هبوطاً إلى دير الزور

الجديد  عواد علي [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(116)]

لوحة: حسام بلان
منذ نصف قرن وأنا أحتفظ بمجموعة أشرطة سمعية سجّلت عليها مذكرات أمي بصوتها. حافظت عليها مع مسجّلي الأثير “فيليبس″ بحرص شديد، بل مبالغ فيه، كما لو أنها جواهر ثمينة.

كنت أعيد الأشرطة على مسامعها كل عام في الرابع والعشرين من نيسان، ذكرى الجريمة الكبرى التي نفذها الطورانيون ضد الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، فتطأطئ رأسها وتبسط راحتيها على المسجّل، وتصدر من بين شفتيها المطبقتين أنيناً ضعيفاً كنأمة ظبية جريحة، فيما تغرورق عيناها بالدموع.

حين شرعتُ في تسجيل تلك المذكرات كانت في الخامسة والستين من عمرها. وما إن انتهيت منها في غضون أسبوعين حتى أخذت أفرغها على الورق. اكتشفت وقتها أنها، بالرغم من ثقل المأساة التي عاشتها، ذات ذاكرة حيّة لا تفوتها شاردة ولا واردة، ما أغراني بتحويلها إلى رواية. كنت مفتوناً بهذا الفن، مهووساً بأن أخوض مغامرته المهيبة، بعدما قرأت لعشرات الروائيين الكبار، واقتنعت بأنني أستطيع، شأني شأن من سبقوني، ركوب الموجة حتى لو على متن قارب بدائي. وآثرت أن أترك لأمّي مهمة سرد أحداث الرواية على لسانها هي، كما عاشتها ومن منظورها الشخصي، دون أن أتدخل فيها لا من قريب ولا من بعيد.

***

كنا ثلاثة على ظهر حمار أشهب، يقوده أبي ممسكاً برسنه، في قافلة المبعدين: أنا لوسين الصبية ابنة الثانية عشرة في المؤخرة، وأخي آرتين الذي يكبرني بعامين في المقدمة، وأختي الصغيرة تاكوهي ذات الأعوام الثمانية في الوسط. لم يكن وزننا يزيد عن قدرة الحمار على التحمّل، ففي وقت السفر برلك كانت أبداننا هزيلةً لا يتعدّى وزنها، مجتمعةً، ثلث وزن الحمار بسبب صعوبة الحصول على المواد الغذائية (بعد بضع سنين علمت أن قلة تلك المواد آنذاك لم يكن سببها عجز في الإنتاج الزراعي، بل لأن الألمان كانوا يضعون أيديهم عليها، ويشحنونها إلى بلادهم من غير أن يكترثوا لنا نحن الجياع في الأناضول).

كان المبعدون في القافلة، التي تمتدّ آلاف الأميال، يدبّون على أقدامهم كدبيب النمل، يسوقهم مئات الجندرمة (الدرك) المسلحين بالبنادق والهراوات والسياط، عدا قلة من المحظوظين، الذين يمتلكون حميراً أو بغالاً أو أكاديش، فقد أوكلوا لها مهمة حمل أطفالهم وبعض القوت والأفرشة. وكان يستحيل علينا، نحن المحشورين إلى منتصف القافلة، رؤية رأسها أو ذيلها إلاّ عندما يصعد الطريق إلى التلال أو ينحدر إلى الوهاد. حينئذ تبدو كأنها الثعبان الهائل، الذي يهاجم قارب الشمس لمنعه من الإبحار إلى الأفق، كما تقول الأسطورة.

لا أتذكر الآن من أين حصلنا على ذلك الحمار، الذي خلعنا عليه لقب “آفاك” تقديراً لنشاطه وحيويته، فقد كان قوياً مثل سفينة تقاوم الريح. ربما اقتناه أبي من أحد الفلاحين مقابل قطعة ذهب كانت تحتفظ بها أمي من أيام عرسها، فإبّان تلك المحنة كان الحمار أو البغل يعادل سيارةً فارهةً في وقتنا الحالي. وقد حرصت أمي، حين تأكد لها أن طلعت باشا سينفي الأرمن من الأناضول، على تجهيز بردعة مريحة، محشوّة بالصوف، وعدد من أكياس النوم.

