الحذاء الأسود

الجديد  مبارك حسني [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(120)]

لوحة: تانيا الكيالي
أزاح طرف الستارة وألقى نظرة إلى الخارج. ستارة؟ ﻻ ليس تماماً، فهي عبارة عن أجزاء من قماش متدلية، ملتصقة ببعضها بفعل الوسخ والغبار الرطب المتراكمين في بقع منها منذ فترة، وقد لطّخ شيء منها يده، لكنه لم يكترث للأمر. الحديقة الصغيرة أمامه مقفرة والزقاق الصغير المحاذي لها يلمعان تحت وطأة شمس الظهيرة. تراجع إلى الخلف والتصق بالجدار للمرة الألف. فقد كان متخفّيا. خوف رهيب يقض معدته ويحرق عينيه منذ نهاية الصبيحة حين اكتشف الملصق على جدار بالقرب من الشاطئ بعد مشوار سياحة ﻻ مبالية في المدينة.

كان أدار رأسه من على كتفه اليمنى، ولما تيقّن بأنه كان وحيدا، سارع بالاحتماء بأقرب مكان غير مسكون كان في متناوله كما لو كان مدفوعا بقوة غير مرئي. زعزعته رؤية الملصق بعمق. فقد كانت تخصه بمعنى من المعاني: كان به وجه مغاير لوجهه هو، سواء من الأمام أو من جهة الوجنتين، لكن به بعض الشبه.

وجه يماثل محارة لها شكل دائري على نحو ما، وأقرب إلى أن يكون مُسطّحا، ويتسم بصفات آدمية تعلن عنها نتوءات متعرّجة وانتفاخات خفيفة تحيل على آثار حروق قديمة. باﻹمكان القول بأن ﻻ شيء يربطه برجل الملصق لولا وجود معطى آخر: الحذاء اﻷسود. فقد أخذت للرجل صورة في الزقاق الفارغ وهو ينتعل حذاء أسود مثله تماماً. حذاء مديني بسمك غليظ في اﻷسفل. حينها لم يفكّر سوى في أمر واحد: التخفّي.

لقد كان الشخص الوحيد الذي يمشي بحذاء شتوي في عز أيام الصيف. وبالتالي ﻻ يمكنه مرور الكرام دون أن يلفت الانتباه في هذا المنتجع البحري حيث صعد مؤشر الحرارة إلى درجة قياسية. أربعون درجة في الظل.

وكل المصطافين يذرعون الطرقات ﻻبسين نعالا خفيفة أو أحذية رياضية ومايوهات السباحة أو ملابس خفيفة. وهذا جعله يشكل نشازا مثيرا للعين. لم يكن بمقدوره تفسير هربه، خاصة مع وجود الملصق الذي يشكل لغزا بدوره، فقط إعلان بحث عن متغيّب. بحث عن شهود. أمر بالاعتقال على غرار ما كان يشاهد في أفلام الويسترن.

والحذاء اﻷسود هو الدليل الوحيد في قضية غريبة. فقد لوحظ مؤخرا هجوم سحابات من الذباب في سماء المحطة الصيفية. وقد ظهر ذلك ﻷول مرة حين رتعت ذبابة على بطن ضامر وبراق لسائحة شقراء كانت تتلقى حمام شمس مستلقية على رمال الشاطئ بالقرب من الحاجز المبني وسط الماء أسفل مقهى شهيرة بالمنطقة.

فاجأها ذلك وعكر صفو راحتها. وبشكل فطري شعرت بحدث غير عادي. وقد حاولت دق ناقوس الخطر، لكن ﻻ أحد من السكان أعار قولها ما يستحق من اهتمام. وفي الغد عندما ﻻحت في السماء أولى سحابات الذباب، في ذات المكان بالضبط، وبعد تكاثر الشكاوى، اضطر رجال الدرك لفتح تحقيق في الموضوع.

