الأنوثة العربية بوصفها خطاباً

ليس الخطاب حول الشيء هو الشيء، وبخاصة إذا ما تعلق الخطاب بالأشياء التي تتطلب سلوكاً اجتماعيا أخلاقياً-قيمياً وسياسياً. والخطاب في هذه الأحوال يعيد إنتاج الأشياء ويقدمها في الصورة التي يراها. ويصدق قولنا أكثر ما يصدق على الخطاب العربي حول الأنوثة ورمزها الأرأس المرأة.

الجديد  أحمد برقاوي [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(74)]

لوحة: مايسة محمد
انطوت أكثر لغات الأرض على أسماء المذكر والمؤنث، وهناك لغات تتضمن الجنس المحايد الذي لا هو مذكر ولا هو مؤنث كاللغة الروسية واللغة الإنكليزية مثلاً. وفِي العربية هناك المؤنث المجازي حيث يمكن لاسم أن يؤنث ويذكر. وقد قالت العرب بأن المؤنث الحقيقي هو كل ما يلد أو يبيض. ولكن نحن لا نعرف الأسباب التي جعلت العرب تتواضع على المؤنث والمذكر في الأشياء فلماذا الشمس مؤنث والقمر مذكر مثلاً؟

ولكننا لو رحنا في رحلة التأنيث والتذكير للأشياء عربياً لوجدنا بأن التذكير للأشياء يفوق التأنيث. ففي الجسد مثلاً نرى التذكير لأغلب أعضائه على عكس اللغة الروسية. جسد، وجه، رأس، شعر، قلب، كبد، ساق، شريان، وريد، دم، رمش، مخ، أنف، فم، لسان، ناب، إصبع، قضيب، مري، صدر، بطن، ظهر، ضلع، كف، رصغ، حتى أسماء أعضاء الجهاز التناسلي للمرأة مذكرة: فرج، بظر، رحم، نهد، حالب، ولم يتبق للمؤنث إلى القليل من أسماء أعضاء الجسد: عين، رقبة، يد، رِجل، وحتى الرقبة لديها مرادف مذكر: جيد.

وغالباً كل ما له علاقة بالماء مذكر. بحر، محيط، نهر، غدير، نبع، مطر، ندى، سحاب، غيم.

حتى الأسماء الدالة على الزمان أغلبها مذكر: زمن، دهر، حول، عام، شهر، أسبوع، يوم، فجر، صباح، ظهر، عصر، مساء، غروب، شروق، سحر، ليل، نهار.

ولهذا قال النحاة العرب الأصل في الاسم هو التذكير والتأنيث طارئ للضرورة. وإذا كان الأمر كذلك وهو كذلك فإن المذكر في اللغة دال على عقل اللغة التي هي تواضع بين الناس.

ولأن اللغة هي العقل والتفكير، فإن الخطاب حول المؤنث هو الثمرة الطبيعية للذهنية المتوارثة بوصفها حالة ثقافية حاضرة في اللغة.

ولما كانت المرأة هي المؤنث الإنساني الذي خضع للمذكر الإنساني القوي عموماً فإنه أي الرجل قد صاغ المرأة على هواه قبل أن تعلن المرأة أشكال تمردها عليه. ولقد قدّ العربي الخطاب المتعدد حول المرأة بكل أحوالها. ومازال الوعي العربي يتوارث أجزاء من هذا الخطاب حتى الآن.

ما هي المرأة: لو قلنا: المرأة إنسان ذو عضو مؤنث فهذا يعني بأننا قدمنا تعريفاً بيولوجياً للمرأة يشبه تماماً قولنا الرجل إنسان ذو عضو مذكر، لكن هذا يعني أمراً في غاية الأهمية ألا وهو أنّ المرأة والرجل يشتركان في صفة ماهوية هي الإنسان، وبالتالي هناك ماهية واحدة للمرأة والرجل واختلاف في وظيفة كل منهما في بعض وظائف الجسد. وكل تعريف للإنسان تعريف يشمل المرأة والرجل. فإذا قلنا الإنسان حيوان ناطق، عاقل، حرّ، إرادي، ضاحك، عامل.. الخ، فهذه تعريفات تنسحب على الذكر والأنثى من البشر.