كان “آفاك” هادئ الطباع، صبوراً، مقارنةً ببعض الحمير التي كانت تتمنّع عن السير حين ينال منها التعب والعطش، فتحرن وترمي ثقلها على الأرض. ولا أنسى ذلك الحمار الهرم الذي ألقى من على ظهره صبيين، وهو يرتقي تلاً مرتفعاً، فتدحرجا إلى الوادي، ولم يستطع أبواهما إنقاذهما لأن الجندرمة هددوهما بالقتل إذا خرجا من القافلة. كان موقفاً مأساوياً يدمي القلب، بل يقطعه نصفين.

في ذلك الصباح الربيعي الباكر من أيام أسبوع الآلام، الذي أُبعدنا فيه من بلدتنا “خربوت” (معمورة العزيز)، لم يكن الجو منعشاً مقارنةً بالصباحات السابقة. أطلقت المدفعية قذائفها في الهواء لإرغام الأهالي على الإفاقة من رقادهم، بالرغم من أن الكثيرين منهم لم يذوقوا طعم النوم، في الليلة السابقة، من جرّاء أصوات الطبول والأبواق المزعجة في أحياء البلدة، تلك الأصوات التي كانت تدعو المؤمنين للالتحاق بمركز التجنيد من أجل الجهاد ضد الكفّار الروس والإنكليز والفرنسيين، أعداء الوطن، فيما كان أصحاب الطبول والأبواق، والزعماء الطورانيون الممسكون بزمام السلطة، يعلمون أكثر من غيرهم أن أغلب المسلمين في السلطنة لم يكونوا يرون في الجهاد ما يسوّغ الإقدام على الموت، فيهربون ويتوارون عن الأنظار، على العكس من السلطان، الذي كان يعتقد بأنّ إعلان الجهاد سيكون قبساً يشعل العالم الإسلامي بأجمعه، فينهض ويمحق الأعداء عن وجه الأرض ويبيدهم.

وثب جميع الأهالي على دويّ المدافع، وبدت وجوههم كأنها ألواح خشبية من الهلع، وفتحوا الأبواب الخارجية ليستقصوا عن الأمر، ظنّاً منهم أن السفر برلك بلغ بلدتهم، فوجدوا الشوارع في حالة هياج تعجّ بعساكر وجندرمة يمطرونهم بوابل من الشتائم والإهانات، ويتوعّدون باغتصاب بناتهم إن خالفوا أوامرهم، بينما كان يقف أمام كل زمرة منهم جاويش أو أونباشي ينادي بصوت جهوري “فرمان همايوني شريف: على جميع أفراد مِلّة الأرمن مغادرة بيوتهم، وترك ممتلكاتهم، ومن تسوّل له نفسه عدم الامتثال للفرمان خلال ساعة سنطلق عليه النار”.

لم يقولوا إلى أين سيرحّلوننا، لكن الجميع كانوا يعرفون أنهم قرروا إبعادنا خارج الأناضول بتهمة الخيانة والتمرد المسلح لصالح روسيا. أبي اعتقد بأن وجهتنا ستكون جنوباً حيث البادية السورية، بينما خمّنت أمي أنها ستكون أرارات في الشرق.

كان الحزن بادياً على وجه أختي تاكوهي أكثر منا، تقول لأمّي بصوت يشبه صوت طائر عليل:

- عيد الفصح مقبل كيف سنفرح؟

تصطدم أمي بسؤالها، ويتعذّر عليها العثور على جواب مناسب، فتخدعها قائلةً:

- لا عليك، في وسعنا أن نفرح مع الجمع في البرية.

- هل الرحلة طويلة؟

- لا أعرف، لم أجرّبها من قبل.

خرجنا من البيت قبل انتهاء المهلة، أسوةً ببقية أهالي البلدة، بعد أن تمكّن أبي من فك لجام الحمار بسرعة خاطفة، وجلّله بالبردعة وبعض الأغطية، وقال لنا متحسّراً “ألقوا تحية الوداع لخربوت. حانت ساعة الموت أو الإبعاد”، ثم رفع رأسه إلى السماء وأضاف “سنوكل أمرنا إلى يسوع المخلّص، لقد آمنّا به وعليه أن ينجينا من هذه المحنة”. أما أمّي فقد انخرطت من فورها في جمع بعض الثياب وخبز الرقاق والزبيب والتين المجفف، وكوّمتها في صرة وربطتها على بطن “آفاك”، وطالت قربتَي ماء صغيرتين وثلاث مطّارات.

