حــارس الــمـــرمـى

الجديد  أحمد عمر [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(98)]

لوحة: أحمد كليج
لم يكن عبدالحي القيوم الملقب بـ”بارجموك” قصيرا ولا طويلا، لا نحيفا ولا سمينا، لقّبه المعجبون بألقاب عدة أشهرها؛ الحارس ذو الأيدي الست. ولا يُعرف لمَ لم يكن لقبه ذو الأيدي السبع وهو أولى باعتباره رقما مقدسا، والوطواط، وباتمان، والخفاش، والأخطبوط، والحائط، وسور الصين العظيم، والقفل، وشيفا -معبود الهنود الأكبر ذو الأيدي الكثيرة، وهذا اللقب أطلق عليه من قبل محبي وعشاق الأفلام الهندية- أما اسمه المثلث الأقانيم، العجيب، فهو من استنساب أبيه الذي كان يقضي أماسيه تلميذا مستمعا في “الحجرات” العريقة إلى الفقهاء ونوادرهم وعلومهم وفتاويهم، أو سابحا معهم في حلقات الذكر في التكية الصوفية، والذكر في الصيف يجري في الباحة الصيفية للجامع الكبير بجانب أشجار السرو، وعلى البسط اللبود المدكوكة دكاً. وقد ذهل موظف النفوس يومها من هذا الاسم الثلاثي الطوابق، وسجّله مستحسنا الاسم وفرحا به بخطه الرقعي الجميل، وكان الموظفون عصرئذ، يجيدون خطين من الخطوط العربية على الأقل، بإتقان العنكبوت لبيتها، وطائر الحبائك لعشه، والنحلة لخلايا قفيرها..

حظ حارس المرمى عادة، من المجد أقل من حظوظ زملائه اللاعبين الذين يتركونه وحيدا، يتيما، يحرس عشرين مترا طولا ومترين عرضا، مع ذئاب الأهداف، ويذهبون لصيد حيتان الأهداف في بحيرة مرمى الفريق الخصم.

كان ذلك في أوائل سبعينات القرن المرحوم عندما انتبهنا إلى أن روشي -مدينتنا الصغيرة- التي بنيت مثل معظم مدن العالم على نهر رقراق ينبع من بين أصابع الصخور من سقف الجبال، تربّي فريق كرة قدم دؤوبا ومجتهدا يصعد بقوة سلالم الشهرة الوعرة ثم ما لبث أن امتصه فريق الإقليم المركزي، أو بالأحرى صار فريقنا هو فريق الإقليم الذي يلعب على كأس الدوري، وهذا أحسن وأكرم، فقد حافظ على معظم تشكيلة دفتر عائلة الفريق، سوى ثلاثة لاعبين جدد. اللاعبون الأصليون من فريق الإقليم تسرّبوا إلى فرق أوروبا حيث المال والمجد والشهرة والدعة والحرير والنظافة والأمان والأمن.. والكرامة التي لا يمكن أن يدوسها أحد حتى بالحق. استجابوا لسيرينات الغناء الإفرنجي الغاوي، فهناك المجرم الذي يقتل ثلاثين امرأة عيطبول لا يعدم، وإنما يحتفظ به في السجون كديناصور بشري يخشى عليه من الانقراض، لكنه أبدا، لن يُبصق عليه ولن يضرب أو يهان، سيعاقب بالمؤبد، أو بضعفي المؤبد، أو قد يثاب بالإعدام الكريم لكن باحترام الأبطال.. الضالين. المجرم في بلاد الفرنجة بطل سلبي أخطأ العنوان. إنه مريض يستحق الشفقة، ولن يحرم مجد الشهرة.. السوداء. المجرم نجم بطريقة أو بأخرى في الغرب الأوروبي العجيب، الفاتن.

كان عبدالحي القيوم الولد الوحيد والأخير لبائع اللبن المشهور عبدالرحمن جورتان، على ثلاث بنات، معارج الكبرى، وأعراف الوسطى وترتيل الصغرى. وهي أسماء مقتبسة من سور القرآن الكريم وكلماته.

