المؤرخ أحمد بن أبي الضياف مصلحا مناهضا للاستبداد الشرقي

في هذه الفترة التي يكثر فيها الحديث والجدل في تونس حول الهويّة، والتاريخ الوطني، يأتي كتاب: 'أحمد بن أبي الضياف-حياته ونضاله الوطني' ضمن الكتب التي تعيد الاعتبار لشخصيات كبيرة سياسية، وفكرية، لعبت دورا هاما، وأساسيّا في بلورة المشروع الإصلاحي الحداثي الذي بدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتبنته النخب التونسية خلال فترة النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وقام الزعيم الحبيب بورقيبة بترسيخ دعائمه وأسسه من خلال إصلاحات وإنجازات في المجال الاجتماعي، والسياسي، والتربوي.

الجديد  حسونة المصباحي [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(148)]

مؤلف الكتاب هو زين العابدين السنوسي (1898-1965) الذي يُعرّفه محمد الهادي بن صالح قائلا بإنه كان رافضا للفكر السلفي، رافعا لشعارات التحديث، داعيا إلى ثقافة جديدة قوامها الانفتاح، والتحرر، ونبذ التزمت". وينتسب زين العابدين السنوسي إلى عائلة عرفت بحبها للعلم.

وكان والده من رواد الحركة الإصلاحية في تونس. وانطلاقا من مطلع الثلاثينات من القرن الماضي، دأب زين العابدين السنوسي على مساندة الحركات الطلائعية في مجال الثقافة والأدب.

فكان يكتب النقد، والقصة القصيرة، وكان من أول المدافعين عن جماعة "تحت السور" الذين يعتبرون راهنا من رواد التحديث في القصة والشعر، وحتى في الموسيقى والمسرح. كما أنه انتصر للشابي في معركته المريرة ضد الشيوخ المتزمتين والمحافظين الذين اتهموه بالكفر والإلحاد.

وعندما ألقى صاحب "أغاني الحياة" محاضرته الشهيرة: "الخيال الشعري عند العرب" في المدرسة الخلدونية التي أسّسها المصلح الكبير البشير صفر عام 1896، نوه بها زين العابدين السنوسي، واعتبرها" ثورة في مجال النقد الأدبي" عند العرب المعاصرين.

بالإضافة إلى ذلك، كان زين العابدين السنوسي من المساندين الكبار للطاهر الحداد في محنته بعد صدور كتابه "إمرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي أثار سخط شيوخ جامع الزيتونة وغضبهم فاتهومه بالكفر والزندقة، وطالبوا بمحاكمته بتهمة "الخروج عن الإسلام". وليقرن القول بالفعل، بادر زين العابدين السنوسي ببعث دار للنشر سماها "دار العرب" ليصدر العديد من الكتب المنتصرة للإصلاح والحداثة.

وكان كتاب الطاهر الحداد "العمال التونسيون" الذي ألفه من وحي ظهور أول حركة عمالية نقابية في تونس في مطلع العشرينات من القرن الماضي بقيادة محمد علي الحامي الذي تأثر بالحركة الإشتراكية الألمانية، بعد أن أقام قرابة الخمسة أعوام في برلين، من بين تلك الكتب.

كما بعث للوجود مجلة "العالم الأدبي" راغبا في أن تكون شبيهة بالمجلات المشرقية الشهيرة في ذلك الوقت. وفي الخمسينات من القرن الماضي أصدر جريدة "تونس" لتكون ناطقة باسم زعماء الحركة الوطنية وأنصارها. وكان الزعيم بورقيبة من بين هؤلاء.

أمّا الذي قدّم للكتاب فهو الدكتور أحمد الطويلي الذي دأب منذ ما يزيد على الثلاثين عاما على التعريف برواد الحركة الإصلاحية والحداثية في تونس، مُصْدرا في شأنهم كتبا عديدة يستعرض فيها مواقفهم وأفكارهم بخصوص القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية.