ناولت إحدى القِرَب لأبي، ووزّعت المطّارات علينا نحن الثلاثة، وحملت هي القربة الثانية، في حين حزمت أنا خصري بحزام جلدي، وتناولت الإنجيل وبعضاً من الحاجات الخاصة بي وبتاكوهي، ودسستها في خرج مزركش منسوج من خيوط الصوف الملون، وعلّقته على كتفي، وأحطت رقبتي ورقبة تاكوهي بوشاحين أبيضين لنستعملهما غطاءً للشعر عندما يتطلب الأمر. واكتفى آرتين بحمل صندوق خشبي صغير، إلى جانب المطّارة، ظننت أنه خبأ فيه مدّخراته.

حين صرنا على مقربة يسيرة من وسط البلدة، غطتنا سحابة رمادية، فتوجهت عيوننا إلى السماء. بعد لحظات صار لونها حائلاً، وبدأ المطر يتساقط رذاذاً، وأخذت قطرات صغيرة تداعب رؤوسنا، وتنزلق على جباهنا ووجناتنا في خيوط مثل الدموع. إلا أن السحابة لم تلبث أن ابتعدت، وأشرقت الشمس فوق المرتفعات. استبشرنا خيراً بالمطر لأنه يمسح ذنوب الأرض كما يقولون، وتمنّينا لو أنه استمر وقتاً أطول لينفذ إلى أحشائها، لكن مشهداً مريعاً، كان يجري في تلك الأثناء أمام كنيستنا “الكنيسة الرسولية”، هزّنا وملأنا غيضاً، مشهد دركيين يضربان بهراوتيهما على رأس خوريّ مقيّد اليدين، وينهالان على بطنه وظهره ركلاً بجزمتيهما كما لو أنهما يركلان دميةً محشوةً بالقطن. شهقت أمي، وهي ترسم علامة الصليب، ودمدمت:

- ويلتاه! هل هذا أبونا باليان؟

كانت تعاني من ضعف في النظر، ولا تستطيع تمييز الأشخاص عن بعد.

- هو بعينه.

قلتُ، فناجت العذراء بتنهيدة متأسية:

- يا أمّ الإله، اذرفي الدمع مدراراً، حتى رجال الكنيسة لا يسلمون من جورهم؟

قبل أن ننعطف إلى الطريق المؤدية إلى جنوب “خربوت” رأينا شابين، أحدهما مانويل ابن عمتي، يشتبكان مع ثلاثة من أفراد الجندرمة بالعصي، وما هي إلاّ لحظات حتى أطلق أفراد الجندرمة الرصاص عليهما، وأصابوهما إصابات مباشرةً، فسقطا مضرّجَين بدمائهما. شعرت بشيء ما يتمزّق في داخلي، فأجهشت بالبكاء، وسمعت أبي يقول بصوت مكلوم “حنانيك يا يسوع، خفّف عن ابن أختي آلامه، وارفعه إلى وطننا السماوي”.

كان لآرتين كلب كانغالي رملي اللون ذو وجه بقناع أسود، سرقه من مربّي كلاب كردي حين كان جرواً لا يزيد عمره عن شهرين، وأسماه زاديكيان*. عندما غادرنا البيت أبى الكلب أن يفارقنا من شدة تعلقه بنا، فلحق بالقافلة، وأخذ يسير بمحاذاة “آفاك”، ويتشمّم أقدامنا بين حين وآخر، وكأنه يتوسل إلينا ألاّ نتخلى عنه. حاول الدركي مراراً إبعاده، إلاّ أنه لم يفلح، وفي آخر مرة ضربه بالسوط على مؤخرته، لكن زاديكيان استشاط غضباً وقفز إليه وكاد يسقطه من الحصان، فأقلع الدركي نهائياً عن المحاولة. كان بإمكانه أن يقتله برصاصة من بندقيته، ولا أدري لِمَ لم يفعل، بالرغم من قسوته.

حينما قطعت القافلة مسافةً طويلةً، وصارت “خربوت” خارج مدى النظر، سألت آرتين:

- ماذا سنطعم زاديكيان المسكين؟ أخشى أن يموت من الجوع.

أدار رأسه ناحيتي وقال:

- لا تخافي، إذا جاع سيفترس الدركي.

- حقاً؟

تساءلت تاكوهي، فرد عليها آرتين:

- أمزح معها، جلبت له في هذا الصندوق ديكاً مسلوقاً ملّحته كي لا يتعفن.

