ثقافة‭ ‬الانحطاط‭ ‬من‭ ‬الهامش‭ ‬إلى‭ ‬المركز

يؤكد‭ ‬حسن‭ ‬حماد‭ ‬أستاذ‭ ‬ورئيس‭ ‬قسم‭ ‬الفلسفة‭ ‬والعميد‭ ‬السابق‭ ‬لكلية‭ ‬الآداب‭ ‬جامعة‭ ‬الزقازيق‭ ‬أن‭ ‬دوائر‭ ‬التحريم‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬كثيرة‭ ‬ومتعددة‭ ‬ومتنوعة‭ ‬ومتحركة،‭ ‬تتسع‭ ‬تارة‭ ‬وتضيق‭ ‬تارة‭ ‬أخرى،‭ ‬تتقاطع‭ ‬وتتداخل‭ ‬وتتماسّ‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬بصورة‭ ‬دائمة‭ ‬وربما‭ ‬تتطابق‭ ‬أحيانا،‭ ‬وأن‭ ‬الاقتراب‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬اقتحام‭ ‬لمناطق‭ ‬فكرية‭ ‬محظورة،‭ ‬والكتابة‭ ‬عنها‭ ‬مغامرة‭ ‬خطرة‭ ‬بقدر‭ ‬خطورة‭ ‬وحساسية‭ ‬الموضوع‭.‬

الجديد  محمد الحمامصي [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(144)]

يسعى حماد‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬دوائر‭ ‬التحريم‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬وتحليل‭ ‬ونقد‭ ‬ثلاث‭ ‬دوائر‭ ‬هي‭: ‬دائرة‭ ‬السلطة‭ ‬ودائرة‭ ‬الجسد‭ ‬ودائرة‭ ‬المقدس‭. ‬والدوائر‭ ‬الثلاث‭ ‬متشابكة‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭ ‬بصورة‭ ‬تصعب‭ ‬مناقشة‭ ‬أيّ‭ ‬منها‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الآخر،‭ ‬فهناك‭ ‬علاقات‭ ‬سرية‭ ‬وخفيّة‭ ‬ومبهمة‭ ‬وغامضة‭ ‬تتم‭ ‬فيما‭ ‬بينها‭. ‬

فالدائرة‭ ‬الأولى‭ ‬وهي‭ ‬السلطة‭ ‬‭(‬خاصة‭ ‬السلطة‭ ‬بمعناها‭ ‬السياسي‭)‬‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬سلطة‭ ‬دنيوية‭ ‬ستبدو‭ ‬سلطة‭ ‬مدنسة‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬لاهوتية،‭ ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬امتزجت‭ ‬بالدين‭ ‬ستصبح‭ ‬سلطة‭ ‬مقدسة‭ ‬ومطهرة‭ ‬لأنها‭ ‬ستحكم‭ ‬حينئذ‭ ‬باسم‭ ‬الإله‭. ‬أما‭ ‬الجسد‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭ ‬فينتمي‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬المدنّس‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬يكتسب‭ ‬صفات‭ ‬المقدس‭ ‬بالوضوء‭ ‬والصلاة‭ ‬والنظافة‭ ‬والغسل‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الموت،‭ ‬أما‭ ‬الدائرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬وهي‭ ‬المقدس‭ ‬فظاهريا‭ ‬تبدو‭ ‬مبرّأة‭ ‬تماما‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬المدنسات‭ ‬سواء‭ ‬شملت‭ ‬هذه‭ ‬الدائرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إنساني‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬نجس‭.‬

