غراب على السّطح

الجديد  حسونة المصباحي [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(126)]

لوحة: سمان خوام
ابتعد عن البيت مسافة تقارب نصف كيلومتر، ثمّ استدار ليرى الغراب مُنتصبا على سطح البيت أسود، بشعا، كبير الحجم. وهو على يقين من أنّه ينذر بشرّ مّا وإلاّ لما أختار أن يحطّ على سطح بيته كلّ صباح من دون سطوح بقيّة بيوت القرية. وقد تعوّد أن يطرده. أما اليوم فلم يفعل ذلك لأنه لم يعد مهتمّا بما ينذر به. والصّفعة القويّة التي تلقّاها من زوجته حال نهوضه من النوم، والتي سببّت له دوارا كاد يسقطه أرضا، أشعرته أنه لم يعد له لا مكان، ولا أمل في الحياة. والمرحومة والدته كانت على حقّ عندما كانت تقول بأن الرجل الذي تصفعه زوجته لا يستحقّ أن يمشي على وجه لأرض، ومن الأفضل أن يدفن نفسه بنفسه.

وهو بعد هذه الصفعة، يشعر فعلا بأنه كائن ملطّخ بعار أبدي، فاقد لأيّ صلاحيّة. ثمّ بأيّ وجه سيجالس رجال القرية مستقبلا، وبأيّ وجه سيشاركهم الحديث، وبأيّ وجه سيذهب إلى السّوق بينما الأصابع مصوّبة نحوه، والألسن تلوك ما تهامست به عنه البارحة، وقبل البارحة. بعد الصّفعة التي رنّ صداها في القرية كما لو أنه صدى طلقة ناريّة، هل سيكون قادرا على أن يناوم زوجته… لا.. لا.. أبدا… لن يكون بمقدوره أن يفعل ذلك، بل هي التي ستفعل مستقبلا! وعلى أيّ حال هو أصبح عاجزا عن ذلك منذ أشهر طويلة.

وكلّما همّ بها، خانه حاله. وصديقه عمار تعوّد أن يقول له بأن من حقّ الزوجة التي لا يرضيها زوجها أن تفعل به ما تشاء، وأن الرجل لا يغلب المرأة إلاّ إذا كان قوياً وقادراً. والصّفعة التي تلقّاها هذا الصباح أمام طفليه الصغيرين إشارة واضحة من زوجته أنها الغالبة الآن. لذا هي قادرة مستقبلا أن تدوس عليه بقدميها… من قبل كانت تكتفي بالكلام… مشك راجل… موسّخ وحالتك تُكْربْ… كاينّكْ كلب بلا موالي… ابعد عليّا… ماعادش نحب نشوف منظرك المنحوس… وما عادش نحبك تقربني وإلاّ تمسّني..راني نولّي شوكة، وإلاّ عقرب تلسعك لسعة تهزك طول لجهنم… أما مستقبلا فستتوالى الصّفعات التي ستقتله ببطء،عرْقا بعد عرق، ونَفَسا بعد نَفَس..

صباح كامد بلون آثار لكمة قويّة. السّماء تغطيها سحب بدت شبيهة بكتل من الغبار الكثيف. الطريق ينحدر باتّجاه الشرق مستقيما، فارغا. على جانبيه حقول يبّسها القحط فانبسطت عليها وحشة ينقبض لها القلب. انتبه إلى أنه على مشارف بلدة العلا التي تبعد عن قريته 15 كيلومترا.

النّار المشتعلة في صدره جعلته يقطع مسافة مديدة من دون أن يشعر بذلك…عمار على حقّ في ما قال… والرجل المفلس مثل الرجل المخصيّ. لا فرق بينهما لا بالتّقوى، ولا بغيرها… وهو الآن مخصيّ ومفلس! فأيّ لعنة حلّت به؟ وأيّ دعاء شرّ ساقه إلى هذا المصير الأسود؟… منذ ما يربو على العامين وهو بالكاد يقدر على تأمين القوت لعائلته الصغيرة. وكلّ الحاجيات التي تقتضيها الأعياد، والمناسبات الكبيرة لا يتمكّن من الحصول على القليل منها إلاّ ويكون مُجبرا على أن يستدين من هذا أو ذاك من الذين لا يزال في قلوبهم شيء من الرحمة، والشفقة على الآخرين. والبلاد كلّها في حالة من الغليان، ومن الاضطراب الدائمين.