وهكذا عم الخبر المدينة السياحية الصغيرة، وبعد جمع المعلومات من أماكن متعددة، تم ربط العلاقة بين الظاهرة والرجل ذي الحذاء اﻷسود. وبالتالي صارت لهذا الأخير أهمية كبيرة رغم صعوبة تصديق ذلك. فمن هذا الشخص الذي يلبس حذاء شتويا في صيف حار؟ الناس هنا يرتدون ملابسهم حسب الموضة وتبعا لحالة الطقس والفصول. هي طريقة إعلان انتماء إلى مجموعة بشرية معينة. وما صدم الناس ليس ما قام به الرجل من فعل بل هيئته التي عدت اختراقا لباسيا نشازا ونافرا أثار استنكارهم واحتقارهم.

حقا تحفظت بعض النساء النحيلات بألق وأرستقراطيات المنظر، وتردّدن في اتهام الرجل. لكن هربه وتخفّيه عن اﻷنظار جعلهن ينحزن إلى الرأي السائد. لا يهرب سوى المذنب. ومن غيره يكون جاء بالذبابة إلى المدينة؟ أما بالنسبة إلى الرجال ذوي الشعور الممشوطة إلى الخلف واللباس البوهيمي باذخ الثمن فقد غلب التنديد في شعورهم تجاه الرجل أكثر من اﻷسباب في حدّ ذاتها. فوجوده بالشكل الذي ظهر به هو ما لم يرق لهم، في حين أن ظهور الذباب ليس إلا نتيجة. فقد جاهدوا كثيرا ومنذ زمن في الحفاظ على نمط عيشهم وطريقة حياتهم ونقاء بيئتهم. وتساءلوا كيف تمكّن من الانسلال بينهم، وعبر أيّ ثغرة؟

كان وحيدا وجامدا، وكانت قدماه منغرزتين في الرمل، وقد كان يلبس الحذاء الذي يوجد في الملصق. وقد تعرّف عليه، وبعد مرور لحظة الاندهاش أسرع بإخبار السلطات. لكن الرجل اختفى حين عودته مرفوقا برجال الدرك.

كان المسكين قد قضى الصباح كلهم يسيح في المدينة غير فاهم معنى نظرات الناس المتلفتة نحوه عند مروره في اﻷزقة ومن أمام سطيحات المقاهي. وقبل منتصف النهار بقليل اكتشف الملصق. كان الزقاق المؤدي للشاطئ فارغا، فأسرع بالدخول إلى منزل التخييم هذا ذي اللون اﻷزرق الذي يتحد ولون السماء فوقه.

لم يكن من المفترض أن أفرّ، ﻻ داعي لذلك، فلا أحد يعرفني هنا، فكر في دخيلة نفسه، وهو ينكمش في مخبئه. وها هو يقع فريسة المطاردة والاتهام دون أن يبغي حصولهما. الشيء الذي جعل الشهادات تتقاطر لإغراقه أكثر فأكثر. نادلة بمقهى مواجهة البحر أكدت الشكوك. لقد رأيته عن قرب، وجهه مليء بحبيبات ومجعد طوﻻ مثل قوقعة محارة ملحوسة.

تصوروا، وجها كهذا لا يمكن أن يكون لشخص عادي، وحين انحنيت في لحظة خاطفة كي أخدم زبونا بجواره رأيت حذاء، وقد راعني منظره إلى حد أنني قلبت قنينة ماء كانت على الطاولة فكسرت آنية الإبزار، لاحظوا، إني لا أزال أعطس لحد الساعة. أمتأكدة حقا أنت بأنه هو. بالطبع هو، فقد كان يلبس الحذاء الأسود. لا أحد غيره. قالت وهي تعضد كلامها بإشارة من أصبعها إلى الملصق على الجدار الداخلي للمقهى.

صار الحذاء اﻷسود وسيلة إثبات لدى محجوزات المحققين. فقد تخلص منه الرجل في الشاطئ قبل أن يختفي عن اﻷنظار كما لو كان يتخلص من أداة جريمة. لماذا أتى فعلا كهذا ؟ ﻻ جواب أسعفه. وظل يردّد اﻷمر بينه وبين نفسه منكمشا في ظلال منزل التخييم. وفي الوقت ذاته، كان رجال الدرك يتداولون في أمره مع الساكنة باحثين عن المآل المخصص له في حال اعتقاله.

