الثقافة ومأزق المثقف الجديد

منذ اللحظة الأولى لثورات عام 2011، تعبيرا عن الرغبة في التغيير، وحتى الآن وربما لفترات طويلة قادمة، يثار السؤال: ما دور الثقافة والمثقف في كلتا الثورتين؟ تارة يردده البعض تعضيدا للثقافة والمثقف وثقة بهما، وأخرى يردده البعض الآخر استنكارا وإنكارا لدورهما.

الجديد  السيد نجم [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(30)]

لوحة: تانيا الكيالي
تباينت آراء المفكرين والباحثين في تحديد مفهوم واحد للثقافة، فمعظم الذين بحثوا في هذا المصطلح أقروا بأنها “ثمرة كل نشاط إنساني محلي نابع من البيئة، ومعبرا عنها ومواصلا لتقاليدها في هذا الميدان أو ذاك”، وهو ما يعني أن للبيئة التي يعيش تحت ظروفها شعب ما دورها في توليد ثقافة مختلفة عن الثقافة المتولدة لدى شعب آخر يعيش تحت ظروف بيئية مختلفة. وهو ما يدفع بالأخذ بالخصوصيات الثقافية للشعوب، وفقاً لأنماط نابعة من ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، والبيئة الجغرافية التي تتيح انتقالا نوعياً بالفكر والسلوك، وتقود للتطورات التاريخية التي تشهدها المجتمعات البشرية.

فالمنجز الثقافي هو -كما يرى جون ديوي- محصلة التفاعل بين الإنسان وبيئته، ثقافة شعب ما، هي جماع المعارف الإنسانية لذلك الشعب في محاولته للوصول إلى حالة من التوازن مع الظروف الحياتية التي يحياها، وهي إبداع حالة تكيّف مع الشروط التي تفرضها البيئة المحلية، والعلاقات المتشكّلة مع الشعوب ذات الثقافات الأخرى.. إنها جدل حيوي بين الشعوب وبيئتهم مرة، وبين فئات الشعوب نفسها مرة أخرى، مما يدفع إلى العمل لابتكار ما، يجعلها أكثر قدرة على تأكيد كياناتها بامتلاك خصائص مستقلة تميزها عن سواها.. ذلك أن ثقافة الأمة هي علمها غير الواعي الذي تتوارثه الأجيال وتدير به شؤون حياتها، أي هي طريقتها في الحياة.

وإذا كان دور المثقف يقاس بمدى قدرته على التأثير في المجتمع والنفاذ إلى ضميره وإيقاظ وجدانه وصوغ قيمه التي تحدد سلوكه وتحرك تصرفاته، فإن جوهر أزمة المثقف العربي وما يتهم به، أنه (أي المثقف) عاجز عن التأثير في المجتمع لإحداث أيّ تغيير فيه.

لعل النصف الأخير من القرن الماضي شهد ذروة إحكام الدولة (النظام) قبضتها على مناحي الثقافة وأوجه نشاطاتها، وعلى المثقف بالتالي. بدا وكأن المثقف آثر الانسحاب بدرجات متفاوتة، وبدأ تأثيره الاجتماعي ينحسر، ويتحول من مثقف مجتمع وأمّة إلى مثقف سلطة ودولة.

عبرت أزمة المثقف عن نفسها من خلال عدة ظواهر: إقصاء السلطة للمثقف الحقيقي عن مجال تأثيره، وهو ما يبرّر ظواهر مثل أحادية الرأي (غالبا في كل وسائل الإعلام) واستبدل بما يمكن أن نطلق عليهم “مثقفي السلطة” أو “محترفي الثقافة”.

مفهوم ثقافة جديدة: الثقافة الرقمية أو المعلوماتية

خضع مفهوم الثقافة إلى متغيرات ارتبطت بالمتغير التكنولوجي وقد مرت بثلاث مراحل، قالت بها مارجريت آرشر:

• المرحلة الأولى “فرضية التقارب الصناعي”: حيث تجسدت النظرية الصناعية كمحرك أول للحياة الاجتماعية، نحو المجتمع الحديث.

• المرحلة الثانية “ما بعد التصنيع″: إذا كانت نظرية المجتمع الصناعي في الستينات من القرن العشرين سمحت بقدر من التنوع الثقافي ففي السبعينيات من القرن نفسه كانت على العكس حيث دمجت الثقافة بالقوى والبنية الصناعية، تحت شعار “العلم هو نمط إدراك المجتمع، والصناعة هي بيئة العلم”، مما أنتج ما يعرف بأحادية الثقافة. حيث زيادة نمط الاستهلاك جعلت الناس تعتقد أن ما هو كائن هو التقدم.