حقيقة واقعنا العربي تقول بأنّ المرأة “خطاب”. هو ذَا جوهر القضية. وكل خطاب سلطة. ولتحديد الأمر أكثر، المرأة خطاب ذكوري حول المرأة متناقض مع ماهية المرأة؛ أي أننا بنينا تصوّراً عن المرأة بحسب ما رآها الرجل، وبحسب ما صاغ هذا الرجل رؤيته والجواب عن سؤاله: “ما هي المرأة؟

المرأة وخطاب الحق

الجوهري في مكانة المرأة في خطاب الحق قائم في ارتباط حقها بالحق الذي يمنحه الرجل لها في الغالب. وهنا يجب التمييز بين الخطاب الشفاهي المتعارف عليه بوصفه قانوناً اجتماعياً، والخطاب القانوني الذي غالباً لا يؤخذ به أمام العرف. كما يجب التمييز بين هذا الخطاب في المدينة عنه في القرية أو البداوة.

في الخطاب العرفي المتوارث المرأة جهاز إنجاب ومتعة. هذه الوظيفة للمرأة في خطاب الحق الشفاهي تجعل المرأة موضوعاً وليس ذاتاً، فهي كائن بيولوجي صرف. تتكثف هذه الوظيفة في الزواج الذي يقرر حصوله الذكر وفق الشروط والتقاليد التي سنها الخطاب الذكوري، والتي غالباً لا يكون للمرأة فيها حضور بالموافقة أو الامتناع. وبالتالي إن حق المرأة في الخطاب العرفي لا يتعدى حق البقاء البيولوجي أي حق الحياة فقط.

حتى حق الإرث المنصوص عليه في القرآن يسلب منها في أكثر المجتمعات الفلاحية العربية. فالعرف الذي سنّه الرجل الفلاح أقوى من الحق الذي سنّه الكتاب.

ولكن وضع المرأة في الخطاب القانوني قد جعلها أكثر امتلاكاً للحق وذلك بفعل قيام الدولة المتأثرة بالحداثة، بدءاً من حق التعلم مروراً بحق العمل وانتهاءً بحق اختيار الشريك. ولكن التناقض بين الخطابين مازال يحول دون نفاذ الحق القانوني في أكثر البلدان. ومما يزيد من عناد الخطاب العرفي المتوارث قربه من الخطاب الديني حول المرأة.

المرأة في الخطاب الديني

لقد وضع الخطاب اللاهوتي الإسلامي حول المرأة في حال اغتراب مطلق عن ذاتها ذلك أنّ اللاهوت الإسلامي الذي تكوّن عبر مئات السنين انطلق من ماهية مختلقة للمرأة، مُؤسّسة على فكرتين خطيرتين: المرأة عورة، والمرأة فتنة. وكل حياة المرأة يجب أن تتأسس على هاتين الفكرتين.

العورة في اللغة العربية تعني “العيب في الشيء”، وبالتالي قولنا المرأة عورة معناه بأنها معيبَة، والمعيِب هو كل ما يُستحى من إظهاره، والعورة هنا مرتبطة بالفتنة، أي أنّ السيء في المرأة هو أنها تفتن الرجل إن رآها. يترتب على هذا الخطاب أن تستتر المرأة في بيتها أو ما شابه ذلك بوصفها عورة، خوفاً من أن تغري الذكر.

إنّ خطورة هاتين الفكرتين الذكوريتين تتأتى من الاعتقاد بأنهما صادرتان عن أمرٍ إلهي، ممّا يزيد من سلطة الخطاب الذي يتحول إلى ممارسة يوميّة وإلى مصدر هائل من مصادر القول حول كل ما يتعلق بحياة المرأة من زواجها وملبسها وسلوكها وواجباتها وعقوباتها وحقوقها ومستقبلها كله.

المرأة عورة أم فتنة هي جسد، جسد لا يظهر زينته إلا لمالكه، ألا وهو الرجل الزوج الذي امتلك حق التصرف بالجسد. الجسد الذي صار مسجوناً خلف البرقع والجدران خوفاً من أن يفتن الآخر، فالمرأة كائنا عورة يحيل إلى ضرورة ستر هذه العورة عن العيون. حتى صارت العورة ساكنة مخيال الذكر.

واختلاف الفقهاء حول وجه المرأة ما إذا كان عورة أم لا اختلاف لا قيمة له أبدا في الإقلال من شأن ماهية المرأة في العقل اللاهوتي بوصفها فتنة وعورة.

فالحجاب هنا سواء كان برقعاً أو ستراً لجزء من الوجه أم ستراً للرأس إنما يصدر عن الخطاب اللاهوتي نفسه. الخطاب الذي يؤكد دونية المرأة بنقصان عقلها ودينها.

المرأة هذا الكائن المستتر الذي يخفي جسده كلّه بوصفه عورة وفتنته عن الرجل بوصفه صاحب الملك القادم يحولها هذا الواقع إلى مخزون من المكبوت الذكري. المكبوت الجنسي الحاصل في مجتمعاتنا يولد لنا مشاكل نحاول عدم إظهارها لكن في الحقيقة الأمر مثل هذه المشاكل تتحكم بتصرفاتنا وتحدد سلوكنا.