والولد قرّة عينه بالطبع وفلذة كبده. ولم يكن عبدالحي القيوم عاقا، وقد خيّب أمل أبيه بدراسة الشريعة. كان الأب يطمح أن يدرس ابنه الفقه والشريعة والسيرة النبوية وفقهها، ويصير إماما وفقيها وتنطبق عليه الآية “مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ”. نجح في الثانوية العامة بمعدل سبعين بالمئة، وأعدّ عدته ليسجّل في كلية الطب البيطري، لكنه ينتظر وثيقة تجعله مواطنا معلوما، وتحرّره من أسر المكان وضيعة المجهول. ألحّ عليه مدرّسوه أن يسجل في كلية الآداب، فهو أبرع تلميذ في علوم الإعراب. يحفظ الأجرومية وألفية ابن مالك، ويعرف الجامد من المشتق، وأنواع موازين الصرف، وأفعال التعجب، والأخطاء اللغوية الشائعة. لقد أورث الأب شيئا من علومه لابنه. ومن شابه أباه فقد عدل وما ظلم.

يوم الجمعة يرافق أباه إلى صحن الجامع باكرا، بعد عودته من التدريب في ساحة خالية بجانب النهر، الذي يحظى بتفاح الأهداف سهوا، فيستعيدونها إما خوضا في ماء النهر، أو سباحة. يعود عبدالحي، فيكون أبوه قد استحم، وتعطر وتمدد تحت شجرة التوت، مشذبا شاربه، بمقص خاص يحفظه في علبة بها بعض أغراضه مثل موسى مذهبة، وخنجر يمني مرصّع ومرآة لها مكحلة على هيئة ذيل طاووس؛ يكحّل بها عينيه تأسيا بالسنة النبوية الشريفة، قاذفا بين الحين والآخر الدجاجات الوقحة التي تقترب من سفرته بالحصى، بطيخ أحمر وبعض الجبن وخبز سميك محمص. أما في الشتاء فيجلس بجانب الموقد، ويفطر شايا ساخنا محلّى بقوة، مع الجبن والعسل والزيتون.

اشتهرت “خنافة” أم عبدالحي بخبزها الحلو الطيب المنكّه في الحارة، كانت مثل كل جاراتها اللائي يعددن أقراص العيدين، وهي عجائن بالزيت والحليب والسكر وجوزة الطيب والمحلب والقرفة، تدهن مكعباتها وأقراصها بالبيض قبل إدخالها إلى الفرن في صفائح مربعة الشكل لإكسابها اللمعان. وقد خلطت ماء العجين ببعض الحليب فانتفش خبزها وابيضّ وهش وطاب، ثم مع المرة تلو الأخرى وصلت الأم إلى المقادير اللازمة لخبز طيّب مخبوز بالتنور، والزائر في الشتاء أو الداخل يربض لابثا عند التنور، مستمتعا بذكريات النار، فالتنور يحفظ ذكريات النار ساعات طويلة، تصلح مرقداً لقطين يهادنان بعضهما طلبا للدفء.

صحيح أن خبزها المجبول بلبن البقر، جلب عليها نملا لا يحصى، عجزت عن صيانته في مخمرها الدائري، ونمليتها الخشبية، إلى أن وصلت إلى فتوى، وهي أن تحفظه على كرسي جرة الدن الفخار بعد أن طلت أسفله ببعض النفط، إلا أن النمل لا يرعوي، هو أقل إلحاحا من الذباب، لكنه أكثر منه عنادا بكثير.

يصل عبدالحي فيخلع فانيلته الشيال ويغطس في البركة، وكل بئر في بلدة روشي تؤاخي بركة بجوارها، دائرية أو مربعة، لها عمق متر، ومساحة متر مربع أو مترين، تملؤه الصبايا بالماء، لها حنفية في أسفلها يستخدمنها لغسل الأوعية والأواني العائدة من معارك الأكل مدهونة بالدهن والسمن.

يصلان باكرين، فيصليان ركعتين سنة تحية المسجد، ويذهب الأب إلى حلقة المقرئ عبدالصمد، بينما يذهب ابنه إلى حلقة المقرئ عبدالرشيد، وكلاهما يتلوان سورة الكهف كل جمعة.