• المرحلة الثالثة “مجتمع المعلومات”: وبدأت في عقد الثمانينات من القرن الماضي، وليدة مجتمع المعلومات (لتزاوج الحاسبات وتقنية الاتصالات عن بعد). وهو ما أطلق عليه المفكر توفلر بـ”المد العظيم”، ويرى أنه على المرء أن يعتليه “هذا المجتمع المعلوماتي” أو يغرق فيه!

فقد ظهر إطار اجتماعي جديد نتيجة تأثير تكنولوجيا المعلومات على كل ما هو حياتي، بعد أن امتد التأثير حتى إلى مجال الخدمة الاجتماعية مثل مجال الطب وتخفيف الألم. فتغير نموذج الإنسان أمام تحول فكرة الحاسب الآلي إلى “الذكاء اﻹصطناعي” مما جعل الثقافة تتحول عن نطاقها الخاص إلى تابع لتكنولوجيا المعلومات.

بالتالي فإن ردود الفعل إزاء التكنولوجيا الجديدة أصبح مسألة ذوق، من يكره الآلة الجديدة ومن يحبها، وفى الحالتين يتحول الناس إلى متفرجين ولا يستطيعون التأثير في مأزقهم!

مع ذلك ناقش العلماء مفهوم “الثقافة العالمية” ضمن مفهوم “العولمة”، تلك “الثقافة” التي تعني نمط حياة جماعة أو رصيد من المعتقدات والأنماط والرموز والقيم، وهي التي حلم بها الليبراليون والاشتراكيون على السواء.

قبل الحرب العالمية الثانية كانت فكرة الدولة القومية هي معيار التنظيم البشرى المتقدم، وبالتالي الثقافة القومية هي الهدف. أما بعد الحرب تم ترسيخ الثقافتين الجديدتين الشيوعية والرأسمالية، وإحلال الأمة بدلا عن النزعة القومية، وهو ما دعت الإدارة السوفيتية إليه بدعوة الأفراد إلى الانتماء السياسي الجديد، مع الاحتفاظ بالتضامن المعنوي مع الجماعة العرقية بينما الإدارة الأميركية دعت إلى “العقيدة الأميركية” القائمة على الحرية والرأسمالية، وهو ما أدخل البشر الآن حقبة بعد القومية وبعد صناعية وبعد حديثة تقوم على المعرفة الفنية والشركات متعددة الجنسيات وشبكات المعلومات. بالتالي فلا يمكن لثقافة اليوم إلا أن تكون عالمية. ومع ذلك فإن هذه الشبكات نفسها تساعد على المزيد من الاتصال والتواصل بين أفراد الجماعات ذات السمات الثقافية المشتركة، وهو ما يفسر عودة الجماعات العرقية إلى الظهور. وقد عبرت تلك الثقافة العالمية عن نفسها بوفرة الملابس موحدة القياس والشكل (مثل البنطال “الجينس″ للذكور والإناث، وغيره).

الوطنية ليست التعصب ضد الآخر، ولا الغرور بالذات ولا الانغلاق على الذات، ولا هي دعاوى باطلة للاعتداء على الآخر. الوطنية هي محور الارتكاز لاستيعاب الماضي والانطلاق إلى المستقبل. هي انفتاح على العالم بلا غرور ولا انبهار أو إحساس بالدونية

ملامح جديدة

يظل مفهوم الثقافة عبر الشبكة العنكبوتية مفهوماً متشابكا في هذا العالم الجديد. هذه الثقافة التي أخذت تنتشر وتمتد على مساحات كبيرة من الوعي بسبب كمّ المعلومات وتعدد مصادرها، والرهان على جيل جديد قادر على الانتفاع بمعطياتها كوسيلة للاتصال ثم التواصل عبر الواقع الافتراضي، ثم إنتاج المعارف وتولّد الخبرات عبر العالم الواقعي أو الطبيعي.

المؤكد أن جيل الشباب هم من يملك ناصية القافلة. وأفادت مراكز الإحصاء (أن المتعاملين مع شبكة اﻹنترنت في العالم العربي تجاوز 28 مليونا، وفى مصر وحدها 18 مليونا، نسبة الشباب حتى 35 سنة من العمر تتجاوز 70 بالمئة بقليل)

• تمكن الإشارة إلى بعض التفاعلات المنفذة بمعرفة (الأفراد أو المؤسسات العامة) على الشبكة، وﺇن بدت أقل من الطموحات في مصر والعالم العربي:

• توافر محتوى متعدد اللغات لمواقع عربية: وتأتى اللغة الإنكليزية في المقدمة، ثم اللغة الفرنسية. وهو ما يعنى التواصل مع الآخر بلغات غير العربية، مما قد يضيف إلى المعارف والمعلومات المتاحة، دون انتظار لترجمتها. وهو لا يلغى دور الترجمة.