كثيراً من الأحيان يتحول جسد المرأة إلى أسطورة تعيش في خيال الرجل ولا يستطيع في الواقع التعبير عنه.

ما يثير رغبته بأن تكون زوجته ذاتها المرأة التي في خياله، ويحملها على الزخرفة له للرجل وتنصاع له باعتبار الرجل نفسه هو المحور الأساسي في العلاقة بينما هي مخلوق هامشي وغير فاعل. إنّ عليها أن تقدم نفسها بأحلى حلتها لتشبع رغبات الرجل فقط.

وما دعّم هذه النظرة هي الأديان المُبيحة لتعدد الزوجات لتجعل هاجس تعدد الزوجات يأسر دماغ المرأة، ويتعطل عن التفكير بأمور الحياة إلا الأشياء التي ترضي الرجل والزخرفة لأجله.

إنه بهذا الحال يكون تزين المرأة بوعي ذكوري لا بوعيها هي كذات مستقلة، فالمرأة لا تعرف كيف تعي ذاتها ما يكرس عندها مفهوم أنها لا تنفع إلا لإرضاء رغبات الرجل وبذلك يفقد الجسد احترامه كونه ليس له قيمة، بل تعيش المرأة اغتراب الجسد في تحوله إلى عنصر متعة للآخر.

المرأة عورة أم فتنة هي جسد، جسد لا يظهر زينته إلا لمالكه، ألا وهو الرجل الزوج الذي امتلك حق التصرف بالجسد. الجسد الذي صار مسجوناً خلف البرقع والجدران خوفاً من أن يفتن الآخر، فالمرأة كائنا عورة يحيل إلى ضرورة ستر هذه العورة عن العيون. حتى صارت العورة ساكنة مخيال الذكر

الأنثى وجريمة الشرف

لعل من أغرب القيم قيمة الشرف المرتبطة بملكية الآخر الذكر للمرأة. فالشرف صفة فردية وتقال على الفرد بما ينطوي عليه من صفات عزة نفس وكرامة وعلوّ.

فشرف الرجل في الشرق عموماً أخته وابنته وزوجته بل وكل النساء اللواتي يمتن له بصلة. شرفه قائم في جسد امرأة، في عالم خارجه، في احتفاظ الأنثى بجسّدها من غير دنس من أحد.

من هنا نشأ مصطلح من أغرب المصطلحات في تاريخ البشرية ألا وهو جريمة الشرف. أي قتل المرأة من قبل مالكها انتقاماً منها على فعل قامت هي به، ومتعلّق بها. القتل هنا والذي تم بدافع الشرف أطلق عليها القضاء جريمة شرف دون التفكير باستحالة الجمع بين الجريمة والشرف.

والأدهى من الجريمة ما قام به المشرّع الذكوري من تخفيف العقوبة على المجرم بدواعي كونها جريمة شرف، وهذا يعنى الاعتراف بحق المجرم بقتل كائن آخر بدواعي الشرف.

كيف تأتّى لأب بكل ما يملك من حنان أن يقتل ابنته، وكيف لأخ أن يرى دم أخته يسيل على يديه دون أيّ شعور بالذنب، وكيف لأم هي ذاتها الرحم التي تدفقت منه ابنتها أن تزغرد فرحاً بالقتل؟ الجواب ببساطة يكمن في أن القتل تم بدافع الدفاع عن قيمة تتفوق عن هذا الكائن الذي هو الأنثى التي ارتكبت جريمة الاعتداء على شرف مالكيها.

ينتمي خطاب الشرف المتعلق بالأنثى البشرية إلى مرحلة مبكّرة من تحوّل الأنثى إلى ملكية الرجل الذي شرعن عملية التواصل الجسدي مع المرأة عبر عقد بين الرجال وليس بين المرأة و الرجل.

ففي الزواج التقليدي الذي مازال مستمراً إلى الآن حتى في المدينة العربية فإن القاضي الشرعي الذي يبرم عقد الزواج بين العريس والعروس إنما يبرمه بين الأب أو من ينوب عنه إذا كان ميتاً والعريس. وليس بين الرجل و المرأة.

فالزواج بوصفه المؤسسة الوحيدة التي تشرعن ممارسة الجنس بين الرجل والمرأة يجعل هذه العلاقة محروسة قبل أن تحدث، محروسة عبر الحفاظ على جسد بكر، جسد يمثل شرف الرجل نفسه. ولهذا فشرف المرأة ليس مستقلاً أبداً عن شرف الرجل المسؤول عن شرفها حكماً.