وأحمد بن أبي الضياف هو أشهر مؤرخ عرفته تونس بعد مرور خمسة قرون على وفاة ابن خلدون. وهو من مواليد العاصمة التونسية عام 1804. وكان والده الحاج محمد بالضياف من شيوخ العلم المرموقين الذين اعتمد عليهم الوزير صاحب الطابع في مهمته كمسؤول أول عن مالية المملكة التونسية، وعن استخلاص الضرائب. لذلك عاش أحمد سنوات طفولته الأولى في كنف السعادة والهناء.

إلاّ أن تقلبات الحكم والدسائس الكثيرة التي كانت تدبر في الخفاء سرعان ما عصفت بالوزير صاحب الطابع ليجد نفسه بن عشية وضحاها مُجَرّدا من كل مناصبه، ومن دون محاكمة عادلة، قتل شر قتلة من قبل خصومه، و"ذهب كأمس الدابر، وهكذا يموت الوزراء لملوك الإطلاق في الإسلام"، كما سيكتب أحمد بن أبي الضياف في ما بعد.

وكان من الطبيعي أن يُسَاق الحاج محمد بالضياف إلى السجن مع جميع أنصار الوزير المقتول ليمكث فيه سنوات طويلة عرفت خلالها عائلته المذلة والهوان والفقر. ورغم هذه المحنة الشديدة التي ألمت به وبعائلته، فإن الفتى أحمد لم ينقطع عن الدراسة في الكتاتيب، مُكثرا من التردد على المكتبات ليقرأ كتب الأقدمين في التاريخ والأدب والفقه، ساعياً إلى أن يعثر في تلك الكتب على ما يساعده على فهم أساب الإستبداد والظلم في الممالك الإسلامية قديماً وحديثاً. وبعد إطلاق سراح والده، انتسب الفتى أحمد بن أبي الضياف إلى جامع الزيتونة ليكون من ضمن طلبة الشيخ ابراهيم الرياحي المعروف بأفكاره الإصلاحية، وبنفوره من كل أشكال التزمت والإنغلاق.

وكان هذا الشيخ الجليل يكنّ المودة والتقدير للوزير المقتول صاحب الطابع لأن هذا الأخير أخذ بيده في فترة ضاقت عليه فيها سبل العيش، حتى أنه شرع يفكر في الهجرة إلى مصر. وخلال سنوات الدراسة في جامع الزيتونة، إزداد الفتى أحمد معرفة وإلماما بظروف الحكم في العالم الإسلامي، وقرأ تاريخ الخلفاء والملوك الأمويين والعباسيين والعثمانيين ليتخرج بشهادة تاريخ وهو في الثامنة عشرة من عمره.

وفي عام 1827، وبعد أن رفعت المظلمة عن والده الذي كاد "يقتل كما تقتل الدجاجة" في المؤامرة التي دبرت ضد الوزير صاحب الطابع، اختص الباي الشاب أحمد بن أبي الضياف بكتابة سره، ليكون بفضل تلك الوظيفة الخطيرة والسامية قريبا من مراكز القرارا ت الكبرى، وشاهدا على كل ما يدور في الكواليس، وفي المجالس السرية والعلنية.

ومستغلا وضعه هذا، شرع سراً في تأليف كتابه الشهير "أتحاف أهل الزمان في أخبار تونس وعهد الأمان" ليكون من أبرز الكتب التي اعتنت بأهم المراحل في تاريخ تونس، مركزا خصوصاً على تاريخ الدولة الحسينية منذ بدايتها في منتصف القرن الثامن عشر، وحتى القرن التاسع عشر.

وفي هذا الشأن، كتب زين العابدين السنوسي يقول: "كان ابن أبي الضياف يكتب تاريخه العظيم دون أن يغفل لحظة عن سياسة دولته واعتبارات ساعتها، فيما يذكره وفيما ينسى ذكره". وبعد أن كسب ثقة الباي، كلف أحمد بن أبي الضياف بالعديد من المهمات الدبلوماسية ليتعرف عن كثب على أصول الحكم في العديد من البلدان. كما أنه رافق أحمد باي في الزيارة الشهيرة الني أداها إلى فرنسا عام 1846، ليسجل كل وقائعها بفطنة المؤرخ، وأسلوب الراوي الشرقي المشوق والمثير.