ويشير‭ ‬حماد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المحرّم‭ ‬هو‭ ‬دائرة‭ ‬التقاء‭ ‬المقدس‭ ‬بالمدنس،‭ ‬ويقول‭ ‬‮«‬من‭ ‬الأشياء‭ ‬الغريبة‭ ‬التي‭ ‬تمكن‭ ‬ملاحظتها‭ ‬في‭ ‬الثقافات‭ ‬القديمة‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬الذي‭ ‬ينجم‭ ‬عن‭ ‬ملامسة‭ ‬الكائنات‭ ‬المقدسة‭ ‬هو‭ ‬نفس‭ ‬الخطر‭ ‬الذي‭ ‬ينشأ‭ ‬عن‭ ‬ملامسة‭ ‬الأشياء‭ ‬النجسة‭ ‬أو‭ ‬المدنسة،‭ ‬فالمحظورات‭ ‬التي‭ ‬تقي‭ ‬من‭ ‬النّجاسة‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تعزل‭ ‬القداسة‭ ‬وتصونها‭ ‬من‭ ‬خطر‭ ‬الاختلاط‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬مدنّس،‭ ‬فمن‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تسبب‭ ‬النجاسة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الديانات‭ ‬الدم‭ ‬وخاصة‭ ‬دم‭ ‬الطمث‭ ‬أو‭ ‬الحيض،‭ ‬وكافة‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬الجسم‭ ‬مثل‭ ‬المنيّ‭ ‬والبول‭ ‬والبارز‭ ‬والصديد‭.. ‬إلخ.

‬وأيضا‭ ‬يمثل‭ ‬روث‭ ‬الحيوانات‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬النجاسة‭. ‬وثمة‭ ‬أحكام‭ ‬دقيقة‭ ‬تحدد‭ ‬أنواع‭ ‬التماس‭ ‬اللامباشر‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنقل‭ ‬عدوى‭ ‬النجاسة‭ ‬بمجرّد‭ ‬لمس‭ ‬أشياء‭ ‬معينة،‭ ‬فالنجاسة‭ ‬تظل‭ ‬عالقة‭ ‬بالملابس‭ ‬القطنية‭ ‬وأواني‭ ‬الطبخ‭ ‬المعدنية‭ ‬والأطعمة‭ ‬المطبوخة‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬حسن‭ ‬الحظ‭ ‬أن‭ ‬الماء‭ ‬والأرض‭ ‬لا‭ ‬يقومان‭ ‬بنقل‭ ‬النجاسة‮»‬‭.‬

ويضيف‭ ‬أن‭ ‬مصادر‭ ‬النجاسة‭ ‬تتعدد‭ ‬في‭ ‬الثقافات‭ ‬المختلفة‭ ‬بحيث‭ ‬يصعب‭ ‬إحصاؤها،‭ ‬فهي‭ ‬تختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬الشعوب‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬يحظى‭ ‬بواسع‭ ‬انتشار،‭ ‬ولكنها‭ ‬جميعا‭ ‬تنفق‭ ‬في‭ ‬خطورة‭ ‬الاقتراب‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬ملامستها،‭ ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬الصارخة‭ ‬على‭ ‬الاحتياطات‭ ‬الرهيبة‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬القبائل‭ ‬لتجنّب‭ ‬النجاسة،‭ ‬ذلك‭ ‬المثال‭ ‬الذي‭ ‬يذكره‭ ‬روجيه‭ ‬كايو‭ ‬والمتعلق‭ ‬بطريقة‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المرأة‭ ‬أثناء‭ ‬فترة‭ ‬الحيض،‭ ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬القبائل‭ ‬يتم‭ ‬نفي‭ ‬الفتيات‭ ‬عند‭ ‬بلوغهن،‭ ‬ويتم‭ ‬نفيهن‭ ‬عند‭ ‬حيضهن‭ ‬إلى‭ ‬كوخ‭ ‬بعيد‭ ‬أقيم‭ ‬خصيصا‭ ‬لهذه‭ ‬الغاية‭ ‬ثم‭ ‬يمنعن‭ ‬من‭ ‬مغادرته‭ ‬مادمن‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يخضعن‭ ‬لعملية‭ ‬تطهير‭ ‬طقسية‭ ‬تذهب‭ ‬بكل‭ ‬أثر‭ ‬لما‭ ‬كان‭. ‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء‭ ‬تتولى‭ ‬النساء‭ ‬المتقدمات‭ ‬في‭ ‬السن‭ ‬‭-‬بحكم‭ ‬أنهن‭ ‬يتمتعن‭ ‬بالمناعة‭ ‬المطلوبة‭ ‬ـ‭ ‬بعملية‭ ‬إعداد‭ ‬الطعام‭ ‬وحمله‭ ‬إليهن،‭ ‬ثم‭ ‬يتم‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬الأواني‭ ‬التي‭ ‬أكلت‭ ‬فيها‭ ‬السجينات‭ ‬فتكسر‭ ‬وتدفن‭ ‬بعناية‭ ‬في‭ ‬التراب،‭ ‬أما‭ ‬مسكنهن‭ ‬فيكون‭ ‬محكم‭ ‬الإغلاق‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬أن‭ ‬بعضهن‭ ‬يموت‭ ‬اختناقا‭ ‬بسبب‭ ‬انعدام‭ ‬النور‭ ‬والهواء،‭ ‬وذلك‭ ‬تلافيا‭ ‬لإصابة‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬بالدنس‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬سقوطها‭ ‬عليهن،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يكتفى‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬بأن‭ ‬يطلب‭ ‬منهن‭ ‬طلاء‭ ‬وجوههن‭ ‬باللون‭ ‬الأسود‭ ‬تحقيقا‭ ‬لهذه‭ ‬الغاية‭. ‬