وتحليل هذا المصطلح الغريب “جريمة الشرف” في سياق خطاب الشرف الأنثوي يفضي بِنَا إلى القول بأن جريمة الشرف في هذا الخطاب ليست جريمة. ولا ينظر إليها المتلقي على أنها جريمة. بل إن القانون المتواطئ مع عملية القتل أضاف كلمة “الشرف” لينفي عن القاتل صفة القتل وإخراجه من عداد المجرمين، ومن ثم فإن عقوبة جريمة القتل هذه عقوبة يشفع لصاحبها الشرف الذي قتل من أجله. فيصير القتل شرفاً سلوكاً أخلاقياً لا ينجب التنديد بصاحبه.

الأنثى والخطاب حول الأمومة

تحتل الأنوثة مكانة رئيسة في خطاب الأنثى-الأم لدى جميع الشعوب، ولكن خطاب الأمومة في عالمنا العربي يصل بالأنثى الأمّ إلى مستوى القداسة. وعندي بأن هذا لا يعود إلى الخطاب الديني الذي يرفع من شأن الأمومة فقط، وإنما إلى إرث قديم من الخطاب الأسطوري حول الآلهة-الأم، آلهة الخصب والذي استمر جوهره في خطاب مكانة الأم.

الأم هي الأنثى الولود، الأنثى الرحم، إنها تقف على رأس الكائنات ذات القيمة الأعلى لهذا السبب، إنها الرحم. وليس مصادفة أن أطلق على علاقات القرابة صلة الرحم.

لكن المفارقة تكمن في التناقض الصارخ بين الخطاب حول الأم والخطاب حول الزوجة التي هي أمّ. بل هناك انفصال بين مفهومي الأمّ والزوجة. فموقع الأمّ كامن في وعي أولئك الذين انحدروا من رحمها فيما استبقى خطاب الزوجية حال السلطة الذكورية عليها من قبل الزوج. ففي الوقت الذي يقبل الابن أو الابنة يد الأمّ، يحق للزوج ضرب زوجته الأمّ بل إن الزوجة لا تحوز من الاحترام والود من الزوج بقدر ما تحوزه أم الزوج من أمن الودّ والاحترام منه.

لا شك بأن الاحتفال بعيد الأمّ الذي عممه الأميركي على كل دول العالم هو المظهر الأسطع على مكانة الأمومة في الوجدان لدى البشر، لكن الأمومة ليست هي الأنوثة، فالمرأة بكل أحوالها هي الأنوثة، ولهذا فلقد تنبه العالم إلى أن عيد الأمّ عيد لا يشمل الاحتفال بالمرأة فاستن عيد المرأة العالمي الذي هو احتفال بالأنوثة.

وبعد كل هذا فإنّ روح الحداثة التي هبّت على البلدان العربية وبخاصة في مصر وبلاد الشام والعراق والمغرب العربي، والتي امتدت من الستينات حتى نهاية السبعينات في القرن الماضي، وانعكست على الخطاب حول المرأة وعلى سلوك المرأة وتحرّرها النسبي، نشهد الآن تراجعها؛ أي تراجع هذه الروح في كل المنطقة العربية وعودة خطاب العورة والفتنة مرة أخرى لتحديد وعي الذكر بالأنثى عموماً.

والحق إن الاستسلام لهذا النكوص التاريخي جريمة ذكوريّة قد تعيد عبودية المرأة إلى سابق عهدها، وهو الأمر الذي يدّل على الذهنية المعاندة التي تحتاج إلى نوع من التحوّلات الكبرى والجذريّة لتحطيمها. ومازالت المرأة العربية تتعرض لشتى أعمال العنف من الاغتصاب إلى العنف المنزلي إلى الختان، إلى الحجر في المنازل، إلى القناع، إلى الزواج المبكر في سن الطفولة.

وبسبب هذا الوضع المزري للمرأة عالمياً أعلن الْيَوْمَ العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة.

ولا يمكن عزل حال وضع الأنوثة ودرجة حضورها الفاعل وحريتها عن مجمل التحوّل المجتمعي العام، وعلى الرغم من أهمية الحركة النسوية في الكفاح من أجل حق المرأة، فالمرأة قضية كلية تدخل في رؤية البشرية إلى الأنوثة البشرية، ولأنها قضية كلية فإنها تدخل كجزء لا يتجزأ من التحولات الثورية وفي معركة الحق وكفاح البشر من أجل حريتهم، أي أنّ انتصار الذهنية المؤسسة على فكرة الإنسان الحر هو انتصار مباشر للمرأة الإنسان وهزيمة للمرأة العورة والفتنة.


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات