طيّارة الريح

الجديد  يوسف بوذن [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(128)]

لوحة: بكري بلال
1

حكاية على شكل بكاء:

كانت الطيور تسافر بعيدا، إلى أن تنطفئ من عيني، إلى غاية البداية.

في هجرتها، كانت تصل البداية لتبدأ.

وفي الطريق رأيت أسرابا تتعجّل الثواب، وتنتظر. نامت على حافة الخطوات فنبتت أحجارا وظلالا وساقية في جبل.

مرّت الطيور، حطت على الأحجار، ذاقت ماء الساقية ثم أخذت رداء الظل وأوغلت في هجرتها، قد تكون السحابة مطرا وفيرا.

وكان قلبي كل أسراري، أجد دفاتر وآلاما جارحة ومغامرات بريئة قد لا تعني شيئا إذا حكيتها لكنها حياتي كلها.

في قلبي كلّ شيء، فمثلا هناك مكتبة أضخم من قلبي، وأفرشة أمّي العتيقة ولوحات كثيرة، كثيرة لدالي وصلاح طاهر، ومكان لامرأة. هل تكفي أحضانها لاحتواء يتيم من المهد إلى اللحد؟ وتتوّج الخد الآن بدمع الزهر، جاء البحر، فمدّي يديك إلى ذاكرتي المالحة، امنحيها أنسك لعلها تورق بعدك سباخي. وفي قلبي كرسي، يسبح في دمائي، أستضيف كل ليلة من أشاء، ابن عربي قال في الليلة الماضية “والعمر إنما هو منام في منام وإذا كان الأمر على ما قرّرناه فاعلم أنك خيال وجميع ما تدركه ممّا تقول فيه ليس إلا خيال. فالوجود كله خيال في خيال” (1).

ليت الفناء الذي يبقيني يكون من ضياء أسفارك يا شيخ المآل. ترجموني: لماذا تبكي اللغة بين يديّ، تبكي إلى قدميّ؟ كيف أسكتها، وأضيف لها بكائي، وأبكي إلى قدمها؟ يذكرني المداد بحريق الكلام، نائما في صورة الطفل، وكان وجهه مجالا للبهجة والقبلة الآتية. وتلهو أنامله بسبحة يجدها في منامه، وسرعان ما تتطاير حبّاتها وترقص أمام عينيه فتولد شفتاه، وينهض المداد خلقا سويا.

كان الطائر يهاجر إلى أن ننسى عودته، ثم يعود بالسماء، ويقول أشياء عن الذاكرة والمصير. سأحكي. جاء في قلبي:

كانت سعاد تبكي خلف بيتنا، وتمسح بطرف جبتها دموعها، لم أكن أدري أنها تبكي، وتمنحني وجها بريّا للأمطار.

- لم تبكين؟

- سمعت أبي يقول إن سعاد تكبر، ومن رأيي لقد مضى زمن الرعي.

تعالي إلى صدري، تعالى الانكسار الذي أحناك إلى مداري وأذاب ظلينا في المداد.

كنا نرعى الأغنام في الجبل المحاذي لآلنا، وكنا نحفر على وجه الصخر اسمينا ويمرّ المطر فيغسلهما، فيصيرا وشما جبليا، ذاكرة. وكبرنا مع الأعشاب ومياه الينابيع، كنا نحس دائما بأن ماء الجبل يسقي روحينا، كان الماء سؤالا بين شفتي سعاد:

- من أين تأتي هذه المياه؟

وتنظر إلى الفجوة لعلها تكتشف السر، واكتشفت أنا شيئا آخر في فجوة صدرها.

قرب العين كانت شجرة التين تهزّ أوراقها وتكشّف صدرها عن تينتين، شربت حفنة الماء، شيء ما في صدري تفتّح فانسحبت نسمة مجهولة إلى مكان الفرح لتوقظه. فرحت. كانت أمي تقول:

- التين ممزوجا بالعسل شفاء للصدور!

من أعلى الجبل كنت أرى على يميني المقبرة هامدة في صمت مخيف، المكان الوحيد الذي يرهبني ويشتت بهجتي، مكان لا يحبه الأطفال ويُبكي الكبار!

