ثلاث قصص

الجديد  إبراهيم أبويه [نُشر في 01/10/2017، العدد: 33، ص(66)]

لوحة: معتوق أبو راوي
جولة في البرية

أصوات كثيرة متداخلة. سيمفونية من اللغط. أغنيات لكل الأذواق. كان القطيع مستمتعا بالعشب والماء والشمس. امتلأت البطون. برزت ملامح الفحولة. ارتطمت القرون بالقرون. احمرّت العيون..

تحت كرمة قديمة، أرخت النعاج جفونها في انتظار البطل. الخراف الضعيفة انحرفت خلف النعاج باحثة عن ظلال تقيها حرّ شمس الظهيرة. الحملان مرحة تحاكي ما يقوم به الكبار. الأكباش الحكيمة التجأت إلى صمتها.

ينهض الراعي من سباته حاملا عصاه. بهشة واحدة يعود النظام إلى مجتمع القطيع. يصمت الجميع. يتخذ الراعي القرار. يردد القطيع سيمفونية “ماااع، باااع″.

الأسود التي تستوطن الجبال المجاورة، لم تعد تعبأ بلحم القطيع، فدربت نفسها على التهام العشب..

تحت ضوء القمر

لتلك الحديقة بابان: بابٌ تدخل صبايا منه لقطف وردة يسكن حبيبٌ داخلَها، وبابٌ يخرج رجلٌ منه تاركاً وراءه بقايا امرأةٍ. في الليل، يقفل الحارس البابينٍ دونَهم. ساعتئذٍ تستطيع الأزهار أن تحبَّ بعضها، أَكثرَ، تحت ضوء القمر.

صعود إلى هاوية بعيدة

الليلة الأولى كانت بقرية صغيرة تسمى تاكلفت. كانت مدفونة وسط الجبال التي جعل منها شجر الفلين لوحة خضراء. كانت صغيرة. ترابها بين البني والأحمر القاني. كانت الرحلة إليها في سيارة “خَطّاف” عتيقة تتستر على لونها الأبيض القديم، وتحمل فوق سطحها برميل ماء مربع الشكل، ينتهي أنبوبه المطاطي عند السائق الذي كان يضغط عليه قليلا كلما ارتفعت حرارة المحرك، فيصب في جوفه كثيرا من الماء حتى لا يتوقف عند خط الصعود الذي اعتقدت أنه لن ينتهي من فرط التواءاته الكثيرة. كانت أسئلة السائق لا تنتهي، وكأنه يريد أن يعرف كل شيء عنّي في وقت وجيز قبل أن تصل الرحلة إلى غايتها. كنت أجيب بصبر وتحمل لعلني أكسب عطفه الأمازيغي، ويجد لي مكانا أبيت فيه تلك الليلة في القرية الصغيرة التي ستستقبلني بعد انتهاء هذا الطريق الملتوي.

أخرجت أمتعتي من صندوق السيارة، بينما آذان المغرب يصدر من مسجد قريب، والشمس تستعد للرحيل لتتركني واقفا أمام أمتعتي، بعد أن خيّب السائق ظني وقفل راجعا بحمولة آدمية كانت تنتظره ليأخذها إلى مكان لا أعرفه. رفعت الأمتعة وقصدت مكانا بدا لي كمقهى شعبي. سحبت كرسيا حديديا وجلست. خرجت من المحل امرأة في عقدها الرابع، وسلمت عليّ وفي عينيها أسئلة كثيرة لم تستطع الإفصاح عن مضمونها أمامي، واكتفت بسؤال أمازيغي فهمت منه أنها تنتظر منّي أن أطلب شيئا معينا. أدركت الأمر وطلبت إبريق شاي قامت بإحضاره بعد دقائق. أشعلت سيجارتي الأولى بهذا المكان القصي، وارتشفت كأسا بسرعة كبيرة بعدما بدأ الجو يبرد بقساوة لم أعهدها من قبل، انضافت إلى قساوة المكان.

مرت دقائق معدودات ثم ظهر رجال القرية بعد أن أدّوا صلاتهم في المسجد الصغير الذي يقابلني. تفرقوا في الممرات الصخرية مدركين بيوتهم الحجرية التي تناسلت على قدم الجبل. وقف بقربي رجلان سرعان ما انخرط أحدهما في حديث مع صاحبة المقهى الشعبي لم أفقه منه شيئا. لكن نظرات الرجل الثاني الذي اختفى جسده النحيل داخل سلهامه الصوفي الأسود، جعلتني أفهم أني موضوع حديثهما. تأكدت بعد أن التفت الرجل الأول إليّ وابتسم وقال بعربية ركيكة:

- أهلا وسهلا سي محمد، منين نتا؟

أخبرته كل شيء وبسرعة علّني أربح بعض الوقت الذي سيمكّن جسدي من الراحة والنوم. طلبت منه أن يدلّني على خان شعبي أبيت فيه ليلتي قبل أن أسافر في الغد إلى أعلى الجبل. شرع يخاطبني بلغة بين العربية والأمازيغية. كنت أطأطئ رأسي علامة على الفهم، بينما الواقع أن همّي الوحيد هو الوصول إلى مكان أغلق خلفي بابه وأتمدد حتى يحل الصباح.