واختيار الطب البيطري غريب، ففي أعرافنا أو أعراف مدينتا الريفية الغريبة تعدّ دراسة علوم البيطرة سبّة ويلقبون نطاسيها بطبيب الحيوانات أو حكيم البهم العجماء، وأحيانا بطبيب الحمير، استهجانا واستصغارا. لكنه لم يلتحق بالكلية فقد آثر أن ينتظر وثائق الاعتراف مع ورود رسائل كثيرة من زملائه الذين هاجروا إلى بلاد الفرنجة لاعبين محترفين مكرّمين مبجّلين؛ تعرض عليه عروض مغرية ومغوية عليها دمغات وأختام فرق أوروبية تشبه الأوسمة والنجوم في السماء، تسطع في ذيل الرسالة أو في غرّتها مثل عين الشمس، لكن مشكلته الثانية أنه الابن الوحيد وهو بار بوالديه، فهو يساعد والده في ساعات الصباح الأولى في تفريغ الأجبان وتوزيعها، ترد إلى الأب عربات من الحليب والأجبان ومشتقاتها من القرويين، على عرباتهم ذوات العجلتين أو فوق ظهور الحمير والبغال، فيهطلون عليه بكتل النعم البيضاء المصبوبة في أقمشة كتان لها شكل الثدي المرضع..

كانت تلك العقبة تعترض طريقه وقد آثر أن ينتظر حتى يلين أبوه ويوافق له على الهجرة غير الشرعية، فهناك مشكلة أولى بالتذكير، وهي أنه مكتوم القيد. فكيف سيسافر وهو مجهول من الوثائق التي تعترف به كائنا من البشر. عرض عليه مهرّبون أن يهرّبوه عبر الحدود ومن غير كلفة مالية حبّا به وبموهبته، وقد تريّث، فهو موعود منذ ثلاث سنوات بالجنسية، ولعلهم يلبونه مراده هذه السنة، وقد وعده رئيس مجلس الإقليم الذي زعم أنه معجب بحارس المرمى الذي ليس له مثيل. وما مواعيد عرقوب إلا الأباطيل.

بقي أن نشير إلى أن السياسة الرياضية للبلاد التي تجري فيها أحداث هذه المأساة غير الشكسبيرية، كانت مثالية، “فصناع الأقدار” يريدون كرة خالية من العصبيات، كرة أطفال للهو والعبث، ولا كرة إلا بعصبية. لا تحلو الكرة إلا بالعصبية والرهطية والقومية والآل والقرابة المكانية أو الدموية، انظروا إلى أسماء الفرق في العالم: ريال مدريد، برشلونة. كلها أسماء عرقية وجغرافية وإثنية ومكانية، حتى في مونديالات كأس العالم، الفرق تحمل أسماء بلادها وهي أسماء كيانات سياسية وقومية.. الكرة بالتاء المربوطة المكممة الفم هي تورية للكره بالهاء البغيضة، لذلك اقترح “المحتالون على الأقدار” التسمية بأسماء الآلات، سيكون وطننا وطنا مثاليا، المواطنون متساوون فيه كأسنان الكلب. ستختار الفرق أسماء مهرجة مثل “فريق المطرقة الرياضي” و”فريق المنجل الذهبي” الرياضي، وفريق “الريشة الرياضي”، وفريق “المدحلة “. وقد اختار فريقنا اسم فريق المنشار، ولما سئل ربان الفريق عن سبب اختياره هذا الاسم قال ببساطة: اخترته من مهنتي. ثم أردف ضاحكا: المنشار يمضغ خصمه بأنيابه.

لكن في أول سباق له على كأس الدوري علق فريق المنشار في عقدة في خشب الفريق الخصم. وعقدة الفريق الخصم لا يمكن لأسنان المنشار أن تنشرها أو تفلقها، فهو الفريق الوحيد بين فرق أقاليم البلاد العشرين الذي تسمّى باسم مكانه صراحة: فريق “الغوريلا الرياضي”. الغوريلا (غور أيلة) اسم القرية المعصومة التي أنجبت السيد الرئيس. الاستثناء من القانون ظلم سافر، وأبولو لقب الأخ غير الشقيق للرئيس، وراعي الفريق، وهو يريد الفوز بالقوة. لن يسبق أحد أبناء الأكرمين الجدد، وأبناءهم الفضائيين الذين لا يترجّلون من مركباتهم خشية أن يستنشقوا هواء الأرض غير المكيف. قاد أبولو عنان مركبته الثقيلة مرات عدة واقتحم الملعب ليقرر النتيجة التي يختارها بحكمة لا تتناسب مع جبروته: واحد صفر. اثنان واحد. الطمع ليس جيدا! لا حاجة لنتيجة مثل عشرة صفر، وإلا أصبحت المباراة مهزلة سافرة!

يذهب التحليل الرياضي والمعجبون إلى أنه موهوب بموهبة إلهية فريدة لم يؤتها أحد من قبل، لقد تأخّرت ولادته بعد سبع بنات، أربع منهن متن بعد الولادة مباشرة. ويذهب الرأي الثاني إلى أنه أتقن التقاط الكرات بسبب مساعدته الدائمة لصديقه عبد الإله كشه بائع البطيخ الأحمر، وهو يقضي معظم ليالي الصيف معه تحت خيمته المصنوعة من بقايا أجولة القمح المنسوجة بعبط الخيمة الرقائع، التي تتخللها بقع وثغرات تتسلل منها الشمس الذهبية في الصيف الناضج على ناصية الجسر، حيث لا يكلّ الماء من الهمس مع الحصى، من غير أن ييأس من إقناعها بأن تتحول بين أصابعه الكثة إلى جواهر ولآلئ. يقضي الصاحبان الوديعان أوقاتهما الرخية وهما يسمعان أغنيات أم كلثوم ليلا ونهارا.

عبق رائحة البطيخ الوردية، يملأ أعطاف هواء روشي صيفا، حيثما اتجهت تسمع صوت سكين وهو يشرخ صدفة البطيخ الخضراء القوية. كأنما تنتظر القنبلة المدخرة بالسكر التي امتصتها من حليب الأرض من يفثأ لها كمدها حتى تنفجر حلاوة، ثم تنبثق تلك الزخارف الإلهية، والنخاريب الوديعة المتراصفة البراقة التي تلمع فيها حبات البذر الأسود، وتتلألأ بلورات السكر في النسيج البديع الذي يتهشم تحت الأسنان عصيرا. أصبح طعم البطيخ في روشي مقرونا بصوت أم كلثوم. للبطيخ الأحمر طعم أم كلثوم، أما عبدالوهاب فله طعم الشمام التنوري. وكشة يبيع البطيخ “عَ السكين”، لا غش في بطيخ كشه الذي تسقيه الشمس بالسكر الشعاع. كل البطيخ أحمر ولذيذ وسكّري يزيد العطش عطشا بحلاوته. البطيخ فاكهة أهل روشي القومية. تنمو ثمرات البطيخ في كل مكان، فأهلها يتسلّون بالبطيخ مثل الأميركان بعلب الببسي.

خاض فريق المنشار عشرات المباريات الودية، منها مباراة مع فريق بلغاري دولي زائر، أعد لها من قبل طلاب موفدين إلى صوفيا للدراسة، خرج منها فريق المنشار بانتصار التعادل السلبي! كابتن الفريق البلغاري “بخلص” أو “بوك هولز″ كما دعي تساهلا، الكابتن المذهول من براعة عبدالحي القيوم في صدّ الكرات بأصابعه الكلابات قال له: أنت معجزة.

لوحة: أحمد كليج

قال “أبو خلاص” عبر المترجم فيديل -ابن بلدتنا- الذي يدرس الطب البشري في جامعة صوفيا بمنحة من الحزب الشيوعي: لو انضممت إلى فريقي لأكلت بك الملاعب الخضراء، أنت تقفز إلى الكرة مثل الكوبرا. وأضاف أنت النسخة الثانية للحارس البرازيلي باربوسا النحس الذي نكب أمته في الخمسينات من القرن العشرين بخسارة أمام الأورغواي. قل لي بمعبودك، هل الهواء الذي في مرماك من الاسمنت المسلح؟

وسأله: كيف روّضت الكرة؟ بماذا ترشوها، ماذا تدعوها حتى تقفز إلى حضنك.

فأجاب عبدالحي القيوم ببداهة: الكرة لا تروّض، أنا لا أثق بها حتى وهي في حضني.