• رقمنة التراث الثقافي، ومعطيات الثقافة العصرية: وهى مهمة المؤسسات وينهض بها البعض بشكل جيد، مثل “مكتبة الإسكندرية” حيث المتوقع رقمنة كل المستندات والوثائق، ومعايشة عالم رقمي كامل (تقريبا).

• صناعة الثقافة: أصبحت من أهم الصناعات في عصر المعلومات، بل وأكثرها ربحية. كما أن صناعة الثقافة العربية، هي ركيزة لم الشمل العربي.

• تنمية كوادر فنون الكمبيوتر: توجد المراكز المتخصصة في هذا المجال، وترجى زيادتها.

• الاستفادة من الخدمات المجانية المعلوماتية، مثل مواقع المؤسسات العالمية المختلفة، مثل الأمم المتحدة وغيره من المواقع الثقافية والعلمية والاقتصادية والسياسية.

• الاهتمام بالبحث المعلوماتي على شبكة اﻹنترنت، وقد باتت من أكثر المهام التي يسعى إليها الشباب (مع تنوع التوجهات والرغبات).

• لم يعد الاهتمام بمجال اﻹتصالات وحده كافيا، فكانت التوصيات، التي منها:

• الانطلاق من مفهوم الاتصال إلى التواصل.

• البحث في شروط الخصخصة الواجبة، مع توفير جوانب نجاحها، خصوصا أن الطرف الآخر أكثر خبرة في هذا المجال عن الموظفين الحكوميين.

• توفير فرص النفاذ لآليات التقنية الرقمية، خاصة محدودي الدخل، بتقليل تكلفة إعطاء التراخيص، لتوفير الخدمات مع مرونة في التسعير، وطرق سداد تلك الخدمات.

الحقيقة أن الانتماء والوطنية هما جوهر الهوية الثقافية. فالوطنية ثقة بالأنا الجمعية لمجموعة تعيش على أرض مشتركة تشعر بالولاء والانتماء للأرض والالتزام بمجموعة المفاهيم الرابطة مع استيعاب لذاكرة جمعية تتمثل في جوهر العادات والتقاليد والقيم العامة.

كما أن الوطنية ليست التعصب ضد الآخر، ولا الغرور بالذات ولا الانغلاق على الذات، ولا هي دعاوى باطلة للاعتداء على الآخر. الوطنية هي محور الارتكاز لاستيعاب الماضي والانطلاق إلى المستقبل. هي انفتاح على العالم بلا غرور ولا انبهار أو إحساس بالدونية.

نحن في حاجة إلى آفاق للتعامل وللمعرفة. وفى كل الأحوال مسلحون بالانتماء الموضوعي اﻹيجابي وليس العنصري، مع الاحتفاظ بمجموعة الثوابت القيمية العليا وخصوصا القيم الدينية. فليست آليات الثقافة الجديدة (الرقمية) كي نخسر أنفسنا. الهوية الواعية تضيف إلى الأفراد قوة دافعة للمشاركة اﻹيجابية وليس العكس. هي “الثقافة” إذن، البدء والمنتهى.

لا يخلو الأمر من النظر في عدد من المعطيات، فتلك التكنولوجيا “المعلوماتية” ميزة فاعلية الفرد المتعامل مع الآلة (الكمبيوتر)، أي ميزة القدرة الإبداعية عند المستخدم (على العكس من التكنولوجيات الصناعية السابقة عليها). وهو ما يمكّن أفراد الدول النامية من منافسة أفراد الدول المتقدمة على قدم المساواة، والغلبة هنا لقدرة أيهما على الانجاز والإبداع في توظيف التقنية. أما وقد أصبحت الثقافة مرادفة لمفهوم التنمية في القرن الجديد، كما أصبحت تكنولوجيا المعلومات رافدا للثقافة، فلا حيلة إلا اقتحام عالم تلك التكنولوجيا الجديدة.. (لعل التجربة الهندية تزكي هذه الفكرة).

• إلا أن الأمر ليس يسيرا إلى هذا الحد، هناك الكثير من الجهد الواعي من أجل التعامل العميق مع تلك المعطيات والمزايا، (تناولها نبيل علي):

• استيعاب المعطيات التكنولوجية تقنيا، وفض معطياتها المعرفة. فالمعلومات الكثيرة لا تعنى المعرفة، بل البحث عن استخلاص “المعرفة” من تلك المعلومات.