وغالبا‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬وضع‭ ‬الكوخ‭ ‬الذي‭ ‬يقمن‭ ‬فيه‭ ‬على‭ ‬منصة‭ ‬عالية‭ ‬منعا‭ ‬لإصابة‭ ‬الأرض‭ ‬بعدوى‭ ‬النجاسة،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬ترفع‭ ‬المرأة‭ ‬الحائض‭ ‬على‭ ‬أرجوحة‭ ‬طيلة‭ ‬فترة‭ ‬حيضها،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الطريقة‭ ‬تحقق‭ ‬شروط‭ ‬عزلة‭ ‬شبه‭ ‬كاملة‭ ‬ومطلقة‭.‬

ويوضح‭ ‬حماد‭ ‬إن‭ ‬المحظورات‭ ‬التي‭ ‬تقي‭ ‬من‭ ‬النجاسة‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تحمي‭ ‬القداسة،‭ ‬فالثقافات‭ ‬التي‭ ‬تضفي‭ ‬على‭ ‬الملوك‭ ‬صفات‭ ‬إلهية‭ ‬تقوم‭ ‬بعزل‭ ‬القداسة‭ ‬التي‭ ‬يتمتع‭ ‬بها‭ ‬الملك‭ ‬الإله‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬المس‭ ‬واللمس،‭ ‬فالملوك‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬المصرية‭ ‬القديمة‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬مرتبة‭ ‬الملك‭ ‬الإله‭ ‬بوصفهم‭ ‬من‭ ‬سلالة‭ ‬الإله‭ ‬الأعظم‭ ‬‮«‬رع‮»‬،‭ ‬ولذلك‭ ‬كان‭ ‬شخص‭ ‬الفرعون‭ ‬الإلهي‭ ‬أقدس‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يخاطبه‭ ‬أحد‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬فمن‭ ‬كان‭ ‬بشرا‭ ‬عاديا‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬التكلم‭ ‬مع‭ ‬الملك،‭ ‬إنما‭ ‬يتكلم‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬الملك،‭ ‬وعلى‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يلجأ‭ ‬لأساليب‭ ‬ملتوية‭ ‬ومراوغة‭ ‬ليتجنب‭ ‬الإشارة‭ ‬المباشرة‭ ‬للملك‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬فلتسمع‭ ‬جلالتك‮»‬‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬‮«‬فلتسمع‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬يصدر‭ ‬أحد‭ ‬الأمر‮»‬‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬‮«‬يصدر‭ ‬هو‭ ‬الأمر‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يتوازى‭ ‬تجنب‭ ‬التماس‭ ‬اللفظي‭ ‬مع‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬بالتماس‭ ‬الجسمي‭ ‬بشخصه،‭ ‬فلا‭ ‬يجرؤ‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬الدنوّ‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬الملك‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها،‭ ‬فويل‭ ‬لمن‭ ‬مسّ‭ ‬حتى‭ ‬صولجان‭ ‬الملك‭. ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬الملك،‭ ‬كظله‭ ‬مثلا‭ ‬مترع‭ ‬بالقداسة؛‭ ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬جسد‭ ‬الملك‭ ‬خطرا‭ ‬على‭ ‬البشر‭ ‬العاديين‭ ‬فيما‭ ‬عدا‭ ‬الخدم‭ ‬والكهان‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الملك،‭ ‬فهم‭ ‬في‭ ‬مأمن‭ ‬من‭ ‬الأذى‭ ‬الماحق‭ ‬الذي‭ ‬ينجم‭ ‬عن‭ ‬اتصالهم‭ ‬بالإله‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬عقيدة‭ ‬عزلة‭ ‬الملك‭ ‬المقدس‭ ‬قاصرة‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الفرعون‭ ‬المصري‭ ‬فالملك‭ ‬الإله‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬‮«‬الميكادو‮»‬‭ ‬‭(‬لقب‭ ‬إمبراطور‭ ‬اليابان‭)‬‭ ‬كالمرأة‭ ‬الحائض‭ ‬لا‭ ‬تجوز‭ ‬له‭ ‬ملامسة‭ ‬الأرض‭ ‬أو‭ ‬التعرض‭ ‬لضوء‭ ‬الشمس‭. ‬وعندما‭ ‬كان‭ ‬الميكادو‭ ‬يلتفت‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬معينة‭ ‬كان‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه‭ ‬سوف‭ ‬ينزل‭ ‬أبشع‭ ‬الكوارث‭ ‬بالمناطق‭ ‬التي‭ ‬خصّها‭ ‬بدفق‭ ‬نظراته‭ ‬الجارف‭. ‬وليس‭ ‬هذا‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬يستخدمها‭ ‬والتي‭ ‬يتم‭ ‬إعداد‭ ‬طعامه‭ ‬فيها‭ ‬يتعين‭ ‬تكسيرها‭ ‬ودفنها‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يستعملها‭ ‬في‭ ‬أثره‭ ‬غافل‭ ‬فيصاب‭ ‬فمه‭ ‬وحلقه‭ ‬بالتورم‭ ‬والتقرحات‭.‬

