دروس مستفادة في فلسفة هيجل

يتحدث ج. ف. ف. هيجل (1770-1831) عن جدل السيد وخادمه في كتابه “فنومنولوجيا الروح” (1807) تحت عنوان رئيس هو “الاستقلال الذاتي وعدم الاستقلال، الوعى بالذات” قائلا ” إن الوعي بالذات هو في ذاته ولذاته، وبالتالي فهو موجود في ذاته ولذاته من أجل الآخر” (1). وتعنى هذه العبارة أن الأنا هي واقعة من أجل الآخر(a reality for –others). والآخر يتعرف على وعيه بذاتي من خلال أنني أكون بالنسبة إليه سيدا أو خادما وذلك ما يتوقف على الآخر. فهل الآخر يتخذني ذاتا بالنسبة إليه في وعيه بذاته أم يتخذني موضوعا؟ فأنا أكون فقط وعيا بالذات من أجل الآخر، باختصار لا يمكن أن أوجد بدون الآخر. فالوعي الذاتي يعتمد أساسا على الآخر (2).

الجديد  محمد سيد عيد [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(132)]

لوحة: Mazen Boukai
فنحن هنا بإزاء موقفين مختلفين: موقف السيد (أعني موقف الوعي الخالص بالذات)، وموقف العبد (أعني موقف الوعي الذي رفض المخاطرة بحياته في سبيل إشباع رغبته في انتزاع اعتراف الآخر به).

وعلى حين أن السيد قد خاطر بحياته، ومضى في عملية الصراع حتى النهاية فاستطاع أن يظفر باعتراف الوعي الآخر به، نجد أن العبد قد رفض المخاطرة وتخلى عن رغبته، ومن ثم فإنه قد اقتصر على إشباع رغبة الآخر، وبذلك اعترف بالآخر دون أن يلقى منه أيّ اعتراف! ومعنى هذا أن العبد قد اعترف للسيد بأنه “الوعي بذاته”، بينما بقى هو نفسه (أي العبد) متعلقا بأهداب الحياة، من حيث هي كذلك، فأصبح متوقفا في وجوده على كل من “السيد” من جهة و”الطبيعة” (أو الأشياء) من جهة أخرى . ومن هنا فإن العبد هو ذلك الموجود الذي بقى أسيرا للطبيعة، دون أن ينجح في التحرر منها خلال عملية الصراع (3).

الجدل هنا يظهر في مسألة الوعي بالذات نفسها. فمن يخدم الآخر وليس من يكون عبدا للآخر. فالذات تعرف ذاتها أو تتعرف عليها وتعي بها من خلال الآخر وبذلك فإن السيد هنا هو الذي يقوم بهذه الخدمة أي هو الذي يقوم بتعرف الذات على ذاتها وهو الذي من خلاله تتم عملية الوعي بالذات.

ومن ناحية أخرى فإن الذي لديه الاستقلالية بذاته هو السيد، بينما من لا يملك استقلاله لذاته أي معرفتها والوعي بها فهو يبحث عن سيد يقوم له بهذه الخدمة. وبالتالي فهو ليس عبدا كوظيفة في المجتمع أو طبقة في المجتمع ولكن هي خدمة التعرف على الذات والوعي بها. فهي خدمة مقابل خدمة (سيادة) أي شيء في مقابل شيء وليست عبودية. فالخادم يعترف بذاته من خلال الآخر الذي يقوم بالاعتراف بذاته من خلال هذا الآخر الذي يخضع له.

فالموقف لدى الخادم هو الخضوع للاعتراف به، والموقف لدى السيد هو السيطرة للاعتراف به. إن مفهوم الحياة عند هيجل هنا هو ليس فقط النقيض للموت ولكن الحياة هنا هو “هذا الموضوع المنعكس في ذاته (Reflexion-in-sich) (4). ويتم الوعي بالذات في هذه الحياة، من خلال تخارج الذات إلى العالم وتحققها فيه. والخادم لديه هذه الرغبة في الحياة (الحياة المتخارجة) “فالوعي هو رغبة من الخادم في نفى الاستقلال”.

