الاستلاب من اللاهوت إلى الفلسفة ومن نقد الإنسان إلى نقد الآلهة

اكتسب مفهوم الاستلاب (أيضا الاغتراب)، حقّ الوجود الفكري الراسخ منذ أواخر القرن الثامن عشر، وما يزال حتى يومنا هذا، بين المفاهيم الفكرية البارزة في الفلسفات الحديثة، والمعاصرة كما في علم الاجتماع وعلم النفس. ورغم أن تاريخ المفهوم يرجع في بداياته المعروفة الأولى إلى اللاهوت البروتستانتي، أي بدايات القرن السادس عشر (من لوثر إلى كالف، فإن استخداماته تشعّبت وتنوّعت على مدى قرنين من تطور الفكر الفلسفي والاجتماعي الأوروبي.

الجديد  فالح عبدالجبار [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(104)]

لوحة: بطرس المعري
المفارقة أن هذا المفهوم تبلور بروح احتجاج ونقد للإنسان في إطار الدين-اللاهوت دفاعا عن الإيمان، ثم خرج من جبّتهما، لا لشيء إلاّ ليعود هذه المرة بروح احتجاج ونقد للدين واللاهوت في إطار الفلسفة دفاعا عن الجوهر الإنساني المستلب. هذا الكتاب الصغير هو تسجيل لهذه الرحلة في خطوطها الأساسية، في تركيز مفهوم على الفلسفة الألمانية، الأغزر نتاجا والأكثر انهماما بالاستلاب الديني.

الاستلاب الروحي

الميدان الروحي الخالص عند هيغل هو ميدان الفن والدين والفلسفة. إنه ميدان الروح المطلق، وفيه تخطو الروح خطواتها الأخيرة نحو الحرية المطلقة بمقدار ما أن الحرية هي ماهية الروح، وبمقدار ما أن حركة الروح هي حركة نحو تحقق ماهيتها تحققاً كاملاً.

بيد أن هيغل حتى قبل أن يصل إلى فلسفة الفن وفلسفة الدين، يرى في معالجاته للحق، كما أسلفنا، أن الكثير من إبداعات الروح (إن لم تكن كلها) تتجلى بتوسّطات مادية تجعلها قابلة للبيع والشراء.

ومع أن فلسفة الحق تحرّم تماماً الانفصال أو التخلي أو التنازل (Veräusserung) عن الشرف، الذكاء، الضمير، حرية الإرادة.. الخ، فإنها تعترف بداهة بإمكان بيع هذه “الماهية الروحية”، على شكل “خدمات فكرية” (مواعظ دينية مثلاً) أو بأشكال أخرى. وحتى حين ينتقل هيغل إلى الفن، هذه العتبة الأولى في الروح المطلق حسب مخططه، نجد أن الروح مرغمة على أن تتخذ من أكثر الوسائل المادية فظاظة وسيطاً لهذا التجلي: الحجارة في النحت.

وعلى غرار ذلك تكون التوسّطات الأولى في الدين (وصولاً إلى تنقيته من أشكال التوسط المجسدة أو التجسيدية، أو المجسّمة إن شئتم) الذي يمرّ بثلاث دوائر تطورية، شأنه شأن مقولات المنطق. أو بالأحرى (تبعاً لهيغل) أن حركة تطور مقولات المنطق هي التي تخلق حركة تطور الأفكار والمؤسسات والأشياء، في الطبيعة والمجتمع سواء بسواء.

ونتذكر هنا أن حركة الفكرة تمر بثلاثة أطوار رئيسية هي:

الوجود-الماهية-المفهوم

ويقابل هذه الحركة للمقولات تطور الأديان في ثلاث مراحل أساسية هي:

I الوجود-الدين الطبيعي.

II الماهية-دين الفردية الروحية (اليهودية، الديانة الإغريقية، الديانة الرومانية).

III المفهوم- الدين المطلق (البروتستانتية).

[ Philosophie und Religion، Die Religionkritik der Duetschen Klassik، Heft 3، Weimar، 1981، p20].

إن الخالق عند هيغل هو “المفهوم المطلق” (نفسه ص 21) الذي لا يشبه الخلق في الأديان المعروفة أيما شبه، فهو فكر خالص، وهو ماهية ذاتية التطور، وهو ذاته علّة ذاته.

إن استيعاب الاغتراب أو الاستلاب الديني، عند هيغل، بكامل امتلائه وتعقيده يتطلب أصلاً مبحثاً مستقلاً، ولكن بالوسع إيجاز خطوطه الأساسية رغم صعوبة مثل هذا الإيجاز التي تعني التضحية بغنى المضمون. ذلك أن هيغل يكتب عن الدين في كلّ مؤلفاته تقريباً.

ففي “علم المنطق” الذي يفترض حسب التقاليد الفلسفية أن يقتصر على المقولات والقياسات ينتهي بالحديث عن الله بوصفه “المفهوم المطلق” كما أشرنا أعلاه وهو ما يثير اهتمام الكثير من شارحي فلسفة هيغل أو المهتمين بفلسفته في الدين. [ ولتر سيتس، المنطق وفلسفة الطبيعة، وكذلك الفلسفة والدين، ص 20. من اللافت للانتباه أن د. إمام عبدالفتاح إمام يترجم absoluter begriff إلى "الفكرة الشاملة المطلقة" وليس "المفهوم المطلق"، واضعاً "الفكرة الشاملة" كمقابل عربي للكلمة الإنجليزية notion، نذكر ذلك لا من باب الاعتراض على اجتهاده، بل لكي لا يقع القارئ في أيّ التباس حين يلجأ الى المكتبة الهيغلية الهامة التي قدمها د. إمام بإبداع يستحقّ كلَّ الثناء].

وفي فلسفة الروح (الفينومينولوجيا، أول كتب هيغل العارضة لفلسفته الخاصة) تحتلّ أديان العالم القديم والعالم الجديد حيزاً وسطاً في حقل الروح المطلق (آخر دوائر حركة الروح). وفي الموسوعة يعود هيغل إلى تناول موضوع الأديان، مكوناتها وأشكال تجليها مناقشاً “برهان الإجماع البشري” على وجود الخالق.

أما كتاباه محاضرات في فلسفة التاريخ وكتاب محاضرات في فلسفة الدين فلا يخلوان من معالجة قضية الأديان، بل إن كتاب تاريخ الفلسفة يدور حول إشكالية التضاد-الوحدة بين الدين والفلسفة. أما الكتاب الثاني فلا يحتاج إلى توكيد مضمونه. وبين هذا وذاك نجد هيغل في كتابه علم الجمال (Asthetik) يبحث في الأديان في أكثر من موضع. [علاقة الفن بالدين ص 108، الدين الزرادشتي ص 319، الدائرة الدينية للفن الرومنطيقي، ص 510، الحب الديني ص518، (انظر: هيغل، علم الجمال، Hegel، Aesthetik، Aufbau، 4 Auflage، Berlin unde Weimar، I & II)].

وقبل هذه المؤلفات والمحاضرات، نجد أن مؤلفات الشباب عند هيغل تدور حول المسيحية وحياة يسوع. [هيغل، حياة يسوع، ترجمة جورجي يعقوب، دار التنوير، بيروت، 1984. ص 9 هذه المؤلفات هي: الديانة الشعبية والمسيحية، حياة يسوع، نقد المسيحية الوضعية، روح المسيحية ومصيرها].