تسألني سعاد عندما لاحظت شرودي:

- عندما نموت، أين نذهب؟ ولماذا لا نعود؟

وأضافت:

- قالت لي أمي عندما نموت نصعد إلى السماء، إلى هناك.

وأشارت بسبابتها إلى الأفق.

قلت:

- ذلك هو المكان الذي يليق بنا، إلى هناك نطير معا ونتلاشى في ذرات الهواء، لكن قبل أن نذهب إلى ذلك المكان خلينا نلعب ونرقص ونحلم لننسى احتمال أننا يمكن أن نفترق. لن نفترق “سعاد”، ونظرت إليها، كانت عيناها توافقني وتخجل أناملها قليلا.

ومن أعلى الجبل، أيضا، كنت أرى زينب زوجة رشيد تطرد دجاج الجيران من عتبة الدار، “فاطمة ” تكنس فناء الدار، و”مريم” جاء دورها لتهبط إلى البئر، تتعمّد الذهاب لتلتقي بـ”سعيد”. جمعهما الماء وصنع للنساء حكاية.

أمي تعرف كيف تصنع أكلتي بالسكر، كنت أنتظر أبي حتى يعود من السوق، لتغرقني يداه بالتمر، كانت يده مَرجِعا للفقه، يأتي الأهل إليه ليأخذوا يده حيث يتعذر الإجماع. وكانت أمي تقول:

- في عيني ولدي امرأة أراها قادمة، توشك أن تنزل من جفنه وتسلّم علينا.

لكنها عندما تحدث أبي تسمّي المرأة باسمها:

- وجدت في عينه سعاد تؤم أفراحه. ابني عينه على سعاد.

وتدندن أمّي أغنية بربرية جميلة، سعاد كانت بين ضلوع الأغنية ولا تغيب في صوتها.

غنت أمي:

جاء الفارس من الأبعاد

من الأبعاد النائية

وأخذ اليمامة من عرشنا

واستوى في السماء

والنعمة حكايا في حقولنا

والصبايا سنابل الحصاد

نقرّب لليمامة أهازيجنا

والحناء

إذا عادت… إذا عادت.

خرجت لألقى “سعاد” وجدتها تنسج بساطا جديدا، في عمرها تصنع الدفء وكلام الأتراب.

كنت أظن أنني الفارس القادم من الأقاليم البعيدة، لأحملها إلى مملكتي.

كيف لي أن أتوّجها بالكلام الذي يحبّها وهي التي تقلدني أجنحة بيضاء وتسكنني في أصوات العصافير.

وعندما كنت أبوسها، كنت كمن يثأر لكل المفازات وللأرض العطشانة. أبوسها وليس في العسل إن كان في المفاوز والجبال خراج!

أبوسها، كلمة كانت قبل الفقه، وزمن من السكر و اللجة المرمرية. يتورّد خداها بأعشاب المواسم التي ينبئنا بها أبي في رؤاه. كان إذا رأى، ترقّبنا سعي الرؤيا في حقولنا.

آمنت بخديك، وأصابعك النحيفة التي تطرز من الأشياء بصرا وأغاريد.

غدا نرعى أغنامنا في جبل الحمام، سأرافقها ونمرح في الوقت. كل صباح روح تسري في الندى، كل عشب يؤرخ للمكان وعمرا يحالفنا:

-في المكان كذا، تنبت العشبة التي تريد.

أكاد أبكي.

- نبتة تشفيني! كيف تتسلل إلى كياني وتحاصر الوجع، هل تعرف طرقي المظلمة والأبواب الصدئة؟

سعاد تراعي الأغنام خشية الذئب وتقتات من نبات الأرض، عندما تدركها. كنت أتابعها وقد أغفو وأسرح مع كل إشارة يناديني بها المرتفع.. وبين لحظة وأخرى يخترق الفضاء صوت مجهول، ربما صوت طائر متمرد.

أسرح بعيدا وأسأل “سعاد” عن جدوى الأحجار أجدها أمامي، وأنبّهها إلى وجود ثغرة قاتلة على جانبها، السم قاتل يا “سعاد”.

