سبعون‭ ‬بيضة‭ ‬ودجاجة‭ ‬واحدة

الآن‭ ‬وقد‭ ‬تجاوز‭ ‬شعراء‭ ‬السبعينات‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬سن‭ ‬الستين‭. ‬كلهم‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬استثناء‭ ‬وتوفي‭ ‬عدد‭ ‬منهم‭ ‬‭(‬كمال‭ ‬سبتي،‭ ‬صاحب‭ ‬الشاهر،‭ ‬رعد‭ ‬عبدالقادر‭)‬‭ ‬صار‭ ‬الالتفات‭ ‬إلى‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬ممكنا‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬مضى‭. ‬كنا‭ ‬نظنه‭ ‬يوم‭ ‬كنا‭ ‬صغارا‭ ‬آخر‭ ‬القرون‭ ‬وأشدها‭ ‬مقاومة‭ ‬وصلفا‭ ‬فإذا‭ ‬به‭ ‬يُطوى‭ ‬بيسر‭ ‬كما‭ ‬تُطوى‭ ‬غيمة‭ ‬سوداء‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تفرغ‭ ‬مطرها‭ ‬على‭ ‬حقول‭ ‬لن‭ ‬تتذكر‭ ‬شيئا‭. ‬قرن‭ ‬مشاغب‭ ‬وأرعن‭ ‬وخلاسي‭ ‬ودموي‭ ‬وصادم‭ ‬ومتمرد‭ ‬وتركيبي‭ ‬ومتلون‭ ‬وهو‭ ‬أعظم‭ ‬القرون‭ ‬حقا‭ ‬وأكثرها‭ ‬نضجا‭ ‬ومراهقة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

الجديد  فاروق يوسف [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(136)]

لوحة: رشوان عبدلكي
كان الأميركي‭ ‬أرمسترونغ‭ ‬قد‭ ‬سبقنا‭ ‬إلى‭ ‬القمر‭ ‬قبل‭ ‬الشعر‭. ‬عام‭ ‬1969‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أعداد‭ ‬مجلة‭ ‬ألف‭ ‬باء‭ ‬الأسبوعية‭ ‬يضم‭ ‬أولى‭ ‬قصائدي‭ ‬وكان‭ ‬غلافه‭ ‬يحمل‭ ‬صورة‭ ‬لرائد‭ ‬الفضاء‭ ‬الأميركي‭ ‬وهو‭ ‬يطأ‭ ‬بقدميه‭ ‬أرض‭ ‬القمر‭. ‬يومها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬اليسير‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المرء‭ ‬شاعرا‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬كالعراق‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الشعراء‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فراغا‭ ‬قد‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬كنّا‭ ‬نصبو‭ ‬إلى‭ ‬اقتحامه‭. ‬من‭ ‬نحن؟‭ ‬طلاب‭ ‬مدارس‭ ‬طويلو‭ ‬الشعر‭ ‬يمكن‭ ‬تمييزهم‭ ‬بقمصانهم‭ ‬المزهرة‭ ‬وسراويلهم‭ ‬الشارلستون‭ ‬وعزوفهم‭ ‬عن‭ ‬الكلام‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بشؤون‭ ‬الشعر‭. ‬

حين‭ ‬حدث‭ ‬ذلك‭ ‬الفراغ‭ ‬وقف‭ ‬الحظ‭ ‬معنا‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬تميز‭ ‬أبناؤه‭ ‬بسوء‭ ‬الطابع‭. ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬يمكن‭ ‬تلخيصه‭ ‬بانتقال‭ ‬شعراء‭ ‬العقد‭ ‬الستيني‭ ‬من‭ ‬البعثيين‭ ‬من‭ ‬المقاهي‭ ‬إلى‭ ‬مقاعد‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬يومها‭ ‬تقيم‭ ‬في‭ ‬برج‭ ‬عاجي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬البعثيين‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬إلا‭ ‬أقلية‭ ‬وسط‭ ‬أكثرية‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬الذين‭ ‬غلبت‭ ‬عليهم‭ ‬النزعات‭ ‬العدمية‭ ‬والوجودية‭ ‬والعبثية‭ ‬وكان‭ ‬أولئك‭ ‬الهامشيون‭ ‬والغاضبون‭ ‬والمعارضون‭ ‬العبثيون‭ ‬هم‭ ‬الفرسان‭ ‬الحقيقيون‭ ‬للثقافة‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الستيني‭. ‬كان‭ ‬فاضل‭ ‬العزاوي‭ ‬ويوسف‭ ‬الصايغ‭ ‬استثنائيين‭ ‬حين‭ ‬ذهبا‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬ألف‭ ‬باء‭ ‬الأسبوعية‭ ‬أما‭ ‬بقية‭ ‬الرهط‭ ‬المتمرد‭ ‬فقد‭ ‬ظلت‭ ‬مقيمة‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬المعقدين‭ ‬‭(‬إبراهيم‭)‬‭ ‬الذي‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬الزقاق‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬شارع‭ ‬السعدون‭ ‬مقابل‭ ‬مطعم‭ ‬نزار‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬خطوات‭ ‬من‭ ‬مكتبة‭ ‬النهضة‭ ‬وسط‭ ‬المدينة‭ ‬‭(‬ساحة‭ ‬التحرير‭)‬‭.‬