ويقول‭ ‬حماد‭ ‬إن‭ ‬أمر‭ ‬كلمة‭ ‬محرّم‭ ‬في‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬لا‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬اللغات‭ ‬الأجنبية‭ ‬الأخرى،‭ ‬فهي‭ ‬أيضا‭ ‬كلمة‭ ‬ذات‭ ‬دلالة‭ ‬مزدوجة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬المقدس‭ ‬والمدنس‭ ‬أو‭ ‬الطاهر‭ ‬والنجس‭ ‬معا،‭ ‬فلسان‭ ‬العرب‭ ‬لابن‭ ‬منظور‭ ‬يذكر‭ ‬أن‭ ‬كلمة‭ ‬الحرام‭ ‬نقيض‭ ‬الحلال،‭ ‬‮«‬والحرام‭: ‬ما‭ ‬حرم‭ ‬الله‮»‬‭ ‬‮«‬والحريم‭: ‬ما‭ ‬حرم‭ ‬فلم‭ ‬يمس‭. ‬والحريم‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬المحرمون‭ ‬يلقونه‭ ‬من‭ ‬الثياب‭ ‬فلا‭ ‬يلبسونه‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬عادة‭ ‬العرب‭ ‬في‭ ‬الجاهلية‭ ‬إذا‭ ‬حجوا‭ ‬لبيت‭ ‬الله‭ ‬يخلعون‭ ‬ثيابهم‭ ‬التي‭ ‬عليهم‭ ‬ولا‭ ‬يلبسونها‭ ‬ما‭ ‬داموا‭ ‬في‭ ‬الحرم،‭ ‬وكانت‭ ‬المرأة‭ ‬تطوف‭ ‬عارية‭ ‬أيضا‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬سيور‭ ‬لا‭ ‬تستر‭ ‬عريها‭ ‬وكان‭ ‬أهل‭ ‬الجاهلية‭ ‬يطوفون‭ ‬بالبيت‭ ‬عراة‭ ‬ويقولون‭ ‬لا‭ ‬نطوف‭ ‬بالبيت‭ ‬في‭ ‬ثياب‭ ‬قد‭ ‬أذنبنا‭ ‬فيها‮»‬‭.‬