سألتُه مستغربةً:

- من أين حصلت عليه ونحن لم نذق طعم الدجاج منذ عدة أشهر؟

- أتيت به أمس من سطح جارنا بنيامين.

- أنت لا تكفّ عن سرقاتك؟ سيغضب الرّب عليك ويرميك في الجحيم.

- وهل ثمة جحيم أشدّ من الجحيم الذي نحن فيه؟

- نعم، جحيم الآخرة.

- لماذا أكلتِ إذن من الديك الرومي في الكرسمس الماضي؟

- وما علاقة ذلك بالسرقة؟

- تقصدين أن ابن خالي كيركور ذبحه وأعطانا حصةً منه؟

- صحيح.

- هل تعرفين من أين جاء به؟

- لا.

- خطفه من مزرعة في أطراف خربوت.

- لا أصدّق.

- أنتِ لا تريدين أن تصدّقي لأنك أكلتِ منه.

- حتى لو أنه سرقه فإن الله لن يعاقبني لأني لم أكن أعلم.

- أنا أيضاً لن يعاقبني لأني لم أسرق الديك.

ربتت تاكوهي على كتفه وقالت:

- قبل قليل اعترفت بأنّك أتيت به من سطح جارنا بنيامين.

– وجدته ميتاً فأخذته.

قلت غاضبةً:

- ومن أباح لك القفز إلى سطح الجيران؟

- كنت على سطح بيتنا فوقعت عيناي عليه، لحظتها خطر لي أن آخذه لزاديكيان بدلاً من أن يرميه اليهودي للكلاب الضالة.

- إن كان ميتاً حقاً فهو مريض، وإذا أكل منه زاديكيان فسيمرض أو يموت.

- لا تخافي، معدته أقوى من معدة هذا الحمار.

كنا نقذف الكلمات بسرعة وكأننا نتخاصم، ولم يدر في خلدنا أن أبانا يصيخ السمع لحديثنا، فأحسّ بشيء من الانزعاج، والتفت إلينا ونهرنا قائلاً:

- كفاكم هذراً، لسنا ذاهبين للتنزه. تضرّعوا إلى الله ليرأف بنا وينجينا من الهلاك.

لزمنا الصمت، وجعلنا أعناقنا تشرئب إلى الأعلى، وأخذنا نتضرع بهمس.

***

ولدت في نفس السنة التي انتفض فيها الأرمن في منطقة “ساسون” ضد حكومة السلطنة، وحين بلغت سن السادسة سمعت أن ذلك فأل حسن. روت لي أمّي أن أبي تركها حاملاً بي في شهرها الخامس والتحق بالثوار الذين أرسلهم حزب الطاشناق للدفاع عن المنطقة تحت قيادة فاهان وهراير وأندرانيك وآخرين، حيث كانت قراها وبلداتها تتعرض إلى هجمات كتائب (أورطات) الجيش وقوات الفرسان الكردية غير النظامية.

لكن، بالرغم من شراسة المقاومين وتكبّد العدوّ خسائر كبيرة، أُجهضت الانتفاضة في الأخير، وكان نصر بني عثمان مصحوباً بمذابح جماعية: القبض على مئات النساء وتقطيع صدورهن وتمزيق أحشائهن كما تمزّق الذئاب غزلاناً مطاردةً، وطعن الأطفال بالسفافيد، واعتقال الرجال وإرسالهم إلى “بتليس″، وقتلهم هناك، وفصل أطرافهم عن أجسامهم ورميها في نهر دجلة.

أما أبي فقد أصيب بجراح في أنحاء عديدة من جسمه، إلا أنه تمكّن من الفرار مع مجموعة من رفاقه إلى قرية نائية في منطقة “ماردين” السورية، ومكث هناك ردحاً من الزمن في حماية قبيلة بني محلّم. انتظرت أمي عودته بصبر جلمودي، متأبّيةً تصديق إشاعة بعضهم بأنه قضى نحبه، بل كافحتها إلى آخر رمق. وفي أحد الأيام رجع متخفّياً إلى البيت بعد أن هدأت الأمور. وقتها كان قد مضى شهران على رؤيتي النور، وتولّى جديّ لأمي تعميدي في الأسبوع الأول من ولادتي دون أن أتناول القربان المقدّس.

* اسم أرمني من أصل سرياني يعني صديق.


كاتب من العراق