لم‭ ‬تكن‭ ‬الأحاديث‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المقهى‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬لرائدي‭ ‬الفكر‭ ‬الوجودي‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬أعشها‭ ‬واقعيا‭ ‬‭(‬منعم‭ ‬وقتيبة‭)‬‭. ‬وكان‭ ‬حسين‭ ‬علي‭ ‬عجة‭ ‬نجما‭ ‬ثقافيا‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬ينشر‭ ‬إلا‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬قصائده‭ ‬النثرية‭ ‬وكان‭ ‬صغير‭ ‬السن‭ ‬يومها‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سمعته‭ ‬مثقفا‭ ‬طليعيا‭ ‬تناسب‭ ‬سنّه‭. ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬المنضدة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجمع‭ ‬سركون‭ ‬بولص‭ ‬بزهدي‭ ‬الداوودي‭ ‬ومؤيد‭ ‬الراوي‭ ‬وعبدالرحمن‭ ‬طهمازي‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نراه‭ ‬فيما‭ ‬حرمنا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬رفاقه‭ ‬الثلاثة‭ ‬بسبب‭ ‬سفرهم‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬العراق‭. ‬

كان‭ ‬هناك‭ ‬أيضا‭ ‬وليد‭ ‬جمعة‭ ‬وصلاح‭ ‬فائق‭ ‬وعزيز‭ ‬السيد‭ ‬جاسم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يلمع‭ ‬نجمه‭ ‬باعتباره‭ ‬كاتبا‭ ‬سياسيا‭ ‬اختاره‭ ‬السيد‭ ‬النائب‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬صديقا‭ ‬له‭. ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬قابلت‭ ‬منعم‭ ‬حسن‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬سريع‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تتاح‭ ‬لي‭ ‬رؤية‭ ‬قتيبة‭.‬‭ ‬كان‭ ‬الاثنان‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬جيل‭ ‬الستينات‭ ‬من‭ ‬رواد‭ ‬مقهى‭ ‬المعقدين‭ ‬رمزين‭ ‬للمثقف‭ ‬الثوري‭ ‬الحداثوي‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يُعرف‭ ‬عنهما‭ ‬ميل‭ ‬إلى‭ ‬الكتابة‭. ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬الكتب‭ ‬الثلاثة‭ ‬التي‭ ‬أرّخت‭ ‬لتلك‭ ‬المرحلة‭ ‬قد‭ ‬خلت‭ ‬من‭ ‬ذكر‭ ‬لهما‭. ‬الكتب‭ ‬الثلاثة‭ ‬هي‭ ‬‮«‬انفرادات‭ ‬الشعر‭ ‬العراقي‭ ‬الجديد‮»‬‭ ‬لعبدالقادر‭ ‬الجنابي‭ ‬و‮»‬الروح‭ ‬الحية‮»‬‭ ‬لفاضل‭ ‬العزاوي‭ ‬و‮»‬الموجة‭ ‬الصاخبة‮»‬‭ ‬لسامي‭ ‬مهدي‭.‬

كانت‭ ‬هناك‭ ‬أساطير‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العصر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يخل‭ ‬من‭ ‬المبالغة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬عصور‭ ‬العراقيين‭.‬

يوم‭ ‬تعرفت‭ ‬على‭ ‬قدوري‭ ‬‭(‬العظيم‭)‬‭ ‬كان‭ ‬فشل‭ ‬حركة‭ ‬الكفاح‭ ‬المسلح‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬في‭ ‬الأهوار‭ ‬جنوب‭ ‬العراق‭ ‬زعيم‭ ‬القيادة‭ ‬المركزية‭ ‬للحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬عزيز‭ ‬الحاج‭ ‬قد‭ ‬ضرب‭ ‬رواد‭ ‬ذلك‭ ‬المقهى‭ ‬بعصفه‭ ‬المدمر‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬سببا‭ ‬في‭ ‬تفرق‭ ‬شملهم‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬الكثيرين‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬بيروت‭ ‬للالتحاق‭ ‬بالجبهة‭ ‬الشعبية‭ ‬لتحرير‭ ‬فلسطين‭. ‬كان‭ ‬إبراهيم‭ ‬زاير‭ ‬الرسام‭ ‬والشاعر‭ ‬أحدهم‭ ‬وقد‭ ‬انتحر‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬بيروت‭.‬

كان‭ ‬قدوري‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬سلالة‭ ‬البروليتاريا‭ ‬الشعرية‭ ‬الرثة‭ ‬التي‭ ‬مثلها‭ ‬كزار‭ ‬حنتوش‭ ‬في‭ ‬جيلنا‭ ‬خير‭ ‬تمثيل‭. ‬كان‭ ‬الرجل‭ ‬أميّا‭ ‬ويعمل‭ ‬خبازا‭ ‬حين‭ ‬اعتقل‭ ‬في‭ ‬سجن‭ ‬‮«‬نقرة‭ ‬السلمان‮»‬‭ ‬الصحراوي‭ ‬وكما‭ ‬أخبرني‭ ‬بأن‭ ‬الشاعر‭ ‬مظفر‭ ‬النواب‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬علمه‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬أيضا‭ ‬ملهمه‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬الشعر‭ ‬الحديث‭. ‬عمل‭ ‬قدوري‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬وعي‭ ‬العمال‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬عزيز‭ ‬السيد‭ ‬جاسم‭ ‬يشرف‭ ‬على‭ ‬تحريرها‭.‬

كشف‭ ‬لي‭ ‬قدوري‭ ‬‭(‬عبدالقادر‭ ‬العزاوي‭)‬‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬للستينات‭ ‬الشعرية‭. ‬كان‭ ‬شعره‭ ‬بسيطا‭ ‬ومتواضعا‭ ‬مثله،‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الادعاءات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬الشعر‭ ‬الستيني‭ ‬يضجّ‭ ‬بها،‭ ‬بسبب‭ ‬وقوع‭ ‬غالبية‭ ‬شعرائه‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬شعر‭ ‬جيل‭ ‬الـ‮»‬بيت‮»‬‭ ‬وبالأخص‭ ‬غينسبرغ‭ ‬في‭ ‬قصيدته‭ ‬‮«‬عواء‮»‬‭. ‬لم‭ ‬يقرأ‭ ‬أحد‭ ‬يومها‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬على‭ ‬الطريق‮»‬‭ ‬لجاك‭ ‬كيرواك‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الغداء‭ ‬العاري‮»‬‭ ‬لوليام‭ ‬بوروز‭ ‬لأنهما‭ ‬لم‭ ‬تترجما‭ ‬إلى‭ ‬العربية‭ ‬حينها‭. ‬

ولأنني‭ ‬لم‭ ‬أعجب‭ ‬في‭ ‬بداياتي‭ ‬قارئا‭ ‬للشعر‭ ‬إلا‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬سركون‭ ‬بولص‭ ‬الموزونة‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬نشرها‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬شعر‭ ‬اللبنانية‭ ‬فإنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أميل‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الروح‭ ‬التجريبية‭ ‬التي‭ ‬غمرت‭ ‬الشعر‭ ‬العراقي‭ ‬بقدر‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬التهريج‭ ‬المرح‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الروح‭ ‬العراقية‭. ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬حسين‭ ‬مردان‭ ‬‭(‬1927‭-‬1972‭)‬‭ ‬الذي‭ ‬أعجبت‭ ‬به‭ ‬ناثرا‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬الأزهار‭ ‬تورق‭ ‬داخل‭ ‬العاصفة‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬بعد‭ ‬موته‭ ‬وضم‭ ‬مقالاته‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬له‭ ‬وأن‭ ‬نشرها‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬ألف‭ ‬باء‭. ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬حسب‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر‭ ‬ديوانه‭ ‬‮«‬الطائر‭ ‬الخشبي‮»‬‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬كتابه‭ ‬الشعري‭ ‬الأول‭ ‬‮«‬نخلة‭ ‬الله‮»‬‭ ‬ليجعل‭ ‬منه‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬شاعرا‭ ‬كبيرا‭. ‬

وحده‭ ‬سامي‭ ‬مهدي‭ ‬في‭ ‬‮«‬رماد‭ ‬الفجيعة‮»‬‭ ‬كان‭ ‬آسرا‭ ‬وكنت‭ ‬أخشى‭ ‬الوقوع‭ ‬تحت‭ ‬تأثيره‭. ‬كان‭ ‬حسب‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر‭ ‬قبل‭ ‬‮«‬الطائر‭ ‬الخشبي‮»‬‭ ‬سيابيا‭ ‬وكان‭ ‬حميد‭ ‬سعيد‭ ‬في‭ ‬‮«‬لغة‭ ‬الأبراج‭ ‬الطينية‮»‬‭ ‬بياتيا‭ ‬‭(‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬البياتي‭)‬‭ ‬أما‭ ‬سامي‭ ‬مهدي‭ ‬فقد‭ ‬انفتح‭ ‬على‭ ‬القصيدة‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة‭ ‬بقدر‭ ‬لافت‭ ‬من‭ ‬التروّي‭ ‬والحصافة‭ ‬والتمكن‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬اليسير‭ ‬إلحاقه‭ ‬بأدونيس‭ ‬مثلا‭. ‬