ويرى‭ ‬أن‭ ‬الحرام‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬القوة‭ ‬الخطرة‭ ‬التي‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬المقدس‭ ‬والمدنس‭ ‬معا‭ ‬برغم‭ ‬العزلة‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الجانبين‭ ‬في‭ ‬القرآن،‭ ‬وبذلك‭ ‬فإن‭ ‬الإسلام‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬النهج‭ ‬الذي‭ ‬مضى‭ ‬فيه‭ ‬أصحاب‭ ‬العقائد‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬تعبيرهم‭ ‬عن‭ ‬المقدّس‭ ‬والملعون‭ ‬بكلمة‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬الحرام،‭ ‬ولئن‭ ‬كان‭ ‬البعض‭ ‬يخلط‭ ‬بين‭ ‬المحرّم‭ ‬والمقدّس،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مجال‭ ‬المحرّم‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعا‭ ‬من‭ ‬مجال‭ ‬المقدّس‭ ‬لأن‭ ‬مجال‭ ‬المحرّم‭ ‬يشمل‭ ‬الطاهر‭ ‬والنجس‭ ‬معا،‭ ‬فيما‭ ‬يقتصر‭ ‬الدين‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬محور‭ ‬الطهارة‭ ‬أو‭ ‬القداسة‭.‬

‭ ‬ويضيف‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬هو‭ ‬فقط‭ ‬المنوط‭ ‬به‭ ‬تحديد‭ ‬دائرة‭ ‬الحلال‭ ‬والحرام،‭ ‬لكن‭ ‬واقع‭ ‬الممارسة‭ ‬الدينية‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الفقهاء‭ ‬وأتباعهم‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬وحتى‭ ‬كتابة‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬قد‭ ‬اغتصبوا‭ ‬هذه‭ ‬السلطة‭ ‬المطلقة‭ ‬لله‭ ‬ونسبوها‭ ‬لأنفسهم‭ ‬فيما‭ ‬يعرف‭ ‬بالفتاوى‭ ‬التي‭ ‬اتخذت‭ ‬لدى‭ ‬المسلمين‭ ‬المعاصرين‭ ‬طابعا‭ ‬فوضويا‭ ‬وعبثيا‭ ‬فأصبح‭ ‬بوسع‭ ‬أيّ‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يمارس‭ ‬وظيفة‭ ‬الإفتاء‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬ينضم‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬الجماعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬أو‭ ‬ينتسب‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬الأزهر.

‬وبذلك‭ ‬اتسعت‭ ‬دوائر‭ ‬التحريم‭ ‬لتنال‭ ‬كافة‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المسلم‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬والأخيلة‭ ‬ومرورا‭ ‬بالكلمات‭ ‬والألفاظ‭ ‬ووصولا‭ ‬إلى‭ ‬الأفعال‭ ‬والسلوكيات‭ ‬التي‭ ‬يمارسها‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فقد‭ ‬أضيفت‭ ‬محرمات‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬المحرمات‭ ‬المذكورة‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬بعضها‭ ‬مستمد‭ ‬من‭ ‬السنة‭ ‬النبوية‭ ‬وبعضها‭ ‬مستمد‭ ‬من‭ ‬سير‭ ‬الصحابة‭ ‬والتابعين‭ ‬ومعظمها‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬شيوخ‭ ‬الفتاوى‭ ‬والتحريم‭ ‬ومن‭ ‬ابتكار‭ ‬خيالاتهم‭ ‬المريضة،‭ ‬فمن‭ ‬هذه‭ ‬الفتاوى‭ ‬تحريم‭ ‬الأغاني‭ ‬والأفلام‭ ‬والمسرحيات‭ ‬وكافة‭ ‬أنواع‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية‭ ‬بوصفها‭ ‬وسائل‭ ‬تحرّض‭ ‬على‭ ‬الفحشاء‭ ‬وأدوات‭ ‬للإلهاء‭ ‬والانشغال‭ ‬عن‭ ‬الأمور‭ ‬الدينية‭. ‬

ومن‭ ‬التحريمات‭ ‬المألوفة‭ ‬لدى‭ ‬المتشدّدين‭ ‬ظهور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العام،‭ ‬ذلك‭ ‬أنهم‭ ‬يحرّمون‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمتّ‭ ‬للمرأة‭ ‬بصلة‭: ‬صوتها،‭ ‬رائحتها،‭ ‬وجهها،‭ ‬جسدها،‭ ‬ولذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬توخّي‭ ‬الدقة‭ ‬في‭ ‬عزلها‭ ‬وحجبها‭ ‬وتصميتها‭ ‬بوصفها‭ ‬عورة‭ ‬ينبغي‭ ‬سترها‭. ‬