وفي كلّ يوم أخبار أشدّ سوءا من أخبار الأمس. ولا شيء في الأفق يبشّر بتحسّن الأوضاع… تفووووه… ألف لعنة ولعنة على الحكام القدماء الذين فرّوا بعد أن ملأوا جيوبهم، وعلى الحكام الجدد الذين جلسوا على الكراسي الفخمة بعد تلك التي سمّوها “انتخابات شفّافة”، والتي لا ينقطعون عن الحديث عنها، والتنويه بها في الإذاعات، والقنوات التلفزيونيّة… كلهم كلاب ولصوص وأنذال… والخاسرون دائما هم المخصيّون والمفلسون أمثاله… يرحل الحاكم القديم ويأتي الحاكم الجديد والعريان يبقى عريانا، والمخصيّ مخصيّا، والجائع يظلّ خاوي البطن، يستجدي اللقمة فلا ترحمه بها لا الأرض ولا السماء… وهو تحمّس في البداية لأصحاب اللّحى ظانّا أنهم أتقياء يخشون الله ورسوله، لذا سيكونون صادقين في أقوالهم، ومخلصين في أعمالهم.

وفي “الانتخابات الشفّافة” صوّت لهم من دون تردّد. بل أقنع أخاه الأكبر الذي لم يكن واثقا منهم بأن يفعل مثله. لكن ها إن الأيّام تكشف أنهم هم أيضا يعشقون الكراسي الفخمة، ولا يفكّرون إلاّ في ملء جيوبهم، وخدمة مصالحهم، ومصالح أقاربهم تماما مثل السّابقين، بل أكثر منهم غالب الأحيان. والآن لا يكفّ أخوه الأكبر عن لومه، وتقريعه قائلا له بأن أصحاب اللّحى الذين لا ينقطعون عن الادّعاء بأنهم أبناء الله، هم في الحقيقة أشدّ مكرا وخبثا من الشياطين!…

الكآبة المخيّمة على شوارع العلا المغبرّة زادته انقباضا، وضيقا بنفسه وبالحياة. تحسّس جيبه. عنده أربعة دنانير. سيأكل فطيرة مقليّة، وسيشرب قهوة. بعدها يعمل الله دليلا. على أيّ حال لن يعود إلى البيت. وربما يقضي الليلة عند أخته التي تعيش في العلا، أو قد يكون من الأفضل أن ينام جائعا في الخلاء تجنّبا للأسئلة التي سوف تطرحها عليه أخته، أو زوجها الذي تروق له مشاكسته والسخرية منه. طلب قهوة بالحليب، وراح ينظر إلى جبل “طرزة” المنتصب أمامه محاولا أن يقتلع من ذاكرته الصفعة القاسية التي تلقّاها وهو لا يزال في ضباب النوم، والكلمات النّابية التي رمته بها زوجته وهو خارج من البيت ذليلا، مطأطأ الرأس، بينما كان طفلاه يبكيان بحرقة توجع حتى الحجر… ما العمل الآن بعد أن بلغ السكين العظم؟

هل يحرق نفسه مثلما يفعل الكثيرون في هذه البلاد التي أصبحت تتعاقب عليها النكبات والأزمات كما لو أنها أصيبت بلعنة إلهيّة أبديّة؟… نعم قد يكون ذلك عملا حسنا وسريعا وغير مكلف… يكفي أن يسكب على جسده بنزينا، ويشعل عود كبريت. وبعد وقت وجيز يكون كتلة من رماد. وبذلك ينتهي هذا الشقاء الذي يبدو بلا نهاية. وقد يبكيه البعض من أهله. أما زوجته فستتظاهر بالحزن لكن في سرّها سوف تلعنه داعية الله أن يحرقه في الآخرة مرة أخرى. وسوف تقول عندما تسمع بخبر وفاته “الله لا ترحم الكلاب!”… نعم هذا ما ستقوله إذ أنه أصبح بالنسبة إليها أحقر من كلب سائب… والطفلان؟… آه الطفلان ما ذنبهما؟…

ربّت أحدهم على كتفه. التفت فإذا بصالح ابن عمّه هاشّا باشّا في وجهه. منذ أسابيع طويلة لم يلتق به. فهو دائم التنقل بين المدن بشاحنته. ويتردّد على العاصمة أكثر من مرّة في الشّهر الواحد. وهو من أثرياء القرية. له بيت فخم والجيب دائما ملآن. وفي الحقيقة هو يحسده على النعمة التي خصّه بها الله. ويزداد هذا الحسد استعارا حين تبالغ زوجته في مدح صالح والإشادة بذكائه و”عفرتته”. عندما يزورهم في البيت تظهر له ودّا يشعل نار الغيرة في جسده ويخرجه عن طوره ويذكي الرغبة في قتله هكذا أمام عينيها وهي تلاطفه بالكلمات والإشارات والغمزات… أوف يا لكيد النساء!…

- ماذا تفعل هنا يا ابن العم؟ سأله صالح

- آ.. لا شيء.. لا شيء!