كانت “سعاد” تحفظ سورة الفجر وتردّدها وسط غابة من الضوء، حفظتها عند الشيخ وأذن لها بأن تمحو اللوحة وتكتب من جديد.

تباركت يدك بعزة الصمغ و البياض.

كانت تسألني عن إرم ذات العماد، فأتعجّب، كيف تعبّر عن نفسها وهي التي لم يخلق مثلها في العشيرة، هي أجمل من “مريم” ابنة إبراهيم ومن بنات الأهل كلهن.

- إرم ذات العماد، عينان صافيتان، ومدينة تسرق العالم لفتنتها وتباهي المدن بكبرياء مبين.

قالت:

- وفيها الماء والجنان.

- وأنا وظفائرك، إذا كان في العين شهوة في المدى الخصيب.

وانتبهت:

- أعيدي الشاة إلى القطيع.

كنت محفورا في وجهه الرؤيا، وتأخذني رعشة شفافة من كل نظرة تجذبني إلى السؤال:

- هذا العنب الكاذب! أخشى أن تكون “سعاد” مثله، لا أريد أن تجابهني الوحدة، أخشى أن يغتالني الكلام بلا صدى يؤانسني.

عندما أقاسم “سعاد” خبز الظهيرة وتسقيني ماء المطر، يسرقني الخيال إلى رحم البعثة، إلى الأشياء الأولى، إلى البُردة التي كانت تجمعنا جميعا.

من أين تتكلم “سعاد”، ومن أين تخرج الكلمات، ربما من نفس المكان الذي ينبع منه الماء، قرب شجرة التين، من أعماق الزمان.

وأنفها… منك تعلمت أن الطيور الأصيلة تهاجر، ومهما طالت هجرتها، يرجعها الحنين من حيث جاءت. هناك شيء ما في أنفك، أطياف ترود، تجعل اللغة لا تعرف كيف تعبّر، وتسلّم أمرها للفتنة والغواية.. الله أعلم!

أورثتني حب الشعر الأسود، والعيون الخجولة، أورثتني الحب. وعندما أورثتني هذا الأمر فإنك تزرعين في كياني ما يشبه المؤامرة، حكاية سرية تبيح دمي وأعصابي وما تبقى من عقلي.

وصرخت ببربرية مفعمة بالأوشام:

- أحبك.

وردد الصدى أعراسي وقال:

- لك العهد نكتبه في السماء، فاحفظ انتصارك ولا تتنكّب!

“سعاد” خير من ألف شهر، وطفولة تنسج الأزمنة في مبسم بريء، العمر عين تسافر وتقتني مشهدا من الحوانيت العتيقة ولا تسامرنا إلا لتقول:

- بعد هذه الموجة فراغ وموت مرير.

لو كان بإمكاني أن أستدعي كل أطفال العالم، وكل الذين كانوا أطفالا ذات يوم، لنشعل عيدان العنبر لعل زمن النفط يخجل من ذنوبه، تعالوا جميعا، نلعب لعبة نحبها، تعالوا نلعب في فنائنا وننشغل بعرائسنا، فناء الدار يحتضنكم كما احتضن من قبل محاصيل القمح ونومنا مع القمر. ولنفترق على قبلات أمّي وعلى حليب تقدمه لنا في إنائنا الفخاري. من عادة أمي البربرية أن تخبّئ للزائر أجمل الأواني وتمنح من حضنها حلوى وبرتقالا.

2

وكان بين أغصان شجرة التفاح، في زاوية الفناء، عصفور، يحط كل يوم، يأخذ القش ويدور فيبدع أشكالا ودوائر تأخذ مع مرور الزمن شكل عش بديع، دافئ.

وكان العصفور يحيرني، ينشغل بعشه لبعض الوقت، ثم يطير ويحط على أشجار “سعاد” ليعاكس عصفورة وديعة، تنام بعد الإجهاد. فكّرت أن أطرده من شجرتنا، لكنه كان قد بدأ يدخل إلى قلبي، كان جميلا ومشاغبا وكنت أعطف عليه.