أيضا‭ ‬من‭ ‬التحريمات‭ ‬الجديدة‭ ‬تحريم‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والعلمانية‭ ‬والاشتراكية‭ ‬بوصفها‭ ‬بدعا‭ ‬صليبية‭ ‬كافرة،‭ ‬ولكن‭ ‬لأن‭ ‬الضرورات‭ ‬تبيح‭ ‬المحظورات‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬مانع‭ ‬لدى‭ ‬الأصولي‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يستخدم‭ ‬المسلمون‭ ‬الديمقراطية‭ ‬كمطية‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬ثم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬يتم‭ ‬التخلص‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

ويشدد‭ ‬حماد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬دوائر‭ ‬التحريم‭ ‬ليست‭ ‬قاصرة‭ ‬فحسب‭ ‬على‭ ‬السلطة‭ ‬الدينية،‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬السلطة‭ ‬الدينية‭ ‬هي‭ ‬أكثر‭ ‬السلطات‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬المشاعر‭ ‬التحريمية،‭ ‬لأن‭ ‬المعتقدات‭ ‬الدينية‭ ‬إذ‭ ‬تنفذ‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬وأعماق‭ ‬الإنسان‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬باطنية‭ ‬مطلقة‭ ‬لا‭ ‬تجب‭ ‬مناقشتها‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬فهمها‭. ‬أما‭ ‬السلطات‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تنافس‭ ‬السلطة‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬فرض‭ ‬تحريماتها‭ ‬ومحظوراتها،‭ ‬فتأتي‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬بكل‭ ‬مؤسساتها‭ ‬وأجهزتها‭ ‬وأدواتها‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬السلطة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الممثلة‭ ‬في‭ ‬العرف‭ ‬والتقاليد‭ ‬وسلطة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬والسائد‭ ‬والمألوف‭.‬

إن‭ ‬هذه‭ ‬السلطات‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬منافسة‭ ‬وصراع‭ ‬مع‭ ‬السلطة‭ ‬الدينية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬فرض‭ ‬نموذجها‭ ‬ومثالها‭ ‬التحريمي‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات،‭ ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬السلطة‭ ‬السياسية‭ ‬والسلطات‭ ‬الثقافية‭ ‬والتربوية‭ ‬التابعة‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الضعف‭ ‬والهشاشة‭ ‬والرخاوة،‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬المؤسسة‭ ‬الدينية‭ ‬لها‭ ‬الكلمة‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان،‭ ‬فهناك‭ ‬علاقة‭ ‬طردية‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬القمع‭ ‬السياسي‭ ‬والتشدّد‭ ‬الديني،‭ ‬فكلما‭ ‬تقلصت‭ ‬مساحة‭ ‬الحرية‭ ‬اتسعت‭ ‬دائرة‭ ‬الإرهاب‭ ‬والتطرف‭ ‬الديني،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تتسع‭ ‬دوائر‭ ‬التحريم‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬التفكير‭ ‬جريمة‭ ‬تساوي‭ ‬التكفير،‭ ‬ويصبح‭ ‬كل‭ ‬جديد‭ ‬أو‭ ‬تجديد‭ ‬بدعة‭ ‬وضلالة‭ ‬ينبغي‭ ‬قذفها‭ ‬في‭ ‬النار‭.‬

في‭ ‬دراسته‭ ‬الأولى‭ ‬‮«‬اللغة‭ ‬والسلطة‮»‬‭ ‬كشف‭ ‬حماد‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬التواطؤ‭ ‬الخفي‭ ‬بين‭ ‬ثقافة‭ ‬المهمشين‭ ‬والثقافة‭ ‬الأصولية،‭ ‬وبرغم‭ ‬أن‭ ‬الأولى‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬دائرة‭ ‬المحرمات‭ ‬المدنسة‭ ‬والثانية‭ ‬تدّعي‭ ‬الانتساب‭ ‬إلى‭ ‬المحرمات‭ ‬المقدسة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الدراسة‭ ‬تؤكد‭ ‬أنهما‭ ‬يلتقيان‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬ثقافة‭ ‬الانحطاط‭ ‬وهي‭ ‬ثقافة‭ ‬تتشكل‭ ‬من‭ ‬مفردات‭ ‬تبدو‭ ‬ظاهريا‭ ‬غير‭ ‬متجانسة‭ ‬مثل‭ ‬الهوس‭ ‬الديني،‭ ‬الابتذال‭ ‬اللغوي،‭ ‬الهوس‭ ‬الكروي‭ ‬والإسفاف‭ ‬الفني‭. ‬وهي‭ ‬ثقافة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قاصرة‭ ‬على‭ ‬المهمشين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬وإلى‭ ‬فئات‭ ‬الطبقات‭ ‬الأعلى،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬فإن‭ ‬ثقافة‭ ‬الانحطاط‭ ‬تحولت‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬هامش‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬سلطة‭ ‬وأصبحت‭ ‬تمارس‭ ‬تأثيرا‭ ‬موازيا‭ ‬لسلطة‭ ‬الدولة‭ ‬وربما‭ ‬تتفوق‭ ‬عليها‭.‬