وباختصار فإن فلسفة الدين تخترق كل مؤلفاته من البداية إلى النهاية. وإنّ مجرّد عرض هذه المادة الغزيرة، ومقارنة أشكال تطورها، وما تحفل به من تأملات وتحليلات، قد يتطلب مجلداً خاصاً.

ومن المفيد هنا تكثيف هذه المسألة ومسار تطور هيغل اللاهوتي-الفلسفي بإيجاز بالغ:

ثمة دراسة بارزة عن "هيغل والإسلام"، للدكتور حسين الهنداوي، هي جزء من أطروحته. وأظن أنها الدراسة العربية الأبرز إن لم تكن الوحيدة عن الموضوع]. وجعلت هيغل يتناول عملياً، سائر الأديان تقريباً في تطورها التاريخي من عبادة ظواهر الطبيعة وصولاً إلى عبادة الإنسان المجرد عند البروتستانتية، فالدين الطبيعي لدى المنورين الفرنسيين

لقد تطورت نظرة هيغل إلى المسيحية، والى الأديان عموماً تحت تأثيرات عديدة متناقضة: دراساته اللاهوتية وميله إلى التصوف، وتأثره بالعقلانية السبينوزية والروسوية والكانطية.

ويرى الكثير من مؤرخي فكر هيغل أن الثنوية الصوفية-العقلانية، ظلت ملازمة لموقفه، وهي تجد إحدى تعبيراتها الساطعة في توصيف مذهب هيغل بأنه: وحدة وجود – صوفية (mystische Pantheismus).

وتتجلى هذه الثنوية في افتتان هيغل المبكر بالديانة الشعبية الإغريقية وبتأثيرات سبينوزا الذي بات مذهبه في الدين (وحدة الوجود) ونقده للاهوت، الغذاء الفكري لعمالقة التنوير الألماني: ليسنغ، هردر، غوته وآخرين.[ الفلسفة والدين Philosophie und Religion، مرجع سبق ذكره، الدفتر الثالث، ص 26 (ليسنغ) ص 27 (هيردر)، ص 28 و29 (غوته)].

وينبغي أن نضيف إلى ذلك التأثير العميق الذي تركه مذهب الدين الطبيعي لروسو على فكر هيغل، وأن نزيد عليه المناخ البروتستانتي في مهد البروتستانتية: ألمانيا، وبخاصة رفضها للتوسط الكنسي بين الله والفرد، والدعوة إلى القضاء على اغتراب الإنسان عن الله، وتمجيد الفرد، والتسامح الديني وحرية الفكر.[ حياة يسوع ص 13-14، ومواضيع أخرى. كذلك الفلسفة والدين، الدفتر الثالث ص 36-43].

إن هذه المؤثرات بالغة الثراء والتنوع على الصعيد النظري، اندمجت بثراء المعرفة التاريخية للعديد من الأديان (لربما باستثناء الإسلام) [ثمة دراسة بارزة عن "هيغل والإسلام"، للدكتور حسين الهنداوي، هي جزء من أطروحته. وأظن أنها الدراسة العربية الأبرز إن لم تكن الوحيدة عن الموضوع]. وجعلت هيغل يتناول عملياً، سائر الأديان تقريباً في تطورها التاريخي من عبادة ظواهر الطبيعة وصولاً إلى عبادة الإنسان المجرد عند البروتستانتية، فالدين الطبيعي لدى المنورين الفرنسيين (ألم يتخذ هيغل من روسو مثلاً أعلى) [هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، المرجع المذكور، ص 13، يقول هيغل عن مؤلفات روسو وبخاصة إميل والعقد الاجتماعي والاعترافات، وعن روسو نفسه إنه "يحررني من الأصفاد والأغلال"]. فسبينوزا (انظر دفاع هيغل عن مذهب “وحدة الوجود” السبينوزي في “الموسوعة”) وأخيراً كانط. [حياة يسوع، ص 27].

ثمة ازدواجية في هذا كله هي ثنوية: الإيمان-العقل، أو اللاهوت-الفلسفة. وهذه الثنوية هي جزء من المناخ الفكري لعموم مدارس الفكر الألمانية في ترددها التاريخي، ومنحاها المساوم عصر ذاك للتوفيق بين العقل والنقل.

ويمكن القول إن موقف هيغل بإزاء هذه القضية قابل للتقسيم بشكل تقريبي إلى ثلاثة أطوار:

في الشباب المبكر يهاجم هيغل الكنيسة [ هيغل، محاضرات في فلسفة التاريخ، المرجع المذكور، ص 14]. ويسعى لتأسيس دين شعبي، يؤله سقراط [ المرجع نفسه]. ويدعو إلى الارتكاز على العقل وحده [نفسه ص 25]، ويفكر بالقضاء على الغربة بين الله والإنسان “أن تحبّ الله يعني أن تشعر بنفسك عائشاً في وحدة مع الكلّ” [نفسه ص 29].

في هذا النقد نجد تمسكاً بضرورة الدين وتمسكاً بضرورة العقل، نجد روح المتصوف وروح سبينوزا. نجد البعد التاريخي (أديان العالم القديم) والبعد الراهن (الغربة البروتستانتية). ومن المفيد الإشارة إلى أن هيغل كتب هذا النقد تحت التأثير المباشر لكانط ونعني بالتحديد مؤلف كانط “الدين في حدود العقل وحده” [Kant، Die Religion Innerhalb der Grenzen blossen Vernunft].[ كانط: الدين في حدود العقل وحده.. ثمة ترجمة عربية للكتاب أنجزها عبدالرحمن بدوي منذ عقود].

الطور الثاني هو حلقة وسطى انتقالية تتمثل في مسعى هيغل إلى نقد مفهوم كانط للدين والخالق الذي يحتل كما هو معروف مكانه في كتاب “العقل المجرد” عند كانط، كمقولة ذاتية إلى جانب المقولات التي يضعها العقل البشري قبلياً لتنظيم المعرفة ويحتل مكانه في كتاب العقل العملي كناظم للعلاقات الأخلاقية، ولا وجود له في “الكوسمولوجيا” [الفلسفة والدين، الدفتر الثالث، ص 95 و96. حول نقد هيغل لكانط انظر ص 19 و20 من الدفتر الثالث. أما مفهوم (الخالق) عند كانط فهو ماهية عقلية لدى الإنسان وليس ماهية العقل. انظر مفهوم الله عند كانط ص (17)].

إن نظرية كانط في الكوسمولوجيا التي تصور الطبيعة كماهية ذاتية التطور تستبعد اللاهوت الرسمي، كما أن نظريته في المعرفة (الشيء – في – ذاته Ding – an – sich) تستبعد البرهان الانطولوجي للذات الإلهية كما يرسمه اللاهوت الكنسي، فهذه الذات عند كانط هي “مجرد بدهية ذاتية” ( nur eine subjektive maxime). الدفتر الثالث ص 3. ومن الملفت للانتباه أن كتاب كانط المناهض للاهوت الكنسي أثار عاصفة من الاعتراض والاحتجاج، فاضطر كانط الى الاعتذار للقيصر الألماني. [للمزيد عن ذلك، انظر: فلسفة الدين والتربية عند كنت (كانط)، تأليف د. عبدالرحمن البدوي. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980].