• وضوح الرؤية والهدف خلال البحث عن تلك المعرفة، وتحويلها إلى مفاهيم وأفكار أساسية.

لوحة: جميل ملاعب

• توظيف تلك المعرفة واستخلاص جوهرها من أجل حل المشاكل الحقيقية واليومية للإنسان من أجل تعزيز تلك المعطيات.

• يرى البعض أن تلك المعرفة تتوالد وتتجدد بفضل التقنية نفسها، والعقل العامل عليها أي أنها بلا سقف تتوقف عنده.

• مداومة ملاحقة المعدل السريع لتطور تكنولوجيا المعلومات.

• الوضع في الاعتبار سلبيات انتشار المجتمع المعلوماتى:“ضآلة أهمية العامل، وإمكانية إحلاله بآلة، حتى قالوا بالمجتمع خمس العامل”

• “العنف الترفيهي، من جراء بعض الألعاب المطروحة على الجميع وخصوصا الأطفال”، “الابتزاز المعرفي أو الرقمي، حيث وظف البعض التقنية المتاحة من أجل الابتزاز بأشكال مختلفة.. الذي قد يصل إلى حد الإرهاب المعنوي أو الرمزي”.

• هناك سلبيات أخرى على مستوى الشعوب والدول، يتمثل فى:“بروز فجوة اقتصادية وتكنولوجية بين الدول الغنية والفقيرة”، “هيمنة الشركات الكبيرة متعددة الجنسيات”، “تقليص دور الدولة”، “تأجيج النزعات العرقية والدينية وغيرها”، “طمس خصوصية الثقافات”، “تقليص دور الأسرة”، “الخواء الروحي”، “زيادة البطالة”، “استخدام التكنولوجيا كسلاح أيديولوجي”.

• لذا قد يحتاج الأمر إلى إعادة النظر في عدد غير قليل من المسلمات النظرية:

• يرى ماكس فيبر أن الثقافة تعد عاملا مساعدا في تنمية المجتمع، بينما يرى كارل ماركس أنها نتاج طور الإنتاج، فيما يرى إميل دوركايم أنها إحدى مؤسسات المجتمع، بينما أصبحت الثقافة الرقمية محورية في منظومة تنمية المجتمع الجديد (المجتمع الرقمي).

• إقامة الجسور بين المحلى والعالمي، العام والخاص، الرسمي وغير الرسمي، وبين النخبة والعامة من الناس أو الجماهير.

• تأسيس معرفة جديدة تساعد على فهم العالم.

• التخلص من فكرة الحتمية التاريخية، والوصول إلى “عدم اليقين”.

• تأسيس مفهوم جديد للتعليم، والتعامل مع الذكاء الجماعي.

• ضمان عدم طغيان القيم المادية على القيم الروحية.

• التصدي للمشكلات الاقتصادية.

الثقافة مطلع القرن الـ21

المشهد العالمي الثقافي المعلوماتي يكشف عن خصائص العصر الجديد، والتي قد تبدو متناقضة، فلا العقلانية تعد من الأفكار العصرية كما يقول الفيلسوف كارل بوبر. كما أن الخاسر هو صاحب ثنائية الفكر: إما هذا أو ذاك؟!، فالكمبيوتر الآلي خلصنا من هذه الثنائية، وذلك باللجوء إلى الحدس. بل أين الإنسانية بينما يسعى الإنسان إلى “أنسنة” الروبوت أو الإنسان الآلي.. كما يسعى هؤلاء إلى “روبتة” الإنسان نفسه؟

لقد باتت صناعة الثقافة أهم صناعات العصر الجديد. فكرة شيوع “الإنترنت” أو المعلومات فائقة السرعة، مطروحة بقوة، وقد أصبحت ضمن البرامج السياسة للحكومات والأحزاب في أغلب دول العالم. حتى أن البعض يرجع سقوط الاتحاد السوفييتي القديم إلى وسائل المعلومات الجديدة مثل الإنترنت، وأننا نعيش عصر الشفافية وبالتالي فشلت حكومة السوفييت في تضليل شعبها وسقطت.

إلا أن السؤال: ماذا يفعل فقراء العالم، وكلفة إنشاء هذه البنية التكنولوجية تقدر بتريليونات الدولارات؟

ثم هناك ظواهر لا يمكن إغفالها: الأقمار الصناعية وتعدد أنماط الثقافة المنبثقة عنها. كما تمكن الإشارة إلي “الجات” وما يقال حولها، ما لها وما عليها. وأصبحت “التربية” مفهوما في مقابل “التنمية” وهو ما عبر عنه قلق رجال التربية في الولايات المتحدة من تخلف الطفل الأميركي مقارنة بالطفل الياباني. كذلك هناك اتجاه نحو تجزئة بعض البلدان والمواقع كما في البلقان وما يسعون إليه في بلدان أخرى مثل السودان والعراق. وماذا عن ذاك المسمّى بفيروس الكمبيوتر وأضراره العالمية؟ ومجموعات “الهاكرز″ أو القراصنة الرقميين؟ وماذا يعنى مشروع “الجينوم” أو التركيب الوراثي للإنسان؟ وغيرها.