يكفي أن أنظر في عينه حتى أدرك أنه ليس ككل العصافير، كان على الدوام يستقبل عهودا جديدة ويأمل في عش كبير.

سميته “يوسف”، كنت قد وصلت حينئذ إلى سورة يوسف، قرأتها مع شيخنا فقال:

- أجمل السور هذه، توسدها في أيام القلق فإنها نافعة.

وكنت أدرك أن “يوسف” العصفور، متخم بالبراعم والبدايات.

كان أجمل سورة في شجرتنا.

العصفور يعكس الحكاية. عندما أتجسّس على حركاته، أدرك أنه جنّن العصفورة بكلامه الساحر ولم يبق لها إلا أن ترتمي بين جناحيه وتضع رأسها بين أشواقه، فيمد جناحه ويأخذها إلى عشه.

أخاف عليك يا “يوسف”، الحكاية ليست على المنوال الذي تحلم به.

وكانا يحلقان، يتعانقان، يخلقان نغمات ووشوشات حالمة. فكرت أن أعاقبه لكني تراجعت، لا أدري لماذا فكرت.. هكذا..، لو أخبرني عن “سعاد” ما عساني أقول له؟

تركته مع عصفورته، يكبران، ويريها عشه، الأحضان التي ستجمعهما عما قريب، وكان يدس أنفه في عنقها ويهمس لها:

- جاء الخصب وجاء الجفاء، والشمس ما تزال جامدة، كامرأة متكبّرة، تحرق أعصاب الحشائش بقسوتها.

توسلت أيدي الفلاحين السماء، فجاءت الأمطار، انتظرتُها فجاءت، كانت تسمعني عندما أدعوها لتأتي وأقول، إذا أمطرت هذا العام فسأقدم لـ”سعاد” مهرها، أبوها على حق عندما قال إن سعاد تكبر.

سعاد كبرت..

أرسلت لها خاتما، اشتريته من محصول القمح، كان يساوي قنطارين كاملين.

كنت أتذكر أصابعها النحيفة لكنها الآن، تمتلئ بالحب.

يا لجلال أصابعك يا سعاد

وكلامك البربـري

هذه حكاية، يقول للعصفورة لئلا تغار، فيبدو جلّنار خدها بهجة في عينيه فيلفها في وجوده ويكلّمان القمر، الشاهد الأمين على يقينهما.

عربة الخيل تعود إلى ديارنا، جوادان أصيلان يسرعان، لو يسرعان أكثر.

بعنا القمح، ومهرها يدفئ قلبي.

سعاد لم يبق إلا القليل وتكونين في بيتي، أنت بيتي، لو يسرعان أكثر.

على مشارف ديارنا، قال شعبان:

- الناس يتجهون إلى المقبرة ويحملون نعشا، يبدو أن الحاج أحمد انتهت أيامه يرحمه الله.

وقال البقية:

- يرحمه الله، استراح من المرض ومن عذاباته.

وصلنا.. أقبل أخي الصغير وهمس مرتجفا:

- لقد أخذوا سعاد إلى المقبرة، يقولون سعاد ماتت. توقف قلبها فماتت.

لم أصدق، حاول أخي أن يسألني إن كنّا نموت عندما تتوقف قلوبنا، لكني دفعته وهرعت إلى المكان. عيون العشيرة كلها تقول:

- نعم ماتت، البقية في حياتك، لو كان بيدنا لتركناها حتى تعود. لكن الله غالب.

أين أذهب؟ ماذا أفعل؟ أتمرّغ في التراب؟ تمرّغت. أنشب أظافري في شعري؟ لا.. أهرب. أين أهرب؟ سعاد ماتت. لماذا ماتت، لماذا تموت الآن بالضبط، والمهر لمن، في لحظة فقط كان مع قلبي؟

يعني ماتت. ماتت. قالت العشيرة، ماتت، والحاج أحمد، كيف ماتت، هل أضحك، ماذا أفعل؟ كيف؟ أموت أنا أيضا! ولماذا أبقى؟

تعفنت في لمح البصر. أخذني الأهل وأقبلت أمي كسيفه واحتضنتني. احتضنيني أمي أكثر، املئي الفراغات، الجليد الذي هشم شفاهي، لا تتركي الطعنة تعبث بأعصابي وبكبدي.