وفي الطور الثالث، الناضج، يختفي “مسعى هيغل القديم لتأسيس ديانة شعبية لتحلّ محلّه الديانة الوحيدة، أو الأساسية عنده: الفلسفة (العقل، الفكر).

بيد أن الدين بالأحرى كل الأديان المعروفة تقريباً، لا تفقد مكانتها في منظومة هيغل، لكنها تحتفظ بهذه المكانة كحلقات تطورية ماضية، أدت دورها ومضت. ولعل وظيفتها، بمقدار ما يمكن استنباط ذلك من العرض الهيغلي، هو التهيئة للوصول إلى الفلسفة.

ومن دون الإغراق في تفاصيل هذا التطور بغناه وتعرجاته وسجالاته، أيضاً، تنبغي العودة الى القضية من زاوية هذا المبحث: الاستلاب/الاغتراب.

يمكن القول إن جوهر الاستلاب/الاغتراب في نظرة هيغل إلى الدين هو استلاب الروح، اغترابها عن ذاتها، فهي عقل، فكر، وإذا كان انفصالها عن ذاتها يجد حله في الدين في لحظة تاريخية معينة من التطور، فثمة تناقض (غربة/استلاب) ينشأ على الفور بين الدين كوعي تمثلي (بالصور والتمثلات الحسية)، وبين الفلسفة كعقل، كفكر.

وما الصراع بين الدين والفلسفة (سواء موقف الدين العدائي من الفلسفة، أم موقف الفلسفة العدائي من الدين) سوى التجلي الواضح لهذا الاستلاب/الاغتراب، الانفصال-التضاد.

يمكن القول إن جوهر الاستلاب/الاغتراب في نظرة هيغل إلى الدين هو استلاب الروح، اغترابها عن ذاتها، فهي عقل، فكر، وإذا كان انفصالها عن ذاتها يجد حله في الدين في لحظة تاريخية معينة من التطور، فثمة تناقض (غربة/استلاب) ينشأ على الفور بين الدين كوعي تمثلي (بالصور والتمثلات الحسية)، وبين الفلسفة كعقل، كفكر

ورغم أن هيغل يسعى لتأسيس وحدة جديدة، إلاّ أنها وحدة تقوم على شروط العقل (الفلسفة) وليس على شروط اللاهوت (وهو ما سنوضحه في السياق القادم).

جرت الإشارة إلى أن الدين يؤلف حلقة وسطى في تطور الروح المطلق. إنها الحلقة الرابطة بين الفن والفلسفة. من هذا المنطلق تكون الفلسفة مرحلة أعلى من الدين في حركة تطور الروح.

هنا في الفلسفة تعود الروح إلى ذاتها، متحدة ممتلئة، ضامة في جوفها كل التناقضات.

في هذا السياق للمنهج- المذهب يكون نشوء الدين ضرورة في تطور الروح، كما أن تجاوزه نحو الفلسفة يكون ضرورة هو الآخر.

من هنا إمكان القول إن الروح المطلق في مرحلة الدين ما تزال بعد في حالة اغتراب عن ذاتها، فهي فكر والفكر لا يعقل ذاته إلاّ بالفكر. أما الأديان كما يدرسها هيغل، فهي الروح في مرحلة “التمثل بالصور”.

لكن هذا التمايز عند هيغل هو اختلاف في الشكل، أما المضمون فمتماثل. إنه مضمون واحد في الدين، كما في الفلسفة. هذا المضمون هوالمطلق، الله، الحق، ثمة إذن تمايز/تماثل. أو اختلاف/وحدة.

هذا التمايز/التماثل بين الفلسفة والدين يشمل سائر الخرافات والأساطير والأديان من السحر إلى الطوطمية، ومن الأديان الوثنية الى الأديان التوحيدية، من الإغريق إلى يهوه فالثالوث، من الآلهة المجسدة المتعددة، إلى الإله الواحد المجرد. (كما أشرنا، فإن لكل الأديان مشروعيتها عند هيغل). كما أن الفلسفة تشمل سائر النظم الفلسفية الإغريقية والسكولائية، والأوربية الكلاسيكية، وصولاً إلى فلسفة هيغل نفسه.

جهة التماثل أو الوحدة

“وضعت الشعوب في الأديان ما كانت تفكر به عن العالم، عن المطلق عما هو كائن في ذاته ولذاته، عما كانوا يتصورونه العلّة، الجوهر، الجوهري في الطبيعة والروح”. ويضيف هيغل “من السخف… الظن بأن الكهنة اخترعوا الأديان لكي يخدعوا الشعوب”.

كذلك الفلسفة: “والحال للفلسفة موضوع مشابه، العقل الكلي” و”يشترك الدين والفلسفة في موضوع ما هو حق بذاته ولذاته” [هيغل، محاضرات في تاريخ الفلسفة، ص 146]، والتماثل قائم في المضمون أو الموضوع.

جهة التمايز: “ما نصادفه أولا في الدين” يقول هيغل: “هو الأسطورة، التمثل المصوَّر” [ المصدر نفسه. ص 149]. إنها “تمثلات ملموسة موسومة بالتجسيمية” [المصدر نفسه ص 85].

أما الفلسفة فهي “المعرفة التي تفكر”، إن “شكل الفلسفة هو فكر خالص” هذه هي النقطة التي تبدأ فيها بالاختلاف مع الدين”. “الفلسفة تتصرف كوعي يفكر وليس الحال كذلك بخصوص الدين” [l المصدر نفسه ص 147].

التمايز بين الاثنين هو تمايز في الشكل، “بحيث أنهما يظهران أحياناً متعارضين تمام التعرض” [المصدر نفسه ص 148].

جهة الصراع (والتصالح): يعرض هيغل للصراع بين الدين والفلسفة سواء من ناحية الدين ضد الفلسفة أم ناحية الفلسفة ضد الدين، كما يعرض لتصالحهما في العالم القديم (الإغريقي-الروماني) وفي العالم الجديد، (الأوروبي).

إن ثنائية- التضاد-التوافق، وهي نفسها ثنائية اللاهوت-العقل، أو الدين-الفلسفة، أو التمثل بالصور والوعي بالفكر، معروضة في إطار تاريخي استناداً إلى تجلي الثنائية في التاريخ الإغريقي، أولاً ثم تجليها في العالم المسيحي الأوروبي ثانياً [هذا العرض قابل للتطبيق، في شقه الأول على حضارات الشرق (الصين، الهند، مصر القديمة، حضارة وادي الرافدين) ولكنه غير قابل للتطبيق إلا بعد الكثير من التعديلات، فيما يتعلق بالدين الإسلامي والفلسفة العربية-الإسلامية. أما الشق الثاني من العرض فلا ينطبق إلاّ جزئياً، مع بعض التعديلات أيضاً. وهذا التباين ناجم عن عوامل كثيرة، لا سبيل لذكرها هنا].

في طفولة البشرية، تنشأ داخل التمثّلات الصورية (الأسطورة، الدين الشعبي) بدايات الفكر، أي أن النظر الفلسفي ينشأ من قلب الأساطير والخرافات، التي هي الشكل الأول الذي يعي به الإنسان العالم.