إن السيد يستخدم التهديد بالموت ليجبر الخادم على العمل من أجله. يختار الخادم الاحتفاظ بالحياة والعمل من أجل السيد أكثر من مواجهة إمكانية الإبادة. ويصرح هيجل بأن الخوف الذي يعانى منه الخادم هو الخوف من الموت. إذ أن هذا الموت الذي يخاف منه الخادم هو السيد المطلق. إذ يتحول النفي الطبيعي للموت إلى نفى قوة الخادم.

إن أعمال الخادم لا تدمر الطبيعة، بوصفها رغبة، لكن تحول الطبيعة إلى موضوع للسيد. ويرى الخادم نفسه عبر عمله بوصفه مستقلا تماما عن الطبيعة التي يرسمها لاستمتاع السيد وفى نفس الوقت، بالنسبة إلى السيد، بقدر ما لا يعمل السيد في الطبيعة بل يستمتع بها، هو يفقد الاستقلال من الطبيعة. فالسيد الآن هو يعتمد على الخادم ليمارس استقلاله في الطبيعة باسمه. ومن خلال المخاطرة بحياته يثبت السيد استقلاله في الحياة. تعطي هذه المخاطرة للسيد السلطة على الخادم من خلال تهديد الخادم بالموت إذا لم يقم بخدمته، في خدمة الخادم، على الرغم من ذلك، إن السيد يصبح معتمدا على الخادم من أجل استقلاله في الطبيعة (5).

إن الموت يظل دائما سلاح تهديد فقط ولا يوجد باستطاعة أي من الطرفين استخدامه مع الآخر. ومادام أحد طرفي الوعي الذاتي مات، فلا يمكن للوعي أن يتطور. فلا يمكن أن يندرج الوعي الذاتي من خلال الحصول على أداة الموت. على الرغم من ذلك، لا يوجد بعض النجاح لمظهر الوعي الذاتي بوصفه سيدا وخادما، فيظل السيد واعيا بأنه لا يستطيع أن يكون أداة للموت. إذا قتل السيد الخادم، فإن الاعتراف به والذي يسعى إليه سيفقد. إن ما يستطيع السيد فعله ، على الرغم من ذلك، هو التهديد بالموت (6).

إن موقف السيد هو أنه ليس الذي يحصل على الوعي الأدق في الموقف الإنساني طالما كان يتظاهر بعد معرفة خلفية الوجود والاتصال التي يتلاعب أمامها يأسه وغروره. بل هو العبد الذي شعر حقا بالخوف وعدل عن إيقاع الهزيمة بالسلاح والذي مرّ بمفرده بتجربة الموت؛ لأنه وحده شعر بحب الحياة. فالسيد يود ألا يوجد إلا لنفسه والواقع أنه يسعى لكي يعترف به أحد بوصفه سيدا. وهو لهذا ضعيف في أوج قوته. أما العبد فيرضى ألا يوجد إلا للآخر ولكنه هو نفسه الذي يريد أيضا أن يحتفظ بحياته بهذا الثمن. وبالتالي تكمن القوة في ضعفه (7).

موقف السيد-الخادم إذن هو محاولة للوعي بالذات عن طريق الآخر. ولكن لا تحقق هذه المعرفة الاستقلال؛ لأنني دائما منقسم فكلمة أنا هي دائما تعني في نفس الوقت الأنا بوصفها جوهرية ماهوية وأيضا تعنى بالموجود من أجل الآخر، فهي تعني الموجود في ذاته وتعنى بالموجود من أجل الآخر أو الذات في الآخر. الأنا بوصفها تصفني أنا وماهيتي والأنا التي تتحول إلى موضوع من أجل الآخر (السيد) فالذات هنا لم تحقق الاستقلال التام لأن وحدتها مفككة ومنقسمة فهي وجود في ذاته ووجود من أجل ذاته في آن معا. فهي بهذا لا تستطيع الاستقلال لأنها لا تعرف ذاتها إلا من خلال الآخر وحتى هذه المعرفة والاعتراف بها لم يتحقق بصورة كاملة. فهي لا تنفصل ولا تستطيع الاستغناء عن الآخر.