كل ذلك في مقابل (وهو ما يعنينا في هذا البحث تحديدا) أن الثقافة الرقمية والمعلوماتية من خلال التقنية الرقمية القادرة على الاتصال والتواصل سوف تقلص من سيادة الحكومات، على الرغم من كل أشكال الرقابة والتضييق إلى حد القبض على بعض المدونين، وكذا إغلاق مواقع بعينها بالإضافة إلى حروب “الهاكرز″.

الثقافة الجديدة والسلطة

لعل مجمل مظاهر تلك القضية تتمثل في ثلاثة محاور (السيد يسين):

• التبعية: تعني ارتهان إرادة الشعوب الأقل تطورا إلى إرادات غير إرادتها، وتعني في مستوى آخر أنّ دور بعض الشعوب (دون أن تدرى) هو تأمين المصالح الخارجية للدول/الشعوب الأقوى وأكثر تقدما، لا المصالح الوطنية الخالصة لها.

• الانحلال القومي: وهو الظاهرة الثانية، ونتيجة للظاهرة الأولى، حيث تتحوّل البلدان الأقل تتطورا (مثل بلدان العالم العربي) إلى مساحة جغرافية هائلة لا تاريخ لها، طالما أنّ كل بلد مشغول بتحقيق مصالحه الضيّقة بعيداً من المصالح المشتركة.

• أما الظاهرة الثالثة (التي تعنيني هنا)فهي “سلطوية الأنظمة على المجتمع″، التي تعني في التحديد الأخير اكتساح الأجهزة السلطوية للمجتمع كلّه، حيث يتحوّل المجتمع المدني إلى افتراض آخر، هذه السمة الغالبة في مجمل المجتمعات الأقل تقدما والتي أطلق عليها في العالم العربي بهيمنة السلطة الحاكمة في “المجتمع الأبوي” القائم على هيمنة الأب (السلطة) على الابن (أفراد المجتمع).

التكنولوجيا “المعلوماتية” ميزة فاعلية الفرد المتعامل مع الآلة (الكمبيوتر)، أي ميزة القدرة الإبداعية عند المستخدم (على العكس من التكنولوجيات الصناعية السابقة عليها). وهو ما يمكّن أفراد الدول النامية من منافسة أفراد الدول المتقدمة على قدم المساواة

يقول السيد يسين حول الثقافة الجديدة “هي عملية تاريخية، وهي بهذا الوصف الدقيق ليست مجرد مفهوم أو مصطلح، ولكنها كظاهرة نتاج تفاعلات شتّى وتراكمات عميقة تمت عبر مئات السنين. وهي تفاعلات سياسية ودولية واقتصادية وثقافية”، وهي “سرعة تدفق السلع والخدمات والأموال والأفكار والبشر بين بلاد العالم بغير حدود ولا قيود”.

تجليات جديدة

أولا: النزوع إلى صياغة “ثقافة كونية”: تقوم على أساس نسق عالمي من القيم يؤثر على اتجاهات البشر وسلوكياتهم بشكل متشابه في كل مكان. وكأن الغرض من هذه الثقافة الكونية إعادة تشكيل الشخصية الإنسانية على هدى قيم مغايرة للبنية التي توارثتها عبر القرون.

وهنا نصل إلى إحدى التجليات الثقافية، ذلك أنه يمكن قبول شعاراتها السياسية التي تتمثل في انتشار مفهوم ومصطلح الديمقراطية وشيوع مفهوم حقوق الإنسان وتزكية فكرة المجتمع المدني العالمي وتعميق الاتصال اﻹنساني من خلال معطيات الشبكة العنكبوتية وغيرها. فضلا عن التجليات الاقتصادية مثل (السوق العالمية المفتوحة.. حرية وسرعة انتقال البضائع.. رواج الشركات العابرة للقارات.. إمكانية احتمال أن تصبح الدول الكبرى سوقا للدول الأخرى).