ومع تبلور وترسخ عناصر الفكر فإنها تنفصل عن الأسطورة لتتبلور على صورة فلسفة. إنها فكر خالص، يقف في تضاد عدائي من التمثل الصوري (الدين).

بعد الانفصال والعداء تعود الفلسفة للالتحام بالدين في العالم القديم مثال: الأفلاطونية الجديدة والتحامها بالمسيحية الأولى.

في التاريخ الأوروبي يحاصر اللاهوت المسيحي الفلسفة، داخل جدرانه بشكل واعٍ مثلما فعلت الأسطورة الإغريقية بشكل لاواعٍ. وما أن تقوى أجنحة الفكر الفلسفي حتى يحلق بعيداً عن اللاهوت وينطلق العداء بين الاثنين.

هنا يدعو هيغل إلى الالتحام من جديد بين الاثنين.

ثنائية- التضاد-التوافق، وهي نفسها ثنائية اللاهوت-العقل، أو الدين-الفلسفة، أو التمثل بالصور والوعي بالفكر، معروضة في إطار تاريخي استناداً إلى تجلي الثنائية في التاريخ الإغريقي، أولاً ثم تجليها في العالم المسيحي الأوروبي ثانياً [هذا العرض قابل للتطبيق، في شقه الأول على حضارات الشرق (الصين، الهند، مصر القديمة، حضارة وادي الرافدين)

هذا هو المسار الذي يعرضه هيغل في “محاضرات في تاريخ الفلسفة” و”محاضرات في فلسفة التاريخ”.

إن الكثير من مؤرخي الفلسفة ومنظريها، استناداً إلى المعطيات التجريبية، يتفقون على أن عناصر النظر الفلسفي الإغريقي، نشأت من داخل الأديان الأسطورية، وبتحلل هذا الشكل الأسطوري، أو انفصال عناصر النظر العقلي عن الأسطورة، اكتسبت الأفكار وجودها المستقل وبذا بزغ فجر العقل.

إن التضاد بين الفلسفة والأديان الأسطورية حقيقة واقعة، بل إن تطور الفلسفة جعل النظر الميتافيزيقي (هنا: الديني) جناحاً صغيراً من الفلسفة التي غطّت كل العلوم، الكوزمولوجيا (فيزياء الكون) الفيزياء (الطبيعة)، المجتمع (أخلاق، سياسة)، الميتافيزيقيا، المنطق… الخ، وبذا يمكن القول إن الفلسفة القديمة احتوت الدين في جوفها كعنصر من عناصرها هي وأضفت عليه طابعاً معقلناً، مثال ذلك: تحديد أرسطو للذات الإلهية على أنها المحرّك الأول وصورة الصور، هجوم أكسينوفان (زينوفان)على تمثلات الدين الشعبي، اتهام سقراط بإدخال آلهة جديدة، وقوف أفلاطون ضد آلهة هوميروس وهزيود ودعوته إلى محو تواريخهما من باب التربية في جمهوريته وهجوم أبيقور على آلهة الجمهور (قولته الشهيرة: لست ضد آلهة الجمهور، بل ضد فكرة الجمهور عن الآلهة) [يتحدث أنجلز في تقريضه لانجازات برونو باور في مجال دراساته عن أصول المسيحية، وبخاصة تأثر نصوص الإنجيل بنصوص سينيكا، وآراء فيلون اليهودي، اعتمادا على مقارنات تناص موثقة، ويفيد أن "فيلون اليهودي أبو المسيحية، سينيكا عمها"]. انظر( Mrx، Engels، On Religion، op. cit.، pp. 196and 207).

أخيراً في العالم القديم تبدأ الحركة نحو الوحدة، إن اتحاد الفلسفة مع الدين لم يبدأ عملياً إلا مع الرواقية والأفلاطونية الجديدة، ونذكر بهذا الخصوص إشارة فيورباخ إلى أن المسيحية هي نتاج اجتماع الفلسفة الإغريقية واليهودية آو قولة فريدريك أنجلز في تقريضه لبرونو باور (حول المسيحية البدائية) إلى أن فيلون اليهودي وسينيكا الرواقي هما أبو المسيحية وعمها، على التوالي [يتناول فيورباخ في ماهية الدين انتقال التصور الديني من المحلية الضيقة إلى التوحيد، بوصفه، من نواح معينة، انتقالا من البيئة المحلية إلى العالمية، وتحول الإدراك من الوعي بالذاتية المغلقة للأقوام والقبائل إلى الوعي بشمولية الجنس البشري، وحدة العقل البشري. الفقرتان 42-43].

ويمكن أن نضيف هنا، في مناسبة السياق، أن فكرة التوحيد الإلهي، وهي حسب مؤرخي الفلسفة حركة تجريد الآلهة القبلية والقومية، وحركة تجريد سائر ظواهر الطبيعة والمجتمع وإرجاعها إلى جوهر واحد والتي أدت إلى بلورة فكرة الخالق الكوني الواحد، إنما تحققت على يد حضارات عديدة: البابلية، المصرية (أخناتون-فرويد: موسى والتوحيد) [(Sigmund Freud، Moses and Monotheism،(1937) Harmakis Edizioni). (فرويد: موسى والتوحيد، ت جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، (1973) 1986)]، الهندية، الفلسطينية القديمة، كما ساهمت في صياغاتها النهائية الفلسفة الإغريقية والإغريقية-الرومانية. هذه الحركة يلخصها هيغل بالاقتضاب التالي “الفكر يتجلى في الدين أولاً”.. ولا يكون بالتالي فكراً حراً… ثم يتعزز… يدرك نفسه ويأخذ من شكل الدين موقفاً معادياً… ثالثاً يتعرف إلى نفسه أيضاً في هذا الشكل” [هيغل، محاضرات في تاريخ الفلسفة، مرجع سبق ذكره، ص 165]. مثل هذه المرحلة تثير الشغف الثلاثي الهيغلي ولا ريب: تعايش أولاً، انفصال وتضاد ثانياً، وحدة صميمة ثالثاً.

بعد توديع العالم القديم، أي التشكيلات التاريخية في صورتها الإغريقية-الرومانية، وانطلاق العالم الجرماني الإقطاعي المقدس، حلَّ اللاهوت محلَّ الفلسفة. إن الفلسفة في هذه الحقبة، حاضرة، ولكنها حبيسة، مقيدة، تحت سطوة آباء الكنيسة [المصدر نفسه، ص 165].

ويتتبّع هيغل هذه الحركة الجديدة للتعارض “الفكر أولاً تابع غير حرّ”، إنه مرتبط “بشكل الدين”. لكن التعارض يظهر لاحقاً. ويحتفي هيغل بانطلاق الفلسفة احتفاء العاشق:

“انطلق نسر العقل الشاب كأنه عصفور مغارد، انطلق بذاته نحو شمس الحقيقة وحارب الدين” [المصدر نفسه ص 166]. (تحديداً الكنيسة المسيحية الغربية).

ويهاجم هيغل عداء الدين الكنسي للفلسفة: “الدين يطلب أن يتخلى الإنسان عن الفلسفة، عن الفكر، عن العقل، لأن التعاطي لهذا النشاط ما هو إلاّ حكمة بشرية” [المصدر نفسه، ص 150].