- تبدو مهموما؟ أليس كذلك؟

-لا… لا… أبدا… أبدا.. ولكن…

- لكن ماذا؟

- أوف لا شيء… لا شيء!

أخرج صالح حافظة نقوده المنتفخة بالأوراق المالية. مدّ له خمس ورقات بعشرين دينارا:

-خذ… أعدها لي متى تشاء!

زحفت الوساوس السّوداء في خلايا دماغه مثلما تزحف الأفاعي على الرمل السّاخن… ترى ما سرّ هذا الكَرَم؟ وما الدّاعي له؟ هو لم يفعل هذا من قبل أبدا. وفي المرات القليلة التي رغب أن يستدين منه مبالغ بسيطة وُوجه بالصّدود.. وإذن لا بدّ أن يكون هناك موجب لهذا السّخاء الفجئيّ… أوف… ولكن عليه أن يقبل به خصوصا وأن المبلغ سيخفّف عنه وطأة هذه الهموم التي تثقل صدره… قفز من الكرسي وعانق ابن عمّه بحرارة:

- شكرا يا صالح العزيز… لن أنس فضلك أبدا!

-لا عليك يا ابن العم… أنت تعلم أني لا أبخل عليك بأيّ مساعدة تحتاجها!

أوووه… هذا كلام معسول لم يتعوّد على سماعه. ولكن لم الشكّ والارتياب؟ ألا يغيّر الله أحوال الناس فيصبحون على صورة مغايرة تماما للصورة التي كانوا عليها قبل يوم، بل حتى قبل ساعة، أو لحظة!

- اسمع يا ابن العم… أنا اليوم ما عندي ما نعمل… ونحب نعمل شيخة معاك!

-معايا نا؟

- يا نعم معاك يا لد عمي الباهي… ونحب نهزك عند ناجي…

- أشكون ناجي؟

- ما تعرفوش؟

-لا!

- ما يهمش… تو تعرفو وتولي تحبو كيف ما يحبوه عشاق البيرة والروج! هههههه

- على الضالين أمين حتى أنا عطشان للبيرة اليوم، وما تطفي ناري كان هي!

- هيّا إيجا معايا إوتو تشرب البيرة حتى ترى روحك ملك! ههههههه

لوحة: سمان خوام

غادرت الشاحنة العلا، وانطلقت شمالا في الطريق المودّي إلى حفوز والقيروان. وقبل أن تبلغ “وادي الجبّاس″، انحرفت شرقا لتسلك طريقا ترابيا متعرّجا، على جانبيه سياجا صبّار عاليان. بعد أن قطعت مسافة تقدّر بسبع كيلومترات، توقّفت الشاحنة أمام بيت تنتصب أمامه شجرة خرّوب عجوز هائلة الحجم، به يحيط سور بباب كبير. زمّر صالح ثلاث مرّات. بعد بضع دقائق برز من الباب رجل نحيف غامق السّمرة بلحية خفيفة ورأس أشيب وعنق طويل. وكان يرتدي دجينز بهت لونه وقميصا أزرق بمربّعات بيضاء.

نزل صالح من الشاحنة واندفع نحوه ليعانقه بحرارة، ثمّ أشار إليه أن يأتي ففعل. بعد السلام، قادهما الرجل إلى غرفة فسيحة بها طاولات وكراس بلاستيكيّة. منها تفوح روائح الخمر والبيرة، والسجائر واللحم المشوي والزيت المقلي. على الجدار جهاز تلفزيون ينقل مباراة لكرة القدم بين فرقين أجنبيين. في وسطها أربعة رجال بوجوه منتفخة، ينزّ منها العرق وبعيون محمرّة يشربون ويأكلون اللحم المشوي المكدس أمامهم بنهم وشراهة. أكبرهم سنّا تاجر خرفان يشاهده دائما في سوق القرية وفي أسواق أخرى. جميعهم وقفوا للترحيب بصالح والسؤال عن أحواله وأحوال عائلته. أما هو فلم يعيروه أيّ اهتمام…