- هل يشرب الناس الماء في مثل هذا المواقف؟

– حاولي أن تلمّي ابنك.

احتضنيني بقوة، فأنا طفلك مهما كبرت. توقف قلبها، لماذا توقف الآن؟ لو تأخّر قليلا. وبعد أمي لم أعد أذكر شيئا.. كيف فارقتها وأين التجأت. لم أعد أذكر شيئا. الذاكرة تسبح في ذكرى أبدية، في لغة المداد الأولى.

وعاد العصفور يحمل آخر قشة لعشه. دنا من شجرة التفاح، فرأى غريبا من عصفورته. عصفورته مع الغريب، وتتركه يقبّلها وينسج معها حكاية أخرى، في عشه! سقطت القشة، أخذتها الريح، معقول أن تخونه، عصفورته، أهذا معقول؟

آخر قشة! لو يسألها، لماذا يسألها؟ كل شيء واضح. إنه يقبلها وتتركه هي يقبلها، برضاها. لماذا يدافع، وعلى من يدافع؟ وهل هذا عش تدافع عنه الطيور!؟

ظل العصفور يحلق بعيدا، يعود متوترا، مستعجلا، يدور حول نفسه حتى يكاد يغمى عليه، ثم يعاود التحليق ويطلق صوتا حزينا كأن به شيئا ما. آخر قشة ويكتمل، كانت تخدعني، ويدور حول نفسه، يقبض جناحيه ثم يحلّق مغتاظا خائبا. وفي ذلك المساء عاد القطيع ولم أعد، كنت أجوب المرتفع لأعيد تفاصيل الذاكرة، أتفقد رائحتها وأبكي. سعاد أصبحت ذكرى!

اشتقت إلى الأعشاب، قبيلتي وولائي، سعاد كانت معي تغنّي للطيور وتحرس أعشاشها من كل طارئ، وتهدهد صغارها وتُسرّ لها:

- غدا تحلقون يا شطار في الفضاء، مثل سلالتكم. أما الآن فناموا كأطفال مهذبين حتى تعود أمكم.

ماتت، ويردد الصدى: آتت.. آتت.

لمن أمنح بصري بعدك، ومن يلمس منكبي عندما نعود بالقطيع ولم يسرق منا الذئب شيئا. هل تعودين لأخبرك أن الليل بعدك بئر مهجورة، تسكنها الأشباح وأن الجبل مرفأ للحيات والغدر.

أغنية أمي.. أمحو اللوحة.. الأجنحة البيضاء ترفع سعاد إليها، إلى ذلك المكان الذي يخافه الأطفال وأبكاني أنا.. القبر، التراب ينثال على شعرها وعلى أنفها. نظرت لوجهك، إلى أن جاء الصيف، ولما حان الحصاد، وكان أبي يحمل منجله لحقلنا الوحيد، لم أجدك.

لمّا أشكو لك عذاب الحصاد وأحكي تاريخ أصابعي مع السنابل، أجد في أصابعك جهاز البيت، أجد رفقا وصباح الرعاة يخرجون إلى مراعيهم.

فتحت كفي فوجدت الفراغ، صفعني الهجير وأضرم في قلبي لوعة الأرض.. لهفة الماء.

الأجرام البعيدة تبدو كلؤلؤة صغيرة، مرصعة في أقصى التصور، وسعاد البعيدة كصوت الناي يأتي من الأبعاد النائية، ويعانقني وجودها كلما شدا مبسمها بحروفي.

ترى ماذا يعني اسمي؟

تعالي سعاد نلعب، نعود من حيث خرجنا، أكلة من السكر، إرم ذات العماد، أضحك ويضحك الصدى، ويضحك الصدى. حافي القدمين، مخطوف العين، ممزق الشفاه والثياب. مات الوقت وسمل، وبقيت سعاد أصواتا. البياض القاتم. الجنون. كان يجب أن تصمت كل الأصوات إلا صوت القلب، الروح.


كاتب من الجزائر