.

تذكّرتَ ذلك من قرينةٍ تحتفظ بها في رأسك: يا له من محظوظ ابنُ عمّك موسى! في المدينة يدرس/في المدينة يعيش! وفي ذلك الربيع جاء قرية أولاد جحيش يتذوّق العطلة. قليلًا ما كنتَ تحلم بأن تكون غيرَك، ومع موسى عندما يجيء، كنتَ تحلم بأن تكونه: أمير في كلّ بال، والبالُ مرتاح.

في بال الرّجال: أبوك رجل، والشّوق إليه كبير يا موسى.

في بال النساء: أمّك امرأ ة، والشّوق إليها كبير يا موسى.

في بال الصّبايا: ليتنا نستطيع أن نقول لك: أنت ابنُ رجل وامرأة فعلاً يا موسى.

في بال الرّاوي: كنتُ أحسّ بالنّار تأكل قلبي. هل كنت سأبدو ابنَ رجل وامرأة فعلاً لو أنا ذهبتُ إلى المدينة؟ النّساء كثيرات والصّبايا كثيرات، وسوف لن يربطنني إلّا بالنّعجة والعنزة والبقرة!

في الأسبوع الفارط، قرّر أبي أن يمنعني من العودة إلى المدرسة، بعد عطلة الرّبيع، لأرعى الثلاث. قال “أختك كبرت، ولا بدّ أن تخشّ إلى الدّار”.

كانت نهايةَ أسبوع قاسيةً عليّ. بكيت وأنا أمسح السّبورة لآخر مرّة بأمر من المعلّم، فتهيّأ لي أنّ الحروف حيوانات في طريقها إلى الزّرائب.

الألف: كبش

الباء: نعجة

الجيم: خروف

الدّال: جدْي

الواو: بقرة الحليب المدلّلة.

في رمشة عين، استجبتُ لصوت المعلّم “امسحْ”، وكأنني ذبحتُ كلّ الزريبة، فلم أترك إلا تاريخ المجزرة في أعلى السبّورة، وقد تحدّى قامتي: 15 مارس 1977.

عند العودة: سألت عن أمّي، فقيل لي إنها في وادي أولاد جحيش تغسل الصّوف.

هرعتُ إلى الوادي: ثلاث نساء يتولّين الخشين من العمل في الجفنة الحجرية/ثلاث صبايا يقطفن الجهد براحة كبيرة، بأن يضعن الصّوف على الأعواد تقطر، وثلاث عجائزَ فقدن الأعوامَ والأزواجَ، يحرسن الشّرف تحت زيتونة برية فوق المنبع.

تهاويتُ على ظهر أمّي باكياً: أمّي.. لقد ذبحت النعاج، [كنت أقصد الحروف]. تحجّرتْ يداها كأنهما جزء من الجفنة. تصلّب ظهرُها كأنه جزء من الصّخرة، وفقدتِ الكلمات. توقفت الصّبايا قبل أن يضعن الصّوف على الأعواد تقطر، فبدين مثل أرانبَ تنتف أوبارها في غار الولادة. نادت الجدّة من أعلى المنبع:

- الولهي.. ماذا صار؟!

تركتُ ظهر أمي الحجريَّ، وجريت إليها أطلب حضناً أَدفأَ للبكاء: لقد ذبحتُ النعاج يا جدتي،[كنت أقصد الحروف أيضاً].

سحبتْ حضنها إلى الخلف، سحبتْ يدَها إلى أعلى، وأشعلتني بكفٍّ أسقطني على الأرض في هيئة من يريد أن يسجد، ودم أنفي يقطر بين يدي. تذكّرتُ كيف ذبحت الحرف “ج” بحقد صدئِ على السّبورة، ثم فطنت إلى أن جدّتي لم تنتبهْ إلى “الانزياح”، فشرعتُ أضحك كمن حدّثه العيد بن السّلامي ضحّاك القرية.

انحنتْ عليّ تظنّ أنني فقدت عقلي: لا عليك يا ولدي، انْسَ أمر النعاج واذهب لتقرأ حروفك. أنت على الأقلّ ذبحت النعاج، سيأتي وقت يذبح فيه ابنُ العمّ ابنَ عمّه.

- ب-

تبكي وقد تذكّرتَ الشّرطة يعلقون قوائم الصّاعدين إلى الجبل على المدخل.

الزّمان: 15 أفريل 1994

المكان: مدخل الجامعة حيث تدرس.

أحد المطلوبين: ابن عمّك موسى.

التهمة: القضاء على قرية أولاد جحيش.

الحالة: مددتَ يدك إلى الورقة المعلّقة، خطفتها كمن يخطف منديلاً من اللّهب، انهرت على الأرض في هيئة من يريد أن يسجد، ودم أنفك يقطر على المنشور، فتبدّتْ لك الحروف عباداً:

الألف: طفل صغير

الباء: أمّ حامل

الجيم: شيخ عجوز

الواو: عروس الصّيف القادم.

بحثتَ عن موسى في الحروف، فرأيتَه يراك كبشاً!


كاتب من الجزائر