والحل الذي أجمع عليه الكل هو الطرد، لكن هل يصح هذا القرار في عصر الحرية والديمقراطية؟ الطرد هو عين الصواب، فخروجه من المدينة سيؤدي على اﻷرجح إلى رحيل الذباب عنها. فقد كانت حياتهم تنعم بالسلام منذ زمن وقبل أن يحل بين ظهرانيهم.

فمدينة التخييم هاته فضاء للحلم، جنة طبيعية يزورها في العطل الكثيرون لتذوّق أطباق المحار والنبيذ اﻷبيض. ومياه الحوض عدنية الطابع تهدّئ من الاندفاع القلق وتعالج اﻷحزان. وهو ما رام الرجل ذو الوجه المحاري تحقيقه حين دخلها، أن يصفّي دواخله من المنبع، لكن غاب عن ذهنه تأثير الطقس وأن للسكان أحوالهم وللمكان عاداته.

فالسنوات التي قضاها بعيدا عن المدينة، تحت أجواء الشمس الساطعة، أنسته كل هذه الاعتبارات. وجهل بأن الذباب اختفى من الشاطئ بمحاذاة الحوض. وقد يكون بعض منها قد تسلل إلى أمتعته في غفلة منه عندما عزم على السفر والمجيء إلى هنا.

وتذكر الملصق الذي استوقفه على حين غرة وهو يتوجه إلى مزرعة المحار التي يشاهدها اﻵن من مخبئه في الجهة اﻷخرى للزقاق السابح في نور الشمس. وشعر بصعوبة التنفس. رجلاه حافيتان وحنجرته جافة، والتعب أخذ من مأخذا. فتح قليلا أحد مصراعي النافذة المغبرة الوحيدة، فدخلت سحابة ذباب صغيرة ما لبثت أن التصقت بقطع الستارة اللزجة. أحس بالقرف وكاد يسقط خلفا. فاستبدت به رغبة الانتهاء من اﻷمر كله. فتمسك بحافة النافذة. وبقفزة واحدة نط خارجا.

كان الليل قد شرع يغطي سماء المدينة وبدأت المصابيح تشتعل في كل مكان. ومشى الرجل.

الغريب أن ﻻ شخص أعاره انتباها. كان المصطافون يتجوّلون منتشين ببرودة المساء الملطّفة. وحاول أن يحدق بإلحاح في وجه بعضهم. تجاهلوه بالكامل. واثقا ذرع أزقة عديدة حافي القدمين. من حين إلى آخر كانت بعض التجمعات البشرية المتجمهرة حول واجهات تثير اهتمامه. ورأى رجلا وامرأة مسنين يحدقان في ملصق على حائط بالقرب من كنيسة ذات معمار ما بعد حداثي. وتقدم نحوهما ونظر بدوره، لكن ما رآه جعله يرتجف. كان رجل في الملصق وكان حافي القدمين هذه المرة!

وسمع صوت نسويا يحدثه:

- لقد عرقت كثيراً هل عادت الرؤى من جديد؟

- نعم. لكن ﻻ عليك.

أجاب بمشقة كما لو كان يستعيد وعيه.

أجال البصر حواليه. أناس جالسون إلى طاولاتهم يرتدون ملابس خفيفة وفاخرة، يأكلون ويشربون ويتكلمون ويبتسمون ويداعبون بعضهم البعض باﻷذرع أو يتبادلون القبل.

نظر إلى اﻷرض وﻻحظ أن قدميه كانتا حافيتين، ثم تطلع إلى ملصق على الجدار الداخلي للمقهى والذي كان ينعكس على الواجهة الزجاجية بالقرب من السطيحة على بعد أمتار من طاولته.

- يجب أن أتوقف عن السفر، وأن أستقر في مكان ما. قال لزوجته.


كاتب من المغرب