سيتجاوز الشرق هذه الثنائية ويستبدل الوعي الذاتي الخادمي بالوعي الذاتي الانعكاسي الذي يعكس حضارة وإبداع الحضارات الشرقية دون الحاجة إلى الآخر؟ متى يحاول الوعي الشرقي أن يتغلب على هذه الفجوة التي تفصل بينه وبين حقيقته

إن حديث هيجل هنا يلفت نظرنا إلى هذه الرؤية الضعيفة للذات أو هذه المرآة أو الشوافة التي لا نستطيع أن نرى إلا بها، وأقصد هنا ما نجده، على سبيل المثال، في علم الاستشراق. وهو يرجع إلى ضعف حاسة الإبصار للذات. فلا يستطيع كل طرف أن يرى ذاته إلا من خلال بحث الآخر عنها وهو بهذا يستمد وجوده. فالاستشراق مثلا هو محاولة من الغرب لاكتشاف الشرق وذلك لأن الشرق لا يستطيع أن يستقل بذاته ولا يستطيع أن يعي ذاته إلا من خلال الغرب الذي يبحث له عن خباياه ويكتشف له منجزاته ويُعرِّف الشرق بذاته. ومن خلال هذا الكشف يسود الغرب ويهيمن. وهو بهذا يحقق كل شيء.

وبالتالي لا نجد أيّ أبحاث أو مراجع إلا باللغات الأجنبية ولا نجد إلا ما يترجم منها. فالحضارة المصرية القديمة مثلا، هي حضارة الشرق ولكن الشرق لكي يعرفها عليه أن يترجم مئات الكتب التي كتبها الغرب عنه بالألمانية والفرنسية والإنكليزية. وذلك لأن الشرق يعجز عن أن يبحث عن ذاته. ومن خلال هذا الفعل من السيادة للغرب وهو الوعي بالذات الشرقية هو يسود ويبغي ليس ذاته بل ويكوّن حضارته. فلنا أن نتخيل أن الأميركيتين اللتين لم تتكونا إلا بالأمس تسود على حضارة عمرها ملايين السنوات.

فمن هنا السيد ومن العبد أو الخادم! السيد (الغرب) يبنى ذاته من خلال الخادم (الشرق)، وذلك الأخير يعيش ويعي ذاته عن طريق الآخر (الغرب) أو هو من أجل (الغرب). وإذا كان هذا صحيحا فمن السيد ومن الخادم؟ وهل هناك تهديد ووعيد من السيد (الغرب) للخادم (الشرق) كما في تصور العلاقة الهيجلية؟ أم أن الخادم (الشرق) هو الذي لديه ضعف في الإبصار ولا يرى ذاته إلا من خلال مرآة أو شوافة يشتريها من السيد (الغرب) بملايين الجنيهات؟

سعى د. حسن حنفي للقيام بالموقف المعاكس في كتابه “مقدمة في علم الاستغراب”؛ أي قراءة الغرب ومن خلاله تتم عملية الرد من قراءة الشرق بعيون غربية إلى قراءة الغرب بعيون شرقية. وهنا يتم الوعي بالذات لدى الغرب كما يقرؤه الشرقيون. محاولة منه لرد الاعتبار للذات الشرقية التي ليست خادمة دائما، ومحاولة إلى أن تكون هي السيد وليس الخادم. ولكن لازال الحل أيضا هو من خلال الآخر ومن خلال قراءته وليست البداية من الذات ولكن هي رد أو قلب وضع من السيد إلى الخادم والعكس.

والحقيقة أن موقف الخادم هو موقف ضعيف دائما كما يخبرنا هيجل، فهو يفضل فيه العبودية أو الخضوع للآخر؛ لأنه يخشى منه فهو دائما يعيش تجربة القلق والخوف من الموت (ولا غرو في ذلك فالثقافة العربية الإسلامية ثقافة الحديث عن الموت والبعث والخوف من الموت وبالتالي الخضوع والاستسلام والتسامح وانضمت إليها من الجانب السياسي السلاح النووي كأداة ردع) ومادام يعيش هذه التجربة من القلق على الموت فهو دائما يفضل العيش من أجل الآخر عن أن يضحى بحياته. والسيد (الغرب) دائم التهديد بالضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري.. إلخ.