وحين‭ ‬أصدر‭ ‬فاضل‭ ‬العزاوي‭ ‬‮«‬الشجرة‭ ‬الشرقية‮»‬‭ ‬منتصف‭ ‬السبعينات‭ ‬حقق‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الإنجاز‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬مسافة‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬‮«‬عواء‮»‬‭ ‬غينسبرغ‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬سيرته‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬كتبه‭ ‬الشعرية‭ ‬التالية‭. ‬حقيقة‭ ‬أنني‭ ‬أحمل‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الاحترام‭ ‬والتقدير‭ ‬لتجربة‭ ‬العزاوي‭ ‬كونه‭ ‬رجل‭ ‬كتابة‭. ‬إنه‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الكادحين‭ ‬المجتهدين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬الغامض‭. ‬العزاوي‭ ‬فنان‭ ‬كبير‭ ‬لذلك‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬مغالاته‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الفن‭.‬

كان‭ ‬هناك‭ ‬شاعران‭ ‬عربيان‭ ‬مهمان‭ ‬يقيمان‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬هما‭ ‬الفلسطيني‭ ‬خالد‭ ‬علي‭ ‬مصطفى‭ ‬والسوري‭ ‬خليل‭ ‬الخوري‭. ‬التحق‭ ‬بهما‭ ‬في‭ ‬الثمانينات‭ ‬شاعر‭ ‬مصري‭ ‬مهم‭ ‬هو‭ ‬أحمد‭ ‬عفيفي‭ ‬مطر‭ ‬وشاعر‭ ‬فلسطيني‭ ‬هو‭ ‬خيري‭ ‬منصور‭.‬ الأربعة‭ ‬لم‭ ‬يتركوا‭ ‬أثرا‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العراقي‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬تفردهم‭ ‬الأسلوبي‭. ‬كان‭ ‬لكل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬شخصيته‭ ‬الفنية‭ ‬اللافتة‭.‬

وسط‭ ‬ضجيج‭ ‬الستينات‭ ‬الشعري‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬الشعراء‭ ‬لا‭ ‬يُحصى‭ ‬كالعادة‭ ‬شغفت‭ ‬بكتاب‭ ‬شعري‭ ‬صغير‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬العودة‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬لا‭ ‬شيء‭ ‬يحدث‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يجيء‮»‬‭ ‬لعلي‭ ‬جعفر‭ ‬العلاق‭. ‬كنت‭ ‬يومها‭ ‬قد‭ ‬قرأت‭ ‬مسرحية‭ ‬صموئيل‭ ‬بيكيت‭ ‬‮«‬في‭ ‬انتظار‭ ‬غودو‮»‬‭ ‬مرات‭ ‬عديدة‭ ‬فجذبني‭ ‬العنوان‭ ‬المستعار‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬جمل‭ ‬تلك‭ ‬المسرحية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬قراءة‭ ‬ذلك‭ ‬الكتاب‭ ‬فتحت‭ ‬أمامي‭ ‬أبواب‭ ‬خيال‭ ‬مختلف‭. ‬كان‭ ‬العلاق‭ ‬عراقيا‭ ‬عميقا‭ ‬بعاطفته‭ ‬الحزينة‭ ‬التي‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬البكاء‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬صفاء‭ ‬لغته‭ ‬كان‭ ‬كفيلا‭ ‬بتنقية‭ ‬تلك‭ ‬العاطفة‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬اللمعان‭ ‬والبريق‭ ‬اللذان‭ ‬يحلّقان‭ ‬بالمرء‭ ‬وهو‭ ‬يقرأ‭ ‬في‭ ‬سماوات‭ ‬سعيدة‭.‬

لقد‭ ‬أسعدني‭ ‬علي‭ ‬جعفر‭ ‬العلاق‭ ‬بلغته‭. ‬أليس‭ ‬الشعر‭ ‬لغة؟‭ ‬كان‭ ‬لقائي‭ ‬بالعلاق‭ ‬حدثا‭ ‬استثنائيا‭ ‬نتج‭ ‬عنه‭ ‬انفتاحي‭ ‬على‭ ‬كتاب‭ ‬أرشيبالد‭ ‬مكليش‭ ‬‮«‬الشعر‭ ‬والتجربة‮»‬‭.‬