وبما أن العقل البشري هو “سفسفة” في نظر اللاهوت الكنسي بمواجهة العقل الإلهي، فإن هيغل يصرخ “هذا المفهوم باطل”؛ ويضيف أن اللاهوتيين يضعون منجزات الله في الطبيعة للتقليل من شأن العقل، في حين أن العقل أبرز ما في الطبيعة، “الروح، العقل أرفع من الطبيعة”. ويسبغ هيغل على العقل البشري طابعاً إلهياً، وعلى العقل الإلهي طابعاً بشرياً، وباختصار فكلاهما “الروح الإلهي والروح البشري يشتركان في الروح الكلي، المطلق” [المصدر نفسه، ص 153].

إن هيغل يحطم كلّ الأسس التي تستخف بالعقل البشري، بل إنه يضع اللاهوت تحت رحمة العقل: الفلسفة أعلى من الدين لأنها “فكر فاهم لهذا المضمون تمتاز عن التصور الديني بإدراكها الجانبين لأنها تدرك الدين وتنصفه، وهي تفهم العقلانية وما فوق الطبيعة، وهي تدرك ذاتها بذاتها أخيراً” [هيغل المصدر نفسه، ص 167]. وعليه “لا نظلم الفلسفة عندما تتهم بتعارضها مع الدين”. الفلسفة تتضمن الدين، لكن “الدين لا يتضمن الفلسفة”.

أخيراً “الفلسفة لا تمنح موافقتها إلاّ للشيء الذي وعاه الفكر” [نفسه، ص 168].

لوحة: بطرس المعري

مع هذا يدعو هيغل إلى السلام بين الاثنين. هناك عدة بدائل، البديل الأول هو الانفصال بسلام، وأن يأخذ كل طريقه. والبديل الثاني هو السلام بإلحاق العقل بالإيمان. هيغل يرفض ذلك ويستذكر إحراق الكنيسة الكاثوليكية للهراطقة فيعلن “أن الفكر عندما يستيقظ لا يمكنه التخلي عن الحرية” [نفسه، ص 171]. البديل الوحيد للسلام هو عند هيغل خضوع الإيمان للعقل، لأن العقل لا يمكنه السماح بشيء آخر إلى جانبه أو فوقه” [نفسه، ص 177]. (التشديد مني).

في خاتمة هذا العرض يمكن تكرار بعض التوكيدات الأساسية: ثنوية هيغل الصوفية-العقلية، اغتراب الروح عن ذاتها في الدين، تجاوز الاغتراب في الفلسفة. وإن نزعة التصالح بين الدين والفلسفة، هي ما دفع الجيل اللاحق، جيل الهيغليين اليساريين، وبخاصة فيورباخ وماركس، إلى تمزيق جبّة اللاهوت الهيغلي إرباً.

الفلسفة والدين: نقد الكلاسيكيين الألمان للدين، الدفتر الثالث.

تفكيك الاستلاب اللاهوتي

مع هيغل بدأت الثورة الفلسفية الألمانية ولم تنته، فهي ثورة في الفكر بموازاة الثورة الإنكليزية في الاقتصاد والتكنولوجيا، والثورة الفرنسية في السياسة والعمل الثوري.

لكن “الثورة الهيغلية” نفسها انقسمت إلى اتجاهات متعارضة، بفعل ما تحتويه من نقائض وما تسعى إليه من مصالحات.

المواقف الهيغلية بإزاء الفلسفة، تمجيدها للفلسفة، للعقل، للفكر، ونقدها للاّهوت الكنسي ثم الدعوة إلى المصالحة بينهما، ومنهجها الديالكتيكي الذي لا يرى سوى انشطار الظاهرات وتناقضها وتحولها بفعل قوة السلب الكامنة في هذا التناقض ما يجعل التغيير المتصل سمة التطور التاريخي في الأفكار والمجتمعات كما في الدول والمؤسسات، ويعتبر حركة التاريخ حركة متصلة نحو الحرية، وأيضا اعتبار الماهية البشرية نتاج العمل البشري الواعي، أعطت شأنها شأن بقية أجزاء فلسفته، دفعة لعدة تيارات:

1- تيار لاهوتي محافظ، منغلق ينبذ النقد الهيغلي للاهوت ويتمسك بالقديم.

2- تيار يميني يرى فلسفة هيغل بمثابة تمجيد للدولة البروسية والوضع القائم للكنيسة.

3- تيار راديكالي يرى وجوب استكمال النقد الهيغلي ونقله إلى ميدان الدين والسياسة، أي نقد الدين والسياسة من منظور العقل، أي الفلسفة، ومواصلة مسيرة العقل في التاريخ، الحركة نحو الحرية، وبالتالي لتجاوز الوضع القائم.

التيار الأخير قاد ثورة ألمانيا الفلسفية من بعد هيغل، تيار الهيغليين الشباب، أو اليسار الهيغلي، في اتجاه نقد اللاهوت (شتراوس وباور)، أو نقد اللاهوت ونقد مذهب هيغل المثالي نحو عقلانية مادية حسية-طبيعية (فيورباخ).

أبرز وجوه هذا التيار:

لودفيغ فويرباخ ( 1804-1872)، برونو باور (1809-1882)، ديفيد شتراوس ( 1808-1874 )، ماكس شتيرنر (1806-1856) وآرنولد روغه (1802-1880) [Real Name: Johann Kaspar Schmidt].

لعل القائد الأبرز هو برونو باور. وكان الجميع مدفوعا بمُثُل الثورة الفرنسية والجانب الراديكالي من فلسفة هيغل. وقد رأى بعضهم في نقد اللاهوت ضرورة فكرية في رحلة المنطق الهيغلية، وانتهى بهم الأمر إلى نقد مزدوج: نقد الهيغلية ونقد اللاهوت.

فيورباخ قدم كتابه الأرأس: ماهية المسيحية (1841):، ثم محاضرات في ماهية الدين، (1845) فتحول إلى فيلسوف الأديان بلا منازع بل هادم اللاهوت المسيحي والكنيسة المسيحية [،Das Wesen des ChrsitintumThe Essence of Christianity].

برونو باور، الفيلسوف والمؤرخ أسهم بكتبه في نقد اللاهوت من مواقع العقلانية الهيغلية: من ذلك: عرض نقدي لدين العهد القديم (1835) واختتم حياته الفكرية قبيل وفاته بكتاب: المسيح والقيصر-منابع الفكر المسيحي من الفكر الروماني-الهيليني (1877)

Christus und die Cäsaren Der Ursprung des Christentums

aus dem römischen Griechenthum

ديفيد شتراوس قدم كتابه: حياة يسوع of Jesus LifeThe (1835).

اتحاد الفلسفة مع الدين لم يبدأ عملياً إلا مع الرواقية والأفلاطونية الجديدة، ونذكر بهذا الخصوص إشارة فيورباخ إلى أن المسيحية هي نتاج اجتماع الفلسفة الإغريقية واليهودية آو قولة فريدريك أنجلز في تقريضه لبرونو باور (حول المسيحية البدائية) إلى أن فيلون اليهودي وسينيكا الرواقي هما أبو المسيحية وعمها

لعل شتيرنر هو الاستثناء الوحيد، إذ اتجه نحو فلسفة الأنا الفردية والليبرالية السياسية، في كتابه: الأوحد وملكيته Eigentum Einzige und seine Der (نشر مؤخرا من دار الجمل-بيروت)، [ Max Stirner، Der Einzige und Sein Eigentum]. وكانت مساهمته في نقد اللاهوت هي انتقاده فيورباخ على “ضعف موقفه الإنكاري”، كان يريد المزيد من المجابهة مع اللاهوت.