ولكن الحقيقة أن الخادم يجب أن يعي أن السيد لا يستطيع أن يقتل الخادم؛ لأنه لا ينال الاعتراف بذاته إلا من خلاله. والخادم (الشرق) هو الذي يريد أن يكون كذلك، وذلك لأنه يفضل موقف الخضوع ويعيش دائما تجربة القلق وبذلك يكون الموقف من قبل الخادم تجاه السيد هو موقف افتعالي، فهو يريد أن يستخدم ويسود وهو برغم ذلك يضحّي في سبيل حياته لكنه سيفقد ذاته كما هو حادث في موقف الشرق الآن. إن موقف الشرق الآن هو ما يمكن أن نطلق عليه باصطلاح هيجل “الوعي الشقي” وهو وعى بالازدواج، بالطبيعة المتناقضة (8).

فهو وعي واحد بنمطين: نمط الوعي الثابت، ونمط الوعي المتغير. فيحاول الوعي أن يفقد حرية ذاته للوعي المتغير في سبيل الوصول إلى الوعي الثابت والماهوي، فالعدوّ هو الذات لنحصل في نفس الوقت على الفقد (9). فيتحد كل من الثابت والمتغير في الوعي الشقي، لأن ذات الوعي هو بالنقيض، فهو يعرف ذاته عن طريق الوعي المتغير ويتخذ ذاته وجود غير ماهوي. لكن في نفس الوقت يصبح الوعي الثابت أو الوجود الماهوي متحررا من ذاته غير الماهوية (10). فهو وعي بالثابت ولكنه في ذات الوقت يلغي المتغير .

ويضرب هيجل على ذلك مثلا بالوعي اليهودي، فهو وعي ومنقسم داخليا إلى موجودين متقابلين “ذات متغيرة عارضة من جهة وإله ثابت خالد من جهة أخرى”. لكن “هذا الموجود الثابت غير القابل للتغير هو الوعي اليهودى موجود غريب وخارجي” (ein Fremdes) وكذلك الأمر بالنسبة إلى الوعي المسيحي، فهو وعي شقي حين يتعلق، أو حين يربط نفسه بالمسيح “بوصفه حقيقة واقعية غريبة” (als einem Fremden wirklichen) فالوعي في هاتين الحالتين لم “يعرف” بعد أن الحقيقة هذه أو الموجود الغريب هذا ليس شيئا آخر سوى تخارج ينتمي إليه. إنه تخارجه الخاص.. عمله ونتاجه. ومع ذلك فإن الوعي يعمل جاهدا لكي يتغلب على هذه الفجوة التي تفصل بينه وبين حقيقته الواقعية الجوهرية. ومعنى هذا أن الوعي يحاول أن يجد ذاته في الخارج، فيما هو خارج عنه. وبقدر ما ينجح الوعي في ذلك يكون ذاته. أي أنه بقدر ما يتغلب على انقسامه ويحقق وحدته يكون حرا (11).

فهل حاول الشرق الخروج من عثرته وحاول التخلص يوما ما من تحقيق وعيه الذاتي ليس من خلال الآخر الذي يمارس السيادة عليه ولكن من خلال التخارج الشرقي لإنتاجه؟ متى سيتجاوز الشرق هذه الثنائية ويستبدل الوعي الذاتي الخادمي بالوعي الذاتي الانعكاسي الذي يعكس حضارة وإبداع الحضارات الشرقية دون الحاجة إلى الآخر؟ متى يحاول الوعي الشرقي أن يتغلب على هذه الفجوة التي تفصل بينه وبين حقيقته الواقعية الجوهرية؟ حينما يحدث ذلك سيكون لدينا وعي شرقي حر في ذاته ولذاته.


كاتب من مصر