وعرض على عبدالحي القيوم الانضمام إلى الفريق البلغاري مع وعد بشرفه وشرف أمّه التي أنجبته. ثم عقب مازحا: أمي لم تكن شريفة، كان لها على الأقل أربعة عشاق غير أبي. ثم أقسم بشرف أمّه العاهرة بمنحه جنسية بلغارية موقّعة من رئيس الجمهورية نفسه. وعندما أُخبر بأنه يحبُ صبية جميلة، وسيبقى قريبا من ضفاف بيتها، قال له: سأجعل نصف فتيات السلاف والكومنولث تهيم في حبك، تعال وأنا أقنع لك صبيتك باللحاق بك هي وأبوها وأخوها ونوقها وجمالها. أنت تستحق جنسية عالمية. دعني أقبل هاتين الراحتين؟

وانحنى كما يفعل الخدم للسلاطين والفراعين وقبلهما خاشعا، جاثيا على ركبتيه، أمام حشد مذهول من عشاق الكرة المخاتلة ودراويشها في روشي.

نعود إلى مباراتيه الأخيرتين، والتي هجر بعدهما الملاعب الترابية التي لم تكن خضراء يوما، صناع الأقدار لا يريدون أهل روشي وأخواتها من المدن والقرى أن يحبّوا شيئا، الحب يخيفهم، لذلك كانوا يحاربون كل شيء يمكن أن يصبح دينا بديلا. يريدون السكان أشباحا لا مواطنين، الكرة يمكن أن تكون ملهاة جيدة تبعد الناس عن التفكير في الحق والباطل، لكنها يمكن أيضا أن تصنع ثورات حقيقية.

في شوط الذهاب فاز فريق المنشار بثماني مباريات من أصل تسع عشرة مباراة سيخوضها مع الفرق الأخرى المنافسة. تعادل في اثنتين، المرمى بقي نظيفا سوى من هدف تسلل وسرقة في مباراة بيننا وبين فريق السمهري جرى الإقرار به غدرا وكانت الحصائل تشير إلى أنه سيفوز بالكأس، وفعلا سجل الحكم في الشوط الثاني ضربة جزاء ظالمة ضد فريق المنشار في الدقيقة الخامسة والثمانين. وقد وقف عبدالحي القيوم برجموك في وجه الضربة الأولى، واعتنقها اعتناق الكفار، كما يفعل غالبا، فألغى الحكم النتيجة بذريعة تحرك اللاعب قبل التشويطة، فأعادها، فصدّ الثانية، فأعادها الحكم، فصدّ الثالثة، إلى أن أصيب لاعبو الفريق الخصم بالرعب، فتهامسوا واقترعوا وتهاربوا من التشويط، فوجد الحكم نفسه في فخ محكم، لم يجد بدا بعدها من أن يقصف الحارس عبدالحي القيوم بالبطاقة الحمراء، واعتبر النتيجة 1-صفر! عقوبة للاعب يرفض أن يكون نصبا تذكاريا.

في طور الإياب كان فريق الغوريلا سيلعب على أرض الفريق المنشار في ملعب مدينة روشي الترابي الذي طحنت ترابه مناسم اللاعبين المسمارية الحقود، وفي عرينهم. كان أبولو الذي أتى اسمه من مركبته العجيبة، كان قد اشترى الفريق، واشترى المباراة، ليس بالمال والذهب، فلاعبو المنشار عنيدون، على عسر حيواتهم، لقد ابتاعهم بتهديدهم واحدا واحدا، وكان التهديد الأهم هو لحارس المرمى الذي كان قد أقسم أن يحافظ على المرمى. قال له متوعدا: انتبه أنت لا تساوي سعر طلقة.. فأنت مكتوم أصلا، يعني دمك مجاني.

في عصر اليوم الذي سبق المباراة اقتربت إحدى المركبات الفضائية السوداء الكتيمة من طرف الجمهور. كان عبدالإله كشه وقتها يزن بطيخة حمراء مسقية بماء المطر، ويحملها مع صاحبه عبدالحي القيوم إلى عربة أجرة يجرها حصان، المركبة الفضائية القادمة الزائرة التي لا قبل لسكان المدينة بها، كرّت ثم اقتحمت تلة الثمار الخضراء اللامعة كالآيات تحت شمس العصر، ثم طحنتها فسال دم البطيخ. ثم أعاد الكرة مرة ومرتين وثلاثا، فتحوّلت كومة البطيخ إلى بركة دبق. تولى كشه وعبدالحي القيوم مبتعدين، ثم عادت السيارة لتعمل عمل النورج، حتى طحنت البطيخ تاركة نهرا من العسل الوردي جذب الذباب والدبابير والناس الذين طلعوا لتوّهم من صلاة العصر ليقفوا على ضفاف بحيرة عصير البطيخ الوردي العطر. ثم ذهبت المركبة مخلفة عاصفة من الغبار وخطين من الطين الدبق خطتهما بعجلاتها الخلفية، كانت تلك بطاقة إنذار حمراء.

وغادر عبدالحي القيوم بركة أشلاء البطيخ السائح بدمه، ليس هربا من الدبابير وإنما للتدريب على مباراة يوم غد الفاصلة، وأم كلثوم لا تزال تغني في المسجلة التي تعمل بأربع بطاريات كبار من نوع برق: يا ظالمني.

وفي يوم المباراة التي احتشد فيها الجمهور حول خطوط التماس، في الملعب الترابي وقوفا، فلا مدرجات في ملعب روشي، فيما سكت الجيران عن تسلق المشجعين لأسطحهم وحيطان بيوتهم، وعلى الأسطح المجاورة للملعب والتي تتيح متابعة أكرم.

لاعبو فريق المنشار كانوا يتسلون بتبادل الكرة موقنين بالهزيمة. استمرت المباراة لهوا، في الدقائق الأولى، ثم في الشوط الثاني، رجحت الكفة، وباتوا يلعبون لعبة (يا قاتل.. يا مقتول) وسجلوا هدفا في الدقيقة الثانية من الشوط الثاني، فيما تحطمت كل هجمات فريق “الغوريلا” على جبهة مرمى عبدالحي القيوم الذي كان لها بالمرصاد بأيديه الست.

قال كابتن فريق الغوريلا للحكم: هذه خيانة، ليس على هذا اتفقنا.. هذا حارس مسحور.. وتلفت بعينه يبحث عن معلمه ورب نعمته أبولو الذي كان يتابع المباراة بناظور مقرب على شرفة المبنى الإسمنتي الوحيد المطل على وغى الملعب.

هبت الجماهير على صوت طلقات نارية سقط بها عبدالحي القيوم.. سقط نافر الدم على جبهة المرمى الأخيرة.

أعلنت الدماء انتهاء المباراة، وحدث هرج ومرج، وركض الطبيب المتطوّع خالص إلى حارس مرمى فريقه. وتقاطر الجمهور صائحين.. مستغيثين.. غاضبين.. مولولين.. مستجيرين.. منددين.. باكين.

ارتبكت الغيوم البيضاء في السماء، واختبلت خطوط التماس.

قذفت الجماهير بأنفسها من فوق الأسطحة إلى حيث تمدد جسد الفتى عبدالحي الذي كان ينزف دما أحمر تجمّع في جدول صغير ينتهي إلى حفرة.

حاول الطبيب اعتقال الروح الهاربة من جسده نزيفا.

أشار أحدهم إلى الشرفة التي انطلق منها الطلق الناري.. كانت المركبة السوداء وقتها تهرب. ليس من عادة مركبة فضائية أن تهرب، لكن الدم مرعب.

أغلق الطبيب عينيه، وقال: رحمه الله.

من الملعب البلدي انطلقت جنازة حارس″المدمى” عبدالحي القيوم بغريزة الغراب الأعصم، إلى المقبرة، الجنازة كانت تكبر وتنمو وتتجه ليس إلى صحن الجامع الكبير كما يحدث عادة، ولا إلى منزل المرحوم. سارت وهي توحّد وتهلل وتكبّر، وتكبر.. الجنازة صارت مخلوقا عملاقا، المرحوم أبى أن يغادر إلا بعد أن يمشي بأقدامٍ ألفٍ. في لحظات غير طويلة بلغ الخبر أطراف روشي، وانضم إليها إمام الجامع الكبير الذي كان يشرب الشاي في دكانه.. ترك الناس الدكاكين مفتوحة، والأباريق على النار، والصنابير سائلة، والنيران موقدة، والتحقوا بجنازة عبدالحي القيوم، وهم يكادون يقتلون بعضهم على الظفر بثواب حملها، ويكتفون بمسها، متجهين خارج المدينة، وتجاوزت بغريزة الغراب الأعصم نفسه، مقبرتها قاصدة مقبرة المئة شهيد، الذين أفردوا بمقبرة خاصة مسوّرة أنيقة، ليس مثل مقبرة المدينة التقليدية التي دفن فيها أهل المدينة موتاهم كيفما اتفق.