إلا أن الثقافة الكونية قد تصطدم بالضرورة مع الخصوصية الثقافية ومعنى ذلك أنه لو حاولت تلك الثقافة الكونية أن تقنّن القيم وتوحّد ضروب السلوك وفق معايير عالمية (وهي حتما معايير غربية) معنى ذلك أنها ستدخل في معارك شتى. تكفى الإشارة إلى إمكانية فتح أسواق الدول الصغيرة الضعيفة أمام الإنتاج الغزير والمتنوع لهذه الشركات من خلال عمليات إعلانية وتسويقية جذابة من شأنها إعادة صياغة شخصيات الأفراد في هذه المجتمعات لكي تدفعها للدخول في مجال الاستهلاك المتواصل.

ثانيا: الحرث العشوائي في هوية الشعوب: فهوية شعب تتشكل عبر مئات السنين من خلال تفاعله مع الطبيعة وبيئته الجغرافية ومع بني جلدته ومع الشعوب الأخرى. وهو ما عبر عنه عبدالوهاب المسيري بقوله “لأن أعضاء الشعب لا يعكسون الواقع كما هو، وإنما يتفاعلون معه فعقولهم التوليدية تبقى وتستبعد وتضخم وتهمش، فإن هويتهم تتشكل من خلال إدراكهم لما حولهم، ومن خلال تطلعاتهم ورؤاهم وذكرياتهم، فهي ليست مجرد انعكاس بسيط لبيئتهم. ومن هنا تكتسب الهوية فرادتها وتركيبيتها التي لا يمكن ردها إلى قانون أو نمط مادي”. ولكن عادة ما ينطلق الكثيرون من الرؤية المادية التي يسمونها “علمية” فيدرسون الهوية في إطار النموذج المادي كما يفعل كثير من الدارسين في الغرب. واستخدام النموذج المادي يعنى استخدام الحواس الخمس، كما يعني دراسة الظواهر الإنسانية كما تدرس الظواهر الطبيعية. ومثل هذا المنهج يودي بالهوية تماماً، لأنه لا يتعامل مع الواقع إلا من خلال معايير مادية، وهي معايير عاجزة بطبيعتها عن رصد الهوية في كل تركيبيتها. وقد أدى هذا المنهج إلى تعريف الإنسان باعتباره “الإنسان الطبيعي”، بمعنى أنه إنسان يتسم بسمات عامة “أضيفت” إليها الحضارة، أي أنها ليست أصيلة فيه. وبذلك تتحول الهوية إلى مسألة مضافة آليا، مجرد زخرفة، وهكذا يصبح المشروع الإنساني هو العودة إلى الإنسان الطبيعي متجاوزين الزخارف الإضافية.

يقترح المسيري أن ننظر إلى الهوية باعتبارها صورة مجازية لا جوهرا صلباً ثابتاً، وطرح فكرة “الإنسانية المشتركة” بدلا من فكرة الإنسانية الواحدة التي يطرحونها في الغرب. فالإنسانية المشتركة تذهب إلى أن كل البشر داخلهم إمكانيات لا تتحقق إلا داخل الزمان والمكان، وهي في تحققها تكتسب قسمات وهوية محددة. فالإمكانية الإنسانية الكامنة حينما تتحقق في الزمان والمكان الصيني، فإنها تثمر الإنسان الصيني والإنسانية الصينية، وإن تحققت في الزمان والمكان الغربيَين، أثمرت الإنسان الغربي والإنسانية الغربية. وتحقق الإمكانية ليس أمراً حتمياً، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكن أن يرقى فوق إنسانيته ويمكن أن يهبط دونها.

ثالثا: أما ثالث التجليات الثقافية الجديدة فهو رواج المجتمع المدني:“المجتمع المدني” من أكثر المفاهيم الخلافية، فلا يوجد تعريف يتضمن كافة الدلالات. ففي القرنين 17 و18 بداية نشأته، حيث ظهرت نظرية “العقد الاجتماعي” على يد كل من هوبز وجون لوك وجان جاك روسو. والفكرة الرئيسية جاءت للتعبير عن كيفية انتقال المجتمعات من “حالة الطبيعية” إلى المجتمع “السياسي” أو المجتمع “المدني” لدحض نظرية “الحق الإلهي للملوك”.

ثم جاءت مرحلة التمييز بين المجتمع السياسي عن المجتمع المدني في القرن 19، أي التمييز بين “الدولة” وبين المجتمع المدني على يد هيجل عندما ميز بين مؤسسات ثلاث في الحياة الاجتماعية هي: الأسرة والمجتمع المدني والدولة.

وفي مرحلة التنافس الأيديولوجي في القرن العشرين كان من أبرز ما يميز هذه المرحلة اعتباره “المجتمع المدني” مكوّنا من مكونات البنية الفوقية بعد أن كان من مكونات البنية التحتية، وكذلك اعتباره ساحة للتنافس الأيديولوجي وإعطائه وظيفة جديدة للوصول إلى السلطة عن طريق الهيمنة الأيديولوجية على مكونات المجتمع المدني.

