لم أعد طفلة

الجديد  فريدة العاطفي [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(114)]

لوحة: نور بهجت المصري
كانت قطرة دم ساخنة.. ومجهولة، نزلت بين فخذيّ بشكل مفاجئ، وأنا في الحادية عشرة من عمري.

حين زارتني الدورة الشهرية لأول مرة، اعتقدت أني فقدت بكارتي. لم أكن أفهم معنى البكارة ولم يجبني أحد عن سؤالي الذي ظل لغزا لزمن. أنا فقط كنت أسمع هذا الاسم يتردد كثيرا بين الممرات، وينزل على الرأس كالفأس. وكلما ذكر أمامي كنت أحس بالبرد والصقيع في الروح. كنت أحس بخوف كبير سرعان ما بنى لنفسه عشا في دهاليز القلب البعيدة. كما تبني العصافير أعشاشا على أعالي الأشجار.

كان عليّ أن أخفي سرّي كي لا يعلم به أحد، فبحثت عن قطعة قماش من سروال وردي لأمي بدأت أستعملها. ولم أكن أعرف كيف أنظفها، ولا أين أنشرها لتجفّ دون أن يرى آثار بقع الدم الظاهرة أحد.

فكرت في زاوية خلف أحواض الزهور في سطح بيتنا. ولم تكتمل فرحتي، إذ سرعان ما اكتشف أخي الأصغر قطع القماش المنشورة، فعلقها على قصبة، وبدأ يدور بها على سطح المنزل وهو يصفر منتشيا. أصبح من الضروري أن أجد مخبأ لقطع القماش المطبوعة بالدم، و كنت كلما وجدت مخبأ، عثر عليه أخي بإحساس كبير بالانتصار.

بدأت أعاني من مشاكل أخرى سبّبت لي الكثير من التعاسة. نهدي تحت الفستان أطل متمردا ليشاكسني، مما اضطرني أن أشده بقطعة قماش طويلة جعلتها على شكل حبل، كي لا يظهر، فيمنعني أبي من اللعب، ويجد أخي الذي كان يترصد لي بالمرصاد، سببا آخر للسخرية مني.

ثم…

أطلت شعيرات صغيرة كالنباتات تحت إبطي. وبدأت تكبر يوما بعد آخر، دون أن أعرف إلى أين يمكن أن تصل. إلى أن جاءت زيارتي لصديقتي بدرية مفاجأة بكل المقاييس. هناك في غرفتها الجميلة… تعرت بدرية أمامي لتغير ملابسها، فرأيت إبطها حليقا نظيفا وجميلا.

قبل أن أسألها، أخرجت من أحد أدراج خزانتها موسى حلاقة صغير وورديّ وهي تردد بزهو شديد “إنه من النرويج”.

كانت تلك أول مرة أتحدث فيها عن مشاكلي الحميمة، فأمي كانت منشغلة بغسل الصحون. ولم يكن لديها الوقت لمشاكلي مع أنوثتي التي جاءت على عجل، وأنا مازلت ألعب.

أما بدرية فكان لديها الحل السحري لكل مشاكلي. بعد ماكينة الحلاقة الوردية، أعطتني فوطات جميلة وناعمة، تستعمل وترمى بعد استعمالها. والفوطات بدورها كانت من النرويج.

لكي لا يسرق أخي ماكينة الحلاقة، أخفيتها في صدري، على قطعة القماش التي كنت أشد بها نهدي كي لا ينفلتا بجنون نحو أنوثة لم أكن بعد مستعدة لها.

لكن ماكينة الحلاقة سقطت مني في إحدى الصباحات الماطرة، وأنا أستعرض جدول الضرب أمام أستاذ فرنسية ملتح كنا نخاف منه كثيرا.

نظر الأستاذ مذهولا إلى الماكينة على الأرض. وقبل أن يفتح فمه بالسؤال، قلت ببراءة وحزن شديد “إنها من النرويج”.

انفجر أستاذ اللغة الفرنسية ضاحكا، وأخذ مني آلة الحلاقة دون أن أراها بعد ذلك.

بكيت تلك الليلة ماكينتي الوردية، كما نبكي شخصا عزيزا.

وقضيتها.. أحلم بالنرويج.

آه… كم حلمت بالنرويج.

الطائرة باتجاه النرويج…

وأنا لم أنس لحد الآن موسى الحلاقة الوردي. اشتريت بعده أمواس حلاقة وآلات كهربائية لنزع الشعر باللون الوردي في مختلف درجاته، بل حتى غرفة نومي اخترت لها اللون الوردي… ولم أنس. لذلك كان لا بد أن أسافر إلى النرويج لأجد شبيها له.

النرويج جنة للأطفال فقط. أخبرتني بدرية أنهم لا يضربون الأطفال في النرويج، ورجل مثل أستاذ اللغة الفرنسية الذي كان يضربنا بقسوة حين لا نحفظ جدول الضرب، يمكن أن يدخل إلى السجن. “ويمكن أن يدخلوه إلى السجن لأنه أخذ ماكينتي الوردية وسخر منيّ”. هكذا فكرت، وأنا أشد وسادتي إلى صدري بحثا عن حنان لم أجده. ونمت كالعادة. أحلم بالنرويج.

أنا الآن لم أعد طفلة، أصبحت أزهو بنهدي، وأتعايش بألفة مع الشعيرات التي تنمو هنا وهناك على جسدي. أنزعها بحنان وبآلات وردية دائما. وفي فترات دورة الخصوبة أجدني أحيانا أضع يدي بين فخذي، أتأمل اللون الأحمر القاني على إصبعي. وأحلم بالنرويج.


كاتبة من المغرب