وعندما وصلوا كان سبعة متطوعين يحفرون القبر. ولو اتسعت مساحة القبر لحفروها بأظافرهم وبراثنهم. قال الحفّار العتيق الذي ألحد ربع موتى المدينة أحمد بوند بصوت دامع: هذه القطعة من الأرض طرية مثل الحلاوة.

حفروا له أخدودا مستطيلا، كما هي العادة، ودفنوه بثيابه، من غير غسل، فالشهداء لا يغسلون.

كان الناس والمشيعون لا يزالون ينقذفون من بيوتهم كبرادة الحديد التي يجذبها مغناطيس عظيم، وبدا في ذيل الجنازة، أم عبدالحي القيوم وأخواته الثلاث، وهي المرة الأولى التي تشارك فيه نساء في تشييع جنازة. لعل مردّ ذلك أنهن لم يودّعن أخاهن، ولن يظفرن بوداعه، أو باختراق سور البشر الكتيم الذي أحاط بجسده. نزل خال المرحوم ليوسّده ويوجّه رأسه إلى القبلة، وسقف أخدوده برضف الحجارة ورقائقها. في ذلك الوقت بلغ أبوه المثوى الأخير بعينين جافتين.

دفن عبدالحي بسرعة، ودمه لازال طريا ونديا، ولم يلاحظ أحد غياب صاحبه كشه. كما لم يخطر لأحد أن يفسح لأمّه أو أخواته مسربا لوداعه، فالجميع أهله، وكل واحد منهم يعدُّ نفسه أولى من الآخرين بوداعه، أهيل عليه التراب بسرعة، فإكرام الميت دفنه، وسرعان ما نبت ورم من التراب في المقبرة. رش متطوعون الماء على القبر العطشان، وتوجه الإمام للناس: كل نفس ذائقة الموت.. إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم علّم الناس صلاة الجنازة التي ليس فيها ركوع أو سجود.

وصلّى الجميع.. فيما خشع المشيعون النصارى، وهم يضعون أيديهم على صدروهم كما يفعل المصلون المسلمين، ولكن صامتين.

عاش عبدالحي من غير أن يبلغ العشرين مكتوما، لا دية له، ولا جزاء. مات مكتوما.

وبعده بسنوات قليلة مات النهر حسرة وكمدا، ومات الجسر وتهدم، وبحّ صوت أم كلثوم، وتحشرج صوت عبدالوهاب وهو يحاول بيع الورد من غير أن يشتريه الحبيب أو يهديه، وهو ينادي على الورد الخجل الذي فيه يحلو الغزل. فيما بعد حذف اسم الفريق من بين الفرق عقوبة على تعصب جماهيره، كما زعم صنّاع الأقدار، وتحول الملعب إلى فيلا خضراء لأحد الفضائيين الذين يمكرون بالأقدار فتمكر بهم، ويقودون مركبات سوداء الزجاج، من كوكب الغوريلا ستار. بقي أن نقول إن الفيلا الملعب، صارت خضراء إلا من ميدان الجزاء، عرين عبد الحي القيوم، الذي بقي أصلع، وقد باءت محاولات ساكن الفيلا المحتل في استبدال التراب أو استعمال المخصبات والأسمدة لإنبات العشب، بالإخفاق الذريع.

كانت تلك البقعة هي التي شربت من دم “حابس″ المرمى.

أو حارس “المدمى”..

الشاب الشهيد عبدالحي بارجموك القوي في الإعراب.

الذي صان مرمى فريقه طاهرا.. بتولا.

مكتوما..

مثل صاحبه.


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا

مقالات أخرى للكاتب:

  • ربيع‭ ‬في‮ ‬الشتاء