بينما في المرحلة المعاصرة بعد انهيار اﻹتحاد السوفييتي وأحداث أوروبا الشرقية أُعيد إحياؤه مجددا بعد فترة توقف، وأبرز ما يميز هذه المرحلة انتشاره وظهور استخدامات جديدة له، أدت إلى تشعب الجدل حوله، مثل استخدامه في التحول الديمقراطي واستخدامه “ضد” الدولة. ومع الثقافة الكونية بدأت تظهر استخدامات جديدة لمفهوم المجتمع المدني مثل “المجتمع المدني العالمي” أو “المجتمع المدني العابر”، وظهور تعريفات جديدة له. كذلك ظهور أدوار جديدة. وأبرز التطورات لهذا المفهوم هي:

• ظهور مصطلح جديد لمفهوم المجتمع المدني: مصطلح المجتمع المدني استخدمه الكتّاب على مستوى محلي لا يتعدى حدود دولهم، إلا أنه وبسبب تأثيرات العولمة تعداه إلى مستوى عالمي. فقد راج مصطلح “المجتمع المدني العالمي” وهو ما رفضه البعض فظهرت مصطلحات مثل مصطلح “المجتمع المدني عبر القومي” أو مصطلح “المجتمع المدني الدولي”.

• ظهور تعريفات جديدة للمصطلحات الجديدة للمفهوم: يعرّفه روبرت أوبرايان على أنه “مجال أَو فضاء حيث يحاول خلاله الممثلون المدنيون التأثير على الطريقة التي يعيش فيها الناس حياتهم في أنحاء العالم”. أما أندرو هاريل فيشير إلى “تلك المجموعات الوسيطة والمُنظَّمة التي تكون مستقلة نسبيا عن كلّ من السلطات العامّة والممثلين الاقتصاديين الخاصّين: والتي تعمل عبر حدود الدول” وغيرهما.

• دور الثقافة الرقمية ومعطيات الشبكة العنكبوتية: يعد “اﻹنترنت” الآن مثالا واحدا لانفجار المعلومات الرقمية، تلك المعلومات التي تشمل أنظمة الحاسب الآلي، الاتصالات السلكية واللاسلكية للأفراد والشركات، البريد اﻹلكتروني، هواتف المحمول، البريد الصوتي، التلفزيون التفاعلي، هواتف الفيديو.. الخ. وأثار هذا الانفجار المعلوماتي العديد من القضايا التي تتعلق بالثقافة. ففي مجال “الملكية الفكرية” بات من الضروري توفير التشريعات القانونية سواء كانت اختيارية أو إجبارية. وفي حتمية “تعدد الجنسيات” مصادر المعلومات حيث أن تلك الشبكات متعددة الجنسيات عابرة للحدود، حتى قال جوزيف بيلتون “ربما تصبح الدول القومية من الأشياء العتيقة”. ثم قضايا “الخصوصية” و”الأمن” و”التشفير”، ونظرا لأهميتها جميعا تخضعها الحكومة المصرية للتنظيم الحكومي مثل الكثير من الدول، ومنها الولايات المتحدة الأميركية.

• الخصوصية: عرفها أرنولد سيميل بقوله “إن الخصوصية مفهوم يتعلق بالعزلة والسرية والاستقلال الذاتي، لكنها ليست مرادفة لهذه المصطلحات..”. بينما يرى ران دالأنها أداة اجتماعية، فيما يرى بيزانسون أن الخصوصية تمثل محاولة للحفاظ على التنظيمات والقيم الاجتماعية. وقد أبرز ديفيد فلاهيرتي فوائد الخصوصية في الآتي “الحق في الاستقلال الذاتي وفي اختلاء المرء بنفسه وفي الحياة الخاصة وفي التحكم في المعلومات الخاصة وفي توقع السرية وفي التمتع بالعزلة وفي التمتع بالكتمان…”.

بالتالي يثار السؤال دوما حول تحقيق التوازنات بين مصالح متباينة خاصة بالملكية الفكرية والجوانب الاقتصادية وأمن وتشفير البيانات.

لكن لماذا يجب اﻹعتراف بحق الفرد أو الجماعة أو المؤسسة بالخصوصية؟

الإجابة هي: لتحقيق الاستقلال الذاتي، حيث الخصوصية أمر هام للتنمية الفردية والجماعية والمؤسسية.. كما أنها تتيح فرصة التحرر العاطفي، حيث التعبير عن الغضب والحزن والإحباط، خصوصا أن الحرمان منها يسبب زيادة التوتر وربما الانهيار النفسي أو العقلي.. ثم هناك أثر الخصوصية في تنمية التقدير الذاتي وصنع القرار، مع الاتصال المحدود والمضمون.