أما آرنولد روغه (Arnold Ruge) فلم يكن له دور فلسفي وما كان مؤهلا لذلك، إلا أنه قام بدور هام في تأسيس منابر للنشر، والمساهمة الصحفية والسياسية في النشاط، ثم توارى عن الأنظار من دون أثر.

يجري عادة ضم كارل ماركس وفريدريك أنجلز إلى مجموعة الهيغليين الشباب (أيضا: اليسار الهيغلي) رغم أنهم كانوا يسمون أنفسهم: الاحرار (Freien Die). لقد كان ماركس وأنجلز يافعين جدا بالنسبة إلى الباقين، وكانا في البداية أقرب للأتباع منهما إلى مؤسسين فاعلين. بالفعل كان فيورباخ في القمة بكتبه وصيته وعمره، فهو نال الدكتوراه عام 1828، وبعد عقد (1839) نشر نقده المهلك لمذهب هيغل: Zur Kritik der Hegleschen Philosophie (A Contribution to the Criticque of the Hegelian Philosophy) الذي حرر الشباب الهيغلي من “سحر” هيغل. كما أن باور، مثلا، أخذ ماركس الشاب تحت جناحه. وقد فقد أغلب هؤلاء مراكزهم في الجامعات، وعاش معظمهم في عوز، وبالأخص فيورباخ، ومن ثم لاحقا ماركس.

ما جمع الكل هو كراهية استبداد الدولة البروسية، وسطوة اللاهوت. عدا عن ذلك مزقوا بعضهم بعضا نقدا وأحيانا كراهية شخصية [يكفي أن نذكر كتاب العائلة المقدسة الذي كتبه ماركس وأنجلز سوية ولم يُنشر في حياتهما. النقد فيه حاد وأحيانا طفولي، ساخر، جامح. لعل كتابهما اللاحق: الأيديولوجيا الألمانية أكثر نضجا لجهة نقد الوعي الهيغلي وتصفية الحساب معه].

كان كارل ماركس أصغر من أن يلعب أيّ دور في أعوام 1835-1841 فهو لم ينجز أطروحته الجامعية في الفلسفة الموسومة “الفرق بين فلسفة الطبيعة عند ديموقريطس وأبيقور” إلا عام 1841 [Marx، The Difference between the Democritean and Epicurean Philosophy of Nature]، ولم يدشن كتابه الجاد الأول “نقد فلسفة الحق عند هيغل” [Marx، Critique of Hegel’s Philosophy of Right، op.cit] إلا من بعد أطروحته بثلاثة أعوام. والواقع أن مقدمته لهذا النص تلخص كامل إنجاز اليسار الهيغلي في هذه المرحلة، فهو يقول في مفتتح كتابه بل في الأسطر الأولى “لقد أُنجز نقد الدين في ألمانيا” أُنجز! على يد فيورباخ وبرونو باور (راعي ماركس) وشتراوس. وإنجاز نقد الدين لم يكن منفصلا عن نقد ما أٌسمي “اللاهوت العقلاني” عند هيغل، الذي كانت مثاليته الفلسفية تتعارض في نظر النقاد الشباب مع الديالكتيك النقدي، وفكرة التجاوز، مثلما أن صوفيته الميتافيزيقية تناقض المادة التجريبية، الواقعية، التي يعالجها. وكان فيورباخ أول من أشار إلى هذه الحقيقة، بطرق شتى، منها قوله إن فلسفة هيغل تنشطر إلى “مذهب محافظ” و”مضمون علمي”. انتقد فيورباخ المنهج المثالي في فلسفة هيغل الذي يبدأ بالفكرة وينتهي بالفكرة المطلقة، أو ديالكتيكه الغارق في الاختلاف والناسي للتماثل، أو في الانقطاع دون الاستمرار.

بعد عقود سيقول ماركس إن ديالكتيك هيغل يقف على رأسه (مثالي) ويجب إيقافه على قدميه (يقف على أرضية الواقع الفعلي). وبعده سيأتي أنجلز ليقول إن فلسفة هيغل تنقسم إلى مذهب محافظ و”منهج ديالكتيكي” ثوري، وإن كل من ركّز على المنهج أمكن انتماؤه إلى أقصى المعارضة في السياسة، كما في الدين، وإن كل من ركّز على المذهب كان محافظا أيضاً في السياسة كما في الدين [ماركس، حول الدينOn Religionالطبعة الإنكليزية، موسكو، دار التقدم، ص 222].

المواقف الهيغلية بإزاء الفلسفة، تمجيدها للفلسفة، للعقل، للفكر، ونقدها للاّهوت الكنسي ثم الدعوة إلى المصالحة بينهما، ومنهجها الديالكتيكي الذي لا يرى سوى انشطار الظاهرات وتناقضها وتحولها بفعل قوة السلب الكامنة في هذا التناقض ما يجعل التغيير المتصل سمة التطور التاريخي في الأفكار والمجتمعات كما في الدول والمؤسسات

إن الاغتراب/الاستلاب الديني كما صوّره هيغل أرسى الأساس لاستكمال حركة التنوير الألماني في نقد اللاهوت على يد اليسار الهيغلي. وكان هذا النقد عندهم ضروريا لاستكمال فلسفة هيغل لتحطيم الأساس اللاهوتي للدولة البروسية الاستبدادية، تحطيم الاستلاب السياسي المرتكز على الاستلاب اللاهوتي. لكن هذا الجيل انقسم بين زمرة لا تريد أقل من رأس اللاهوت المحافظ، وأخرى لا تريد اقل من رأس الاستبداد اللاهوتي-السياسي.

استلاب الجوهر الإنساني

حياة فيورباخ تفسر فلسفته مثلما أن فلسفته تفسر حياته. في البدء كان طالب لاهوت، ثم شغف بهيغل وبقي مستمعا لمحاضرات الأستاذ لعامين. ويوم نال الدكتوراه (1828) أرسل نسخة من أطروحته إلى هيغل مشفوعة برسالة تلميذ صغير متلعثم أمام هيبة عملاق فكري. فهو ينتقد أطروحته ونواقصها بل يقلّل من قيمتها فيما هو يكيل المدائح لأستاذه. وأطروحته تنبئ بمساره اللاحق: طالب لاهوت إرضاء للأب، وفيلسوف لاهوت معقلن تأثراً بأستاذه هيغل. عنوان الأطروحة وحده يكفي لقول كل ذلك: لا تناهي العقل ووحدته وكليته (The Infinity، Unity، and Universality of Reason).

رغم أن الأطروحة تمجيد هيغلي للعقل إلا أن الرسالة الموجهة من التلميذ إلى الأستاذ لم تلق جوابا. العمل التالي لفيورباخ استكمال للموضوع، فهو تأمل عقلي في قضايا الموت والخلود: أفكار حول الموت والخلود (Gedenken uber Tod und Unsterblichkeit 1830).