بداية‭ ‬السبعينات‭ ‬عاد‭ ‬من‭ ‬الجزائر‭ ‬الشاعر‭ ‬سعدي‭ ‬يوسف‭ ‬إلى‭ ‬العراق‭ ‬وقرر‭ ‬الإقامة‭ ‬الدائمة‭ ‬فيه‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يوسف‭ ‬قد‭ ‬قُرئ‭ ‬بشكل‭ ‬واسع‭ ‬قبل‭ ‬عودته‭. ‬استهل‭ ‬الشاعر‭ ‬عودته‭ ‬بقراءة‭ ‬قصيدته‭ ‬‮«‬نهايات‭ ‬الشمال‭ ‬الأفريقي‮»‬‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬أمسيات‭ ‬مهرجان‭ ‬المربد‭. ‬أتذكر‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬ذا‭ ‬الصوت‭ ‬الخفيض‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬قراءة‭ ‬قصيدته‭ ‬بسبب‭ ‬بكائه‭ ‬تأثرا‭ ‬بعودته‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬بعد‭ ‬غربة‭ ‬ليقوم‭ ‬محمود‭ ‬درويش‭ ‬بقراءتها‭ ‬بدلا‭ ‬منه‭. ‬حين‭ ‬أصدر‭ ‬سعدي‭ ‬كتابه‭ ‬الشعري‭ ‬‮«‬الأخضر‭ ‬بن‭ ‬يوسف‭ ‬ومشاغله‮»‬‭ ‬تغير‭ ‬اتجاه‭ ‬بوصلة‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬جيلي‭. ‬كان‭ ‬تأثير‭ ‬ذلك‭ ‬الكتاب‭ ‬عاصفا‭ ‬ومدمرا‭. ‬‮«‬ما‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬فعلت‭ ‬بنفسك‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬الجملة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬القصيدة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬صارت‭ ‬كلمة‭ ‬السر‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الكثيرين‭.‬

كانت‭ ‬المرثية‭ ‬جاهزة‭ ‬لجيل‭ ‬ستحرق‭ ‬نار‭ ‬الحرب‭ ‬ريش‭ ‬أجنحته‭. ‬الآن‭ ‬حين‭ ‬يلتفت‭ ‬المرء‭ ‬إلى‭ ‬العقد‭ ‬الشعري‭ ‬الستيني‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بالأسى‭ ‬لأن‭ ‬مجلة‭ ‬طليعية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬شعر‭ ‬69‮»‬‭ ‬قد‭ ‬أغلقت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صدرت‭ ‬منها‭ ‬أربعة‭ ‬أعداد‭ ‬فقط‭. ‬البيان‭ ‬الشعري‭ ‬الذي‭ ‬كتبه‭ ‬فاضل‭ ‬العزاوي‭ ‬ووقّعه‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬العزاوي‭ ‬خالد‭ ‬علي‭ ‬مصطفى‭ ‬وسامي‭ ‬مهدي‭ ‬وفوزي‭ ‬كريم‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬الخاتمة‭ ‬المرتبكة‭ ‬لبحث‭ ‬مضن‭ ‬عن‭ ‬الشعر‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الشعرية‭ ‬العراقية‭.‬

لم‭ ‬تتحقق‭ ‬أحلام‭ ‬العزاوي‭ ‬في‭ ‬الخلخلة‭. ‬فبيانه‭ ‬بكل‭ ‬استعاراته‭ ‬السوريالية‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬توقعه‭.‬

كان‭ ‬البيض‭ ‬نبوءة

البيان‭ ‬الشعري‭ ‬الذي‭ ‬كتبه‭ ‬فاضل‭ ‬العزاوي‭ ‬ووقّعه‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬العزاوي‭ ‬خالد‭ ‬علي‭ ‬مصطفى‭ ‬وسامي‭ ‬مهدي‭ ‬وفوزي‭ ‬كريم‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬الخاتمة‭ ‬المرتبكة‭ ‬لبحث‭ ‬مضن‭ ‬عن‭ ‬الشعر‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الشعرية‭ ‬العراقية‭.‬ لم‭ ‬تتحقق‭ ‬أحلام‭ ‬العزاوي‭ ‬في‭ ‬الخلخلة‭. ‬فبيانه‭ ‬بكل‭ ‬استعاراته‭ ‬السوريالية‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬توقعه‭

عام‭ ‬1974‭ ‬كان‭ ‬حاسما‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعر‭ ‬العراقي‭. ‬قبله‭ ‬بقليل‭ ‬كان‭ ‬البعثيون‭ ‬والشيوعيون‭ ‬قد‭ ‬تقاسموا‭ ‬غنائمهم‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الجدد،‭ ‬أبناء‭ ‬جيلي‭ ‬الشعري‭ ‬الذي‭ ‬اعتبر‭ ‬وليد‭ ‬مرحلة‭ ‬الصراع‭ ‬الهادئ‭ ‬والغاص‭ ‬بالريبة‭ ‬بين‭ ‬الحزبين‭. ‬حزب‭ ‬السلطة‭ ‬والحزب‭ ‬الملحق‭ ‬به‭ ‬تبعا‭ ‬لميثاق‭ ‬الجبهة‭ ‬الوطنية‭ ‬وكانت‭ ‬‮«‬الجبهة‭ ‬الوطنية‮»‬‭ ‬عنوانا‭ ‬لذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬بنوايا‭ ‬صادقة‭ ‬من‭ ‬الطرفين‭. ‬حينها‭ ‬نشرت‭ ‬مجلة‭ ‬ألف‭ ‬باء‭ ‬الأسبوعية‭ ‬وهي‭ ‬مجلة‭ ‬رسمية‭ ‬ملفا‭ ‬عن‭ ‬الشعر‭ ‬السبعيني‭ ‬ضم‭ ‬قصائد‭ ‬لشعراء‭ ‬بعثيين‭ ‬شباب‭ ‬منهم‭ ‬خزعل‭ ‬الماجدي‭ ‬وعبدالمطلب‭ ‬محمود‭ ‬ومرشد‭ ‬الزبيدي‭ ‬وغزاي‭ ‬درع‭ ‬الطائي‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬قامت‭ ‬جريدة‭ ‬‮«‬طريق‭ ‬الشعب‮»‬‭ ‬الناطقة‭ ‬باسم‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬بنشر‭ ‬ملف‭ ‬عن‭ ‬الشعر‭ ‬السبعيني‭ ‬ضم‭ ‬قصائد‭ ‬لشعراء‭ ‬شيوعيين‭ ‬شباب‭ ‬منهم‭ ‬خليل‭ ‬الأسدي‭ ‬وهاشم‭ ‬شفيق‭ ‬وشاكر‭ ‬لعيبي‭ ‬وعواد‭ ‬ناصر‭. ‬