طلب الرجل من المرأة أن تأخذني إلى المكان الذي أشار إليه. تبعتها وأنا أحمل أمتعتي التي كرهتها لثقلها الذي لم أعد أحتمله في تلك اللحظات.

صعدنا، اجتزنا ممرات ضيقة. رأيت على جانبيها بيوتا كأنها من زمن مضى. وصلنا أخيرا إلى بيت طيني عتيق سرعان ما انفتح بابه لأجدني في ساحة مليئة بالتيوس والعنزات. اخترقنا صفوفها حتى بلغنا غرفة بابها أخضر وتوشح صباغتها رسوم أمازيغية.

دخلت فتبعتها. قالت إن العشاء سيكون جاهزا بعد ساعة. فرحت بهذا الكرم المفاجئ. وضعت أمتعتي في ركن من الغرفة بعد أن أشعلت شمعة كانت موضوعة على نافذة صغيرة. “مرحبا أرّاجل عندنا وقبل علينا”، قالت ثم انصرفت.

فتحت الحقيبة الجلدية وأخرجت بعض الملابس الرياضية التي وضعتها بسرعة على جسدي الذي بدأ يتأثر بالبرد. رتبت كل شيء وتمددت. ثبتّ بصري على سقف الغرفة الذي انتظمت فيه أعمدة خشبية منعت القصب المرتب بعناية من الانزلاق. استعدت شريط الرحلة وأنا أضغط على ذاكرتي كي لا تسافر إلى أبعد من ذلك، فيصيبني الأرق وأنا بحاجة إلى السكينة والهدوء خصوصا في هذه الليلة الأولى.

مرت الدقائق كأنها ساعات، وسمعت طرقا على الباب تبعته ملامح امرأة تحمل إناء به ماء دافئ وطلبت منّي أن أغسل يدي. قمت بما أمرت واعتدلت في جلستي. خرجت ثم عادت تحمل طاجينا وضعته أمامي وجلسَت.. رفعت بصري خلسة لأتفحص هذا الوجه على الضوء الخافت للشمعة، فإذا به يحمل معالم جمال زاده الكحل والألوان بريقا عجيبا..

انتهى العشاء وانتهت معه كل الأفكار والمخططات التي بنيَت دون استشارتي. ثم إني رجل متعب، محبط ولا يعرف أيّ شيء عن مكان يعتبره عودة في الزمن إلى عصور قديمة، لا يتقن تفاصيل التعامل معها (على الأقل الآن). كان الليل يخفي مفاجآت أخرى لم أعهدها من قبل. فبعد أن أطفأت الشمعة وهدأت حركة الدواب والقطعان خارج الغرفة المظلمة، بدأت حياة أخرى تدب في فراشي. أحسست بلسعات تخترق جلدي الآتي من المدينة، واعتقدت أنها من فعل اللحاف الصوفي الثقيل والخشن، أو ربما من العرق الذي رافقني خلال الرحلة.. لكن الوخز أصبح كثيرا، متكررا ومؤلما. أشعلت الشمعة فانقطع كل شيء. تحسست مكان الوخز في جسدي فوجدته بقعا منتفخة ودائرية. عدت إلى ظلامي بعد برهة قليلة أشعلت فيها سيجارة، علَّ تلك الكائنات غير المرئية تعاف رائحة التبغ وتتركني لحال سبيلي، لكن الظلام كان بمثابة شمس ساطعة لتلك المخلوقات التي لا أعرفها ولا تعرفني.

ظلت الحال على ما هي عليه من الوخز والألم حتى سمعت وقع الحوافر خلف الباب يكثر، وخيوط محتشمة من النور تتسلل من النافذة الصغيرة، فأدركت أن الصباح قد حل أخيرا، وأنني سأتخلص من هذا العذاب الذي لم أكن على موعد معه، والذي انضاف إلى التعب والسهر القهري وأمور أخرى اجتمعت كلها في ليلة واحدة.

شربت بعض الماء وأشعلت سيجارة. فتحت النافذة الصغيرة واتكأت على حافتها العريضة أنظر إلى القطيع وهو يتسابق نحو الباب الرئيس للبيت، خلفه راعٍ يرتدي جلبابا قصيرا وتبدو عليه ملامح الشباب. التفت وابتسم لي، فناديته بإشارة من يدي. وعندما أصبح أمامي، قدمت له سيجارة لكنه اعتذر بتلويحة من عصاه. سألته وأنا أرفع أطراف ثوبي كي يفهم ما أعنيه بكلامي. نظر ثم قال:

- البرغوث.

استدار بسرعة وركض خلف آخر تيس كان يحاول ركوب ظهر عنزة، نهره بعصاه ثم رحل مع القطيع.


كاتب من المغرب