هناك كتابات أخرى: تاريخ الفلسفة الحديثة بمجلدين (1833-1837). ثم يأتي التمهيد الأكبر: الفلسفة والمسيحية (1839) (Philosophie und Christentum).

جريا على التقليد الهيغلي يضع فيورباخ الفلسفة فوق كل شيء، إلا أن العقلانية الفيورباخية تنسلخ بالتدريج عن الفكر التأملي عند هيغل. ففي العام نفسه يوجه فيورباخ سياط نقده لأستاذه القديم في مقالته: مساهمة في نقد الفلسفة الهيغلية، مما سبقت الإشارة إليه. وقد نشرت المقالة في حوليات أرنولد روغه. للعلم أن نقد فيورباخ ثنوي: إقرار بالمحتوى العلمي وتفكيك للمذهب المثالي، التأملي. وقد سبق لفيورباخ أن دافع عن هيغل بوجه النقاد المنغلقين على اللاهوت القديم في مبحثه الموسوم: نقد خصوم هيغل (Kritik des Anti-Hegels 1835)

يعارض فيورباخ مذهب هيغل المثالي الذي يمضي في مسار دائري مغلق نهايته، الفكرة أو الروح، ماثلة في مبتداه، وبدايته في منتهاه. وإنه يبدأ بلحظة إيجاب، ثم ينتقل إلى لحظة سلب، ثم ينتهي إلى لحظة إيجاب.، يبدأ وينتهي بالروح، أما بين الحركتين فثمة النشاط البشري الواعي، ومنتجاته، الفكرية والمادية، فهي المضمون العلمي، المضمون الملموس الذي يتوجب إنقاذه من براثن اللاهوت الهيغلي، من المثالية المغلقة الدائرة على نفسها.

هذا النقد حرر فيورباخ من النزعة التأملية والمثالية، ومهّد لإنجازه الكبير، كتاب: ماهية المسيحية.

حظي كتاب “ماهية المسيحية” بقدر كبير من الاستقبال الحافل وسيل النقد المضاد. يرسم فيورباخ في مقدمة الطبعة الثانية (1843) الأسس المعرفية (الإبستيمولوجية) لفلسفته بكثافة دقيقة، كما يحدد منهج دراسته للمسيحية واختلافه عن مقاربات مجايليه [Ludwig Feuerbach، The Essence of Christianity، translated from the second German edition by Marian Evans، 1845 Preface pp. i-xvii. وإن عرض المنهج هو في الوقت نفسه جزء من نقده لهيغل].

مبتغى البحث، يقول فيورباخ، أن “أترجم الدين المسيحي من لغة البيان (الصور) الشرقية إلى اللغة العادية”. ويقول إن القضايا التي ينطلق منها ليست مقدمات قبلية، ولا تأملات متخيلة، بل نتاج تحليل للدين، من حيث هو تعميمات للتجليات المعروفة في ماهية الإنسان “أنا ضد التأمل المطلق…التأمل اللامادي، المكتفي لذاته بذاته”.

الفكر عند فيورباخ يحتاج إلى الحواس، وبخاصة البصر، لكيما يؤسس أفكاره على مواد لا يمكن الإمساك بها إلا عن طريق الحواس. وهذه نقطة افتراق أساسية عن هيغل وعن الفلسفة التأملية بعامة. “إنني لا أشتق الشيء object من الفكر، بل الفكر من الشيء… وأعتبر الشيء وحده شيئا له وجود خارج عقل الإنسان”.

ويؤكد “أنا فيلسوف طبيعي يشتغل في ميدان العقل (الروح)… فلسفتي لا تعتمد مبدأ الجوهر عند سبينوزا، ولا الأنا عند كانط أو فيخته، ولا الهوية المطلقة عند شيلنغ، ولا الروح المطلق عند هيغل…باختصار فلسفتي لا تعتمد على كائن مجرد، محض تصوري، بل كائن فعلي، كائن حقيقي فعلا”.

مفهوم فيورباخ العام عن الدين أنه تقديس وعبادة الماهية البشرية، التي انسلخت عن حاملها واكتست كفكرة وجوداً خارجياً صار موضع تقديس وعبادة [بعد سبعين عاما او يزيد سيطلع اميل دوركهايم على العالم بفكرة ان الجماعات انما تعبد نفسها في الاديان البدائية. انظر: Emile Durkheim، The Elementary Forms of Religious Life، 1912].

ويعمل فيورباخ على إرجاع هذه الصيرورة إلى مسارها الأولي، إلى منطلقها. وهو ما يني يكرر أن اللاهوت أي علم الإلهيات هو الأنثروبولوجيا أي علم الإنسان (أو اللاهوت = الناسوت). ويلخص مضمون مجلده على النحو التالي: في الجزء الأول أسعى لبرهان أن اللاهوت هو الأنثروبولوجيا، وفي الجزء الثاني أسعى لبرهان أن التفريق المزعوم بين محمولات اللاهوت (الصفات الإلهية) ومحمولات الماهية البشرية (صفات البشر) ينحل إلى سخف منطقي (لا معقول Absurd). “الدين حلم العقل البشري” لكن حتى في الأحلام لا نرى سوى أشياء حقيقية لها وجود على الأرض. ويوضح مراراً أنه ليس معنياً بصدق المعجزات أو الأحداث اللاهوتية وذلك بخلاف المؤرخين والنقاد التاريخيين ممن هاجموا المسيحية، ويشمل ذلك شتراوس وبرونو باور تحديداً. ويقول فيورباخ هنا “أما بخصوص شتراوس وبرونو باور، اللذين يرد اسمي اقترانا بهما باستمرار، فينبغي أن أشير إلى أن التمايز بين عملي وأعمالهما يتجلى بوضوح كاف في الموضوع نفسه الذي يتضح من العنوان نفسه، فمثلا أن باور يتخّذ من نقد التاريخ الإنجيلي موضوعاً، أي المسيحية كما ترد في المتون الإنجيلية، أو كما ترد في اللاهوت الإنجيلي، أما شتراوس فيصبّ نقده على العقيدة المسيحية وحياة يسوع، أما أنا فأتناول الدين المسيحي بعامة، أي الفلسفة المسيحية أو اللاهوت المسيحي”. ويضيف “موضوعي هو الدين” [سبق أن أشرنا إلى أعمال شتراوس (حياة يسوع 1835) ونزعها الطابع الأسطوري عن حياة يسوع ومعارضتها للمعجزات، ثم أعمال برونو باور (عرض نقدي لدين العهد القديم -1838) ونقده لقصص الكتاب المقدس.