لم‭ ‬أكن‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬الملفين‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬نشرت‭ ‬قصائدي‭ ‬في‭ ‬جريتي‭ ‬‮«‬الثورة‮»‬‭ ‬البعثية‭ ‬و‮»‬طريق‭ ‬الشعب‮»‬‭ ‬الشيوعية‭ ‬في‭ ‬أوقت‭ ‬سابقة‭. ‬كان‭ ‬المعيار‭ ‬الحزبي‭ ‬أقوى‭ ‬ولأنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬حزبيا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لي‭ ‬نصيب‭ ‬في‭ ‬الحفلتين‭. ‬وحده‭ ‬حميد‭ ‬المطبعي‭ ‬وهو‭ ‬ناشر‭ ‬وصاحب‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الكلمة‮»‬‭ ‬استطاع‭ ‬بذكاء‭ ‬أن‭ ‬يقفز‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬المعيار‭ ‬حين‭ ‬خصّص‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬مجلته‭ ‬في‭ ‬أيلول‭ ‬عام‭ ‬1974‭ ‬لشعراء‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الستينات‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الرجل‭ ‬أمينا‭ ‬في‭ ‬رعايته‭ ‬للظاهرة‭ ‬الشعرية‭ ‬فلم‭ ‬يستثن‭ ‬أحدا‭. ‬

اكتشفت‭ ‬يومها‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬حُرم‭ ‬من‭ ‬نعمة‭ ‬اهتمام‭ ‬الحزبين‭. ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العدد‭ ‬نشر‭ ‬عبدالحسين‭ ‬صنكور‭ ‬بيانه‭ ‬عن‭ ‬القصيدة‭ ‬اليومية‭ ‬الذي‭ ‬وقّعه‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬صنكور‭ ‬نفسه‭ ‬خزعل‭ ‬الماجدي‭ ‬وغزاي‭ ‬درع‭ ‬الطائي‭. ‬كان‭ ‬صنكور‭ ‬يخطط‭ ‬لقيام‭ ‬جماعة‭ ‬أدبية‭ ‬تقف‭ ‬بموازاة‭ ‬جماعة‭ ‬البيان‭ ‬الشعري‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬مسعاه‭ ‬باء‭ ‬بالفشل‭. ‬أما‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬نشرت‭ ‬قصائدهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العدد‭ ‬من‭ ‬مجلة‭ ‬الكلمة‭ ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬عددهم‭ ‬يفوق‭ ‬العشرين‭ ‬شاعرا‭. ‬

في‭ ‬ذلك‭ ‬العدد‭ ‬ظهر‭ ‬مزاج‭ ‬شعري‭ ‬جديد‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬المزاج‭ ‬الشعري‭ ‬الذي‭ ‬ساد‭ ‬في‭ ‬الستينات‭. ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أمل‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يحيط‭ ‬الحياة‭ ‬العراقية‭ ‬المباشرة‭ ‬بهالاته‭ ‬البراقة‭. ‬كنا‭ ‬جميعا‭ ‬أبناء‭ ‬التعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬المجاني‭ ‬وكنا‭ ‬نستعد‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬وظائفنا‭ ‬الثقافية‭ ‬المتاحة‭ ‬للجميع‭ ‬وكانت‭ ‬هناك‭ ‬وفرة‭ ‬في‭ ‬البضائع‭ ‬فاجأت‭ ‬العراقيين،‭ ‬الفقراء‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد‭ ‬وكنا‭ ‬فقراء‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬كان‭ ‬الشاعر‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحتل‭ ‬مكانة‭ ‬استثنائية‭ ‬اجتماعيا‭ ‬فكانت‭ ‬العائلة‭ ‬تفخر‭ ‬بابنها‭ ‬شاعرا‭.‬