قبل تلك الزيارة التاريخية، كان أحمد بن أبي الضياف قد تخلى عن اللباس التونسي التقليدي الشائع في زمنه ليرتدي الزي الأوروبي. وقد كتب زين العادين السنوسي في هذا الشأن يقول: "فحسبنا هنا أن نسجل أن ابن أبي الضياف، كان أول تونسي بلديّ متخرج من جامع الزيتونة لبس اللبوس الأوروبي في موكب من قومه، نابذا فيهم العمامة، متَقبعا بينهم الطربوش الرومي".

وكان أحمد بن أبي الضياف من أكبر المساندين لحركة الوزير خير الدين باشا التونسي الإصلاحية التي بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين. وكان مساهما بشكل فعال في سنّ أول دستور تونسي، وذلك عام 1861. بل أنه كان عماد ذلك الدستور كما يؤكد على ذلك زين العابدين السنوسي.

وكان أحمد بن أبي الضياف دؤوبا على مناصرة قضايا العدل والحرية، مُنتقدا بشدة كل مظاهر الإستبداد والتسلط التي تتميز بها أنظمة الحكم في بلدان الشرق العربية الإسلامية. ويشير زين العابدين السنوسي إلى أن أحمد بن أبي الضياف "كان في طليعة الشباب التونسي الأول الذي ظهر بفكرة الوطنية". والوطنية عنده كانت تقوم لديه مقام "الرابطة الدينية" التي كانت شائعة في ذلك الوقت في العالم الإسلامي بوحي من الخلافة العثمانية التي كانت باسطة نفوذها وهيمنتها على جل البلدان العربية مشرقا ومغربا.

وقد دفع الحس الوطني أحمد بن أبي الضياف للدفاع عن الأقليات المسيحية واليهودية في تونس. كما دفعه حبه للحرية، ونبذه للطغيان إلى مناصرة المظلومين والمضظهدين في المملكة التونسية. وهذا ما ينعكس بشكل واضح وجليّ في "الإتحاف".

ولا يغفل أحمد بن أبي الضياف عن ذكر تفاصيل مؤامرات الدول الأوروبية التي كانت تخطط لبسط نفوذها على البلاد التونسية، مستغلة أوضاعها الاقتصادية، والمالية المتردية، وفساد حكامها، وجهل رعاياها. ورغم وظيفته السامية، لم يمنع أحمد بن أبي الضياف نفسه من توجيه انتقادات شديدة اللهجة إلى فساد البايات ووزرائهم.

وفي هذا الشأن، كتب يقول: "إن وزراء هذا الصنف من الملك المطلق القهري، هم في الحقيقة وزراء تنفيذ لأغراض ملوكهم، لا قدرة لهم على معارضته معارضة تقتضي إغماد سيف الشهوة، لأنهم بين ناب الليث وظفره، يراهم دواجن بيته المعلوفين لطُعْمته، ويرى ما بأيديهم مالا من ماله، وكلهم من صنائعه ومواليه، فحالهم معه كالوتد يشجّ فلا يرثي له أحد".

وعندما قارب سن السبعين، بدأت علامات الهرم تظهر على أحمد بن أبي الضياف، فانقطع عن ممارسة وظيفته السامية، ولم يعد يظهر للناس إلاّ في بعض المناسبات الرسمية الكبيرة. وبسب الضعف والوهن، لم يعد قادرا على مواصلة تدوين ما كان يجري من أحداث في كتابه الآنف الذكر.

ومعبرا بمرارة عن عجزه، كتب يقول: "منعني ضعف البدن والهرم عن بسط القول(...) وسبحان من كل يوم هو في شأن". وفي يوم الثلاثاء 29 سبتمبر-أيلول 1874، لفظ الشيخ الجليل، والمؤرخ المرموق أنفاسه الأخيرة، وكان قد أتمّ آنذاك السبعين من عمره.


كاتب من تونس