إن‭ ‬ثقافة‭ ‬الانحطاط‭ ‬لا‭ ‬تتناقض‭ ‬بأيّ‭ ‬صورة‭ ‬مع‭ ‬الثقافة‭ ‬الأصولية‭ ‬لأن‭ ‬كليهما‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬مصدر‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬‮«‬البعد‭ ‬الهمجي‭ ‬في‭ ‬الإنسان‮»‬،‭ ‬وكلاهما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الآخر،‭ ‬فالانحطاط‭ ‬الثقافي‭ ‬والأصولية‭ ‬وجهان‭ ‬لعملة‭ ‬واحدة‭ ‬هي‭ ‬الطغيان‭ ‬أو‭ ‬الاستبداد‭ ‬بكل‭ ‬أطيافه‭ ‬الدينية‭ ‬والسياسية‭ ‬والثقافية‭.‬

ويؤكد‭ ‬حماد‭ ‬أنه‭ ‬برغم‭ ‬الوعي‭ ‬بجدلية‭ ‬السلطة‭ ‬وتداخلها‭ ‬وتنوعها‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أخطر‭ ‬أنواع‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬قهرها‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬هي‭ ‬السلطة‭ ‬اللاهوتية‭ ‬السياسية‭. ‬هذه‭ ‬السلطة‭ ‬تمارس‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬القمع‭ ‬الرهيب‭ ‬الذي‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬سلطة‭ ‬الإلهي‭ ‬أو‭ ‬المقدس،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬نظرنا‭ ‬أعتى‭ ‬وأصعب‭ ‬أنواع‭ ‬السلطة‭ ‬لأنها‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬كلمات‭ ‬وجبروت‭ ‬وإرادة‭ ‬الرب،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنها‭ ‬تصبح‭ ‬سلطة‭ ‬أبوية‭ ‬مطلقة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬فقط‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬سلطتها‭ ‬القاهرة‭ ‬لتفتش‭ ‬في‭ ‬الضمائر‭ ‬والسرائر‭ ‬وتسيطر‭ ‬على‭ ‬العقول‭ ‬والأنفس‭ ‬والأبدان‭.‬

‭ ‬وجاءت‭ ‬الدارسة‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬القسم‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬لتؤكد‭ ‬أن‭ ‬قتل‭ ‬الأب‭ ‬بدلالاته‭ ‬الرمزية‭ ‬المتعددة‭ ‬هو‭ ‬المقدمة‭ ‬الضرورية‭ ‬للتمرّد‭ ‬والتحرر‭ ‬الإنسانيين‭. ‬وهكذا‭ ‬فإن‭ ‬الدارسات‭ ‬التي‭ ‬يتضمّنها‭ ‬كتاب‭ ‬دوائر‭ ‬التحريم‭ ‬تشكل‭ ‬محاولة‭ ‬لانتهاك‭ ‬دوائر‭ ‬القمع‭ ‬الجهنمية‭ ‬التي‭ ‬تحاصر‭ ‬الإنسان‭ ‬العربي‭ ‬وتسلبه‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنه‭ ‬كتاب‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬الحرية‭ ‬بوصفها‭ ‬القيمة‭ ‬النهائية‭ ‬للإنسان‭ ‬وبوصفها‭ ‬السبيل‭ ‬الأوحد‭ ‬أمام‭ ‬الإنسان‭ ‬للتحرر‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬أوهامه‭ ‬اللاهوتية‭ ‬والسياسية‭.‬


كاتب من مصر