بالرغم من فوائد الخصوصية، فإنه يمكن القول إنها تركيبة لا اجتماعية. فهي تعترف بحق الفرد مقابل أيّ شخص آخر في أن يقرر ما يكشفه عن نفسه، وهو ما قد يتعارض مع قيم هامة أخرى داخل المجتمع مثل مصلحة المجتمع في تسيير حرية التعبير ومنع الجريمة والمعاقبة عليها، وفي حماية الملكية الخاصة، فضلا عن الحماية القانونية للعادات والتقاليد وغيرها.

الخصوصية إذن ليست شيئا مطلقا، إنها أمر متوقف على القرائن وهى ليست مفيدة أو ضارة في حد ذاتها، وإنما تتضمن مجموعة معقدة من الصفات الإيجابية والسلبية معا.

ينبغي في النهاية قيام الحكومات بدورها في صياغة مبادئ الخصوصية وسن القوانين لحماية الحقوق داخل البلد الواحد ودوليا مع الدول الأخرى. وربما يمكن التأكيد على أن الثقافة والعلوم الإنسانية باتت في مأزق الثنائية التي أشرنا إليها من قبل، ولا بالأخذ والرفض معا، الأخذ بما هو مناسب على مستوى الفرد والمؤسسة والرفض لغير المناسب.

لكن السؤال: هل سيبقى رجال البحث والفكر في فضاءات الثقافة ردود أفعال لواقع تقنى جديد؟ أم يلزم البحث عن رؤية جديدة ومناهج بحث مختلفة تجعل الحصان أمام العربة أو الفكر الإنساني قبل المعطى التقني؟!

الشبكات الاجتماعية

نشرت العديد من التقارير والدراسات التي تحاول تفسير ظاهرة انتشار شعبية الشبكات الاجتماعية في الآونة الأخيرة، حيث عزى موقع webmarketinggroup البريطاني شعبية هذه المواقع إلى العزلة الاجتماعية التي فرضها نمط الحياة العصرية، فالجلوس أمام شاشة الكمبيوتر والتسجيل في هذه الخدمات التي تتيح للمستخدم أن يتواصل مع زملائه وأقاربه وأهله ومجتمعه عبر هذه المواقع قد يكون أفضل بديل عن التواصل الإنساني المباشر، نظرا لمساحة الرأي التي تتيحها هذه الخدمات.

كما اتضح لعدد من الباحثين الاجتماعيين في العالم العربي أن مساحة الرأي وحرية المواقف هي إحدى أهم أسباب انتشار خدمات الشبكات الاجتماعية بين المستخدمين العرب على اﻹنترنت، فرغم أن البعض وجه انتقادات للسلبيات التي تطرأ من استخدام هذه المواقع وعدم الاستفادة الحقيقية منها، حالها كحال أيّ تقنية جديدة تطرأ على مجتمعاتنا، إلا أن الشواهد الواقعية تشير إلى وجود عدد غير قليل من المستخدمين الذين استطاعوا تسييس هذه المواقع لخدمة قضاياهم.

خلاصة

يتسم المجتمع الرقمي (الافتراضي) بتوافر كل متطلبات المجتمع الديمقراطي (المشار إليه في البداية) حيث يعتمد على الكفاءة والذكاء وهما لا يورثان كما تورث الممتلكات في المجتمع الواقعي، هما مكتسبان وتخلقهما الذات المبدعة وتمنحهما آفاق تطورهما. وبالتالي تتوفر المساواة والعدالة سواء في توافر المعلومات أو البحث عنها وإعادة إنتاجها، والتنمية بالتالي (سواء بالتعليم أو البحث الحر).

وقد بينت استطلاعات للرأي العام من خلال شبكة الإنترنت ومن خلال مقابلات أجريت في الوسط العربي أن الإنترنت يعتبر ساحة لحرية الرأي والتعبير أكثر من الإعلام الاعتيادي، خصوصاً مع فترة انتشار الإعلام الإلكتروني على شبكة الإنترنت، وبينت استطلاعات أخرى أجريت لاحقاً في الوسط العربي أن هذه المساحة من الحرية والتعبير على شبكة الإنترنت قد تراجعت كثيراً في وسطنا العربي لما تقوم به بعض الحكومات العربية من مراقبة شديدة وصارمة على الصحف والمجلات ووكالات الأنباء العربية والكتاب “الرقميين” ومنهم المدونون العرب.


كاتب من مصر

مقالات أخرى للكاتب:

  • حاضر العرب وسؤال الهوية