‮«‬كنّا‭ ‬بلهاء‭ ‬يومها‮»‬‭ ‬أقول‭ ‬لنفسي‭ ‬اليوم‭ ‬كلما‭ ‬التفتّ‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭.‬

خدعنا‭ ‬البعثيون‭ ‬وهم‭ ‬الحكام‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يأنفون‭ ‬من‭ ‬مدّ‭ ‬أيديهم‭ ‬إلى‭ ‬الآخرين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يشاركوا‭ ‬في‭ ‬انقلاب‭ ‬‮«‬ثورة‮»‬‭ ‬تموز‭ ‬عام‭ ‬1986‭ ‬التي‭ ‬صعدت‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الشيوعيين‭ ‬هم‭ ‬أيضا‭ ‬مارسوا‭ ‬الخديعة‭ ‬حين‭ ‬صاروا‭ ‬يتحدثون‭ ‬عن‭ ‬كاسترو‭ ‬العراق‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنهم‭ ‬ضموه‭ ‬إلى‭ ‬صفوفهم‭. ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬شماتة‭ ‬من‭ ‬قبلهم‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬هزيمة‭ ‬عزيز‭ ‬الحاج‭ ‬المنشق‭ ‬عن‭ ‬الحزب‭ ‬الذي‭ ‬هُزم‭ ‬في‭ ‬الأهوار‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الخداع‭ ‬أعمانا‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬حولنا‭. ‬

لقد‭ ‬اختفى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬رفاق‭ ‬تجربتنا‭ ‬الشعرية‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ندري‭. ‬تسرّبوا‭ ‬مثل‭ ‬الماء‭. ‬لم‭ ‬نستيقظ‭ ‬من‭ ‬غفلتنا‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬اختفى‭ ‬شاعر‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬رقة‭ ‬بيننا‭ ‬وهو‭ ‬صاحب‭ ‬الشاهر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬ينشر‭ ‬سوى‭ ‬كتاب‭ ‬شعري‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬‮«‬أيها‭ ‬الوطن‭ ‬الشاعري‮»‬‭. ‬كان‭ ‬متفائلا‭ ‬ومحبا‭ ‬للحياة‭ ‬وعذبا‭ ‬ورقيقا‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬الغائبين‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬بدأت‭ ‬عام‭ ‬1981‭ ‬ولم‭ ‬تنته‭ ‬إلا‭ ‬عام‭ ‬1988‭. ‬كنا‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الجندية‭ ‬لذلك‭ ‬أخذتنا‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬ثياب‭ ‬الشعر‭. ‬لم‭ ‬يفلت‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬الشيوعيون‭ ‬الذين‭ ‬غادروا‭ ‬العراق‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تقع‭ ‬الكارثة‭. ‬

عام‭ ‬1984‭ ‬وقع‭ ‬حدث‭ ‬استثنائي‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬مفصليا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الدعاية‭ ‬للجيل‭ ‬السبعيني‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يخرج‭ ‬يومها‭ ‬من‭ ‬خيمة‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الكلمة‮»‬‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬ذلك‭ ‬الجيل‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أصدر‭ ‬كتابه‭ ‬الشعري‭ ‬الأول‭. ‬كان‭ ‬كاظم‭ ‬جهاد‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬مَن‭ ‬تمكّن‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬كتاب‭ ‬شعري‭ ‬هو‭ ‬‮«‬يجيئون‭ ‬أبصرهم‮»‬‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬جيلي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬عام‭ ‬1984‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬شهد‭ ‬ولادة‭ ‬جديدة‭ ‬لجيل‭ ‬السبعينات‭ ‬الشعري‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حوار‭ ‬أجرته‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬الوطن‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصدر‭ ‬في‭ ‬باريس‭ ‬مع‭ ‬أربعة‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬السبعينيين‭.‬

يومها‭ ‬عرّفني‭ ‬الشاعر‭ ‬اللبناني‭ ‬شربل‭ ‬داغر‭ ‬على‭ ‬جوزيف‭ ‬كيروز‭ ‬وهو‭ ‬صحافي‭ ‬لبناني‭ ‬كان‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬ضيوف‭ ‬مهرجان‭ ‬المريد‭ ‬الشعري‭.‬عرض‭ ‬عليّ‭ ‬كيروز‭ ‬مهمة‭ ‬ترشيح‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الشباب‭ ‬لإجراء‭ ‬حوار‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الظاهرة‭ ‬الشعرية‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬العراق‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬مؤامرة‭ ‬مبيّتة‭ ‬كما‭ ‬خُيّل‭ ‬للكثيرين‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭. ‬

كان‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬بهو‭ ‬الفندق‭ ‬ثلاثة‭ ‬من‭ ‬رفاق‭ ‬الشعر‭ ‬هم‭ ‬زاهر‭ ‬الجيزاني‭ ‬وخزعل‭ ‬الماجدي‭ ‬وسلام‭ ‬كاظم‭ ‬فعرضت‭ ‬الأمر‭ ‬عليهم‭ ‬وذهبنا‭ ‬نحن‭ ‬الأربعة‭ ‬للقاء‭ ‬كيروز‭ ‬في‭ ‬غرفته‭ ‬بفندق‭ ‬المنصور‭ ‬ميليا‭. ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬خليل‭ ‬الأسدي‭ ‬ورعد‭ ‬عبدالقادر‭ ‬وكمال‭ ‬سبتي‭ ‬موجودين‭ ‬لدعوتهم‭ ‬للحضور‭. ‬حين‭ ‬نشرت‭ ‬مجلة‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭ ‬الحوار‭ ‬اعتبرته‭ ‬الأوساط‭ ‬الثقافية‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الكفر‭ ‬في‭ ‬الشعرية‭ ‬العراقية‭.‬

كنا‭ ‬غاضبين‭ ‬وسذّجا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭. ‬قلنا‭ ‬كلاما‭ ‬أراحنا‭ ‬وعبّر‭ ‬عن‭ ‬خيلائنا‭ ‬الساذج‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كلاما‭ ‬عميقا‭ ‬ولا‭ ‬مسؤولا‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الكلام‭ ‬وجد‭ ‬مَن‭ ‬يعتبره‭ ‬المصيدة‭ ‬التي‭ ‬وقعنا‭ ‬فيها‭.‬

لقد‭ ‬كتبت‭ ‬عشرات‭ ‬المقالات‭ ‬في‭ ‬هجاء‭ ‬الشعراء‭ ‬الأربعة‭.‬

‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نتوقّعه‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬آراؤنا‭ ‬صادمة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الحد‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬بالبعض‭ ‬إلى‭ ‬التحريض‭ ‬على‭ ‬تقديمنا‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬بتهمة‭ ‬الإساءة‭ ‬إلى‭ ‬إرث‭ ‬الأمّة‭.‬

ما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أني‭ ‬التقيت‭ ‬بالصدفة‭ ‬الشاعر‭ ‬سامي‭ ‬مهدي‭ ‬وكان‭ ‬يومها‭ ‬رئيسا‭ ‬لتحرير‭ ‬مجلة‭ ‬ألف‭ ‬باء‭ ‬فعرض‭ ‬عليّ‭ ‬بكرم‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬المجلة‭ ‬بنشر‭ ‬ردنا‭ ‬على‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬هجتنا‭. ‬يومها‭ ‬جلست‭ ‬مع‭ ‬زاهر‭ ‬الجيزاني‭ ‬في‭ ‬بيتي‭ ‬وكتبنا‭ ‬مقالا‭ ‬طويلا‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬خمسون‭ ‬بيضة‭ ‬فاسدة‭ ‬في‭ ‬سلة‭ ‬الشعر‭ ‬السبعيني‮»‬‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬المقالات‭ ‬التي‭ ‬هجتنا‭. ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬البيان‭ ‬انقطعت‭ ‬صلتي‭ ‬الشخصية‭ ‬بشعراء‭ ‬جيلي‭ ‬وكان‭ ‬السبب‭ ‬شعوري‭ ‬بأن‭ ‬العراقيين‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجتمعوا‭ ‬على‭ ‬شيء‭. ‬ذلك‭ ‬الحكم‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬بالقطيعية‭ ‬أو‭ ‬التآمر‭ ‬اللذين‭ ‬قد‭ ‬يجمعان‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مغلق‭ ‬ينعدم‭ ‬فيه‭ ‬هواء‭ ‬الحرية‭.‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الشعراء‭ ‬الأربعة‮»‬‭ ‬قد‭ ‬انتشر‭ ‬بين‭ ‬الأوساط‭ ‬الأدبية‭ ‬فإن‭ ‬انقطاعي‭ ‬عن‭ ‬الجلوس‭ ‬في‭ ‬مقاهي‭ ‬وحانات‭ ‬الشعراء‭ ‬قد‭ ‬دفع‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬من‭ ‬يكون‭ ‬الشاعر‭ ‬الرابع‭. ‬وكانت‭ ‬تلك‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬سذاجات‭ ‬عصرنا‭. ‬

كان‭ ‬الهواء‭ ‬مسموما‭ ‬في‭ ‬سبعينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نشعر‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬المغلق‭ ‬مثل‭ ‬قفص‭ ‬دجاج‭. ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نتوقع‭ ‬أن‭ ‬عصر‭ ‬الشاعر‭ ‬الدجاجة‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬يوم‭ ‬كتبنا‭ ‬بياننا‭ ‬‮«‬خمسون‭ ‬بيضة‭ ‬فاسدة‭ ‬في‭ ‬سلة‭ ‬السبعينات‮»‬‭. ‬اليوم‭ ‬أستعيد‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬مبتسما‭ ‬بألم‭. ‬هل‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬البيان‭ ‬نبوءة؟


شاعر من العراق مقيم في لندن