وإنجاز نقد الدين لم يكن منفصلا عن نقد ما أٌسمي “اللاهوت العقلاني” عند هيغل، الذي كانت مثاليته الفلسفية تتعارض في نظر النقاد الشباب مع الديالكتيك النقدي، وفكرة التجاوز، مثلما أن صوفيته الميتافيزيقية تناقض المادة التجريبية، الواقعية، التي يعالجها. وكان فيورباخ أول من أشار إلى هذه الحقيقة، بطرق شتى

نظرية فيورباخ تقوم برمتها على فكرة أو مقولة الاستلاب، استلاب الماهية (Wesen) أو الجوهر الأوسع (anzSubs) استلاب ماهية الإنسان من الإنسان وإحالة الماهية المنتزعة إلى كائن متعال لتودع فيه، فيغدو موضع التقديس والعبادة. وعليه فإن معالجاته الفلسفية “سلبية، هادمة لكل ما هو غير-إنساني” [ غير-إنساني بمعنى أيّ محمولات أو ماهيات تنسب إلى كائن أو كائنات مغايرة بخلاف البشر]، في اللاهوت، لكن المعالجات “ايجابية، بانية” لجهة إظهار ما وضعته الماهية البشرية من محمولاتها في المقدس وإرجاع هذه المحمولات إلى أصلها البشري. فالشيء الوحيد الذي يعترف به فيورباخ هو الوعي البشري، وإن هذا الوعي يعتمد على الوجود المادي للبشر كجزء من الطبيعة. إنها فلسفة الإنسان بحق.

ونكرر هنا أن الكلام عن الدين يدور على المسيحية كنموذج للدين التوحيدي، وهو يحللها في صورتها البروتستانتية. أما الأديان البدائية فإنه يحيلها إلى عبادة الطبيعة الحامية، في تطوير لاحق لفلسفته الطبيعية-الحسية. وهو ما سنتناوله لاحقا.

انقلاب الحامل والمحمول

يبدأ فيورباخ في “ماهية المسيحية”، بالإنسان الفرد-الجنس، الإنسان المفرد من حيث التعبير عنه باللغة، وعموم الجنس البشري من حيث القصد، فهو يقول في مدخل كتابه، من الأسطر الأولى، إن أساس الدين يقوم في الفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان (البهيمة) [استباقا لما سيأتي نقول إن فيورباخ يتناول الإنسان الفرد-الإنسان الجنس، ثم يتناول علاقة الرجل-المرأة (الحب)، فالأسرة (الابن)، كما يشير إلى الجماعة القومية. لذا فإن اتهامه بأن نظرته تغفل الانقسام الجندري أو البنى الاجتماعية وأنها أنثروبولوجيا ضيقة غير مسوغ أبدا. انظر- أنجلز: لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية].

والفرق بين الاثنين هو الوعي الذاتي لماهيته (جوهره الأعم) ولنفسه كفرد من الجنس البشري والطبيعة، واتخاذ الجنس البشري والطبيعة موضوعاً للفكر. الإنسان له عالمان: جواني وبراني. عالمه الجواني يتعلق بجنسه البشري، بماهيته العامة المختلفة عن ماهيته الفردية. الإنسان يفكر أي يتحاور مع نفسه. فالإنسان هو في آن واحد الأنا والأنت.

ولما كان الدين يتماهى مع الخصائص المميزة للإنسان، فانه يتماهى مع الوعي الذاتي، مع وعي الإنسان بماهيته. لكن ما هي ماهية الإنسان التي يعيها؟

إنها العقل(الفكر)، الإرادة، العاطفة (الحب). ليست هذه قوى يمتلكها الإنسان بل هي ماهيته، فهو لا شيء بدونها. وهي قائمة بذاتها أي هي غاية نفسها. فغاية العقل هي العقل، وغاية الحب هي الحب، وغاية الإرادة الحرية. هناك موضوع خارجي للعقل والعاطفة والإرادة. لكن هذه المواضيع، سواء كانت روحية أم حسية، إنما تتحول إلى تجليات لماهية الإنسان، وإن “سلطة المواضيع على الإنسان إنما هي سلطة ماهيته هو عليه، فسلطة موضوع الإحساس إنما هي سلطة الإحساس، وسلطة موضوع الفكر إنما هي سلطة الفكر، وسلطة موضوع الإرادة إنما هي سلطة الإرادة” (ص 5).

لكن كيف تولد فكرة اللامتناهي، المطلق، من الوعي الذاتي بماهية الفرد-الجنس البشري كعقل وعاطفة؟ إنها اللحظة التأسيسية. الوعي هو التحقق من الذات، توكيد الذات، وحبّ الذات. والوعي هو وعي بنقص الفرد البشري، المتناهي كفرد، واللامتناهي كجنس، فالفرد محدود المعرفة بإزاء كلي المعرفة الذي هو الجنس البشري بكليته، فالنقص والتناهي عند الفرد إنما ينجم عن كمال الجنس البشري، ولكن سرعان ما يودع نقص الفرد في عموم الجنس البشري، ثم يودع كمال الجنس البشري في كائن خارجه، في المقدس. ويتحول التنوع اللامتناهي عند الجنس البشري إلى كمال وامتلاء محمولات (صفات) المقدس. لكن هذه المحمولات الكاملة، الممتلئة بكمالها، ليست من الواقع بشيء، فهي محض خيال، سوى وهم.

الدين أقدم معرفة غير مباشرة للإنسان بماهيته، فماهية الدين هي الماهية البشرية المخفية عن نفسها، ومهمة المفكر إجلاء ذلك. (ص13). فالدين (أو المسيحية) هو علاقة الإنسان بذاته، أو بوجه أدق، علاقته بماهيته لكنها ماهية مستلبة، انفصلت عنه ووقفت بإزائه (ص 14).

إذا كان اللاهوت هو انسلاب الإنسان عن ذاته، فانه يواجه الميتافيزيقي كنقيض للبشري. الإنسان ليس الله، والله ليس الإنسان. الأول كائن لامتناه، الثاني متناه، الأول كامل، الثاني ناقص، الأول كلّي الجبروت، الثاني ضعيف، الأول سرمدي، الثاني زائل، الأول مقدس، الثاني مدنس. ها هما قطبان متضادان: الأول إيجاب مطلق، الثاني سلب مطلق. لكن في هذا اللاهوت إنما يتأمل الإنسان ماهيته المستلبة، وينبغي تبيان أن التضاد إنما ينبع من فصل الإنسان عن ماهيته هو. (ص 32-33).

ما ينجم عن استلاب الماهية البشرية في علمها ولا تناهيها بإيداعها في الكائن الميتافيزيقي، هو ضياع ماهية الإنسان. هنا يتنامى ثراء المقدس على حساب إفقار ماهية الإنسان، فكلما زاد هذا علماً زاد ذاك جهلاً، وكلما نما هذا جبروتاً نما ذلك هزالاً وضعفاً، وكلما صار هذا كل شيء انتهى ذاك إلى لا شيء، حتى نكاد نصل درجة الامّحاء.(ص 25). وإذ يعكس الإنسان ماهيته في صورة خارجية، ثم يجعل من نفسه شيئا، موضوعا تابعاً لهذه الصورة الخارجية، فإنه يقلب نفسه إلى شيء، ويقلب الصورة إلى ذات، إنه انقلاب الذات إلى موضوع، والموضوع إلى ذات. (ص 29). وبهذا الانقلاب للذات والموضوع تنقلب محمولات الذات البشرية، من وعي وإرادة وعاطفة، إلى محمولات مفارقة، فيغدو الكائن المقدس شخصا، عالما، مشرّعا، حامي الأخلاق والخير، عادلا، رحيما، غفورا.

فصول من كتاب يصدر قريبا عن دار الفارابي بيروت.


كاتب من العراق