بدآ بالبيرّة، ثمّ انتقلا إلى “الكوديا”. ولم يكن صالح يكفّ عن طلب المزيد من اللحم المشويّ، ومعه معكرونة وسلاطة مشويّة. في آخر الظّهيرة، لعبت الخمرة برؤوس الرجال الآخرين فشرعوا في ترديد أغاني الحبّ البدوية بأصواتهم الغليظة القبيحة. غير أن ناجي تدخّل بحزم طالبا منهم الكفّ عن ذلك خشية أن تلتقط الآذان الفضوليّة ما يحدث فيجيء رجال الحرس الوطني ليسوقوا الجميع إلى السجن أو يهجم أصحاب اللّحى على البيت فيحرقونه ويحرقون من فيه. أطاعه الرجال مكرهين.

بعد قليل انبرى تاجر الخرفان يتحدّث عن مغامراته الجنسيّة في الماضي والحاضر متباهيا بما يأتي به من عجائب مع النساء حتى بعد أن تجاوز سنّ الخمسين. وجاراه الآخرون. كلّ واحد منهم راح يفاخر بفحولته راويا قصصه مع النساء، مشيدا بفضائله معهنّ في الجماع. وكشف صالح أن له عشيقة جديدة تعيش في القيروان. وهي “جننّته”لأنها تأتي بفنون في الفراش لم تأت بها أيّ عشيقة من عشيقاته السّابقات. ومن شدّة غرامه بها، هو يذهب إليها في كلّ لقاء وهو يرجف كالمحموم. أما هو فلم يتدخّل في الحديث، مكتفيا بالاستماع. بين وقت وآخر ترنّ في رأسه الصّفعة التي تلقّاها في الصباح فيصعد الدّم إلى رأسه، ويشتغل الغيظ في صدره نارا حامية. في لحظة ما، خاطبه تاجر الخرفان قائلا:

-ها… أنت يا سيّد… أشبيك حزين ومهموم… ما تشيخش مع النسا كيفنا؟

بسرعة تدخّل صالح ليردّ عليه قائلا:

-هو ولد عمّي.. حشام لكنه فحل!هههههه

مدّ الجالس إلى يمين تاجر الخرفان رأسه باتجاهه، وهو رجل قصير، ضئيل الحجم، يبين الخبث والشّر في عينيه الصغيرتين، وقال ساخرا:

- مش باين فيه فحل!

ثم انفجر ضاحكا، وضحك الآخرون أيضا…

تدخّل صالح من جديد ليقول:

-اسمعوا يا رجال… راهو ولد عمّي…خلوه رايض راني من نحبش فيه!

- باهي! قال تاجر الخرفان…

ساد صمت ثقيل. أشعل صالح سيجارة. رمى في جوفه كأس “كوديا”، ثمّ أضاف قائلا:

- بربي يا رجال…خلونا شايخين… نكمل شيختنا في الرياض٬

انتصب ناجي واقفا وخاطب الجميع قائلا:

-اسمعوا أيها السّادة… من فضلكم… راني ما نحبش العرك في مَحْلي.

- ما تخافش قال تاجر الخرفان. لكن عندما طلب زجاجة أخرى، نظر ناجي إلى ساعات اليدويّة، ثمّ ردّ قائلا:

- تو الثمانية يا جماعة… أنا تعبان وعندي عائلة تتسنى فيّ… وأنتم شختو…لذا أرجوكم أن تغادروا بهدوء!

كان هو وصالح أوّل المغادرين. في الطريق إلى القرية، سأله صالح:

- تحب نزيدو؟!

- علاش لا!!

أوقف صالح الشّاحنة. أخرج علب بيرة. أعطاه واحدة، ثم قال له:

- حشمتني قدام الرجال!

- وكيفاش حشمتك؟

- علاش ما شاركتناش في الحديث؟

- ما كنتش نحب!

- وأنت تظن اللي قالوه صحيح؟

- ما نعرفش!

- يكذبوا… وأنت كارك تكذّب كيفهم!

- نكره الكذب!

- الناس الكل تكذب في هذا البلاد! وأنت تحب تكون ملايكة؟

- وأنت زادا كنت تكذب وقت إلّي تحدثت على هاك المرا إلي جننتك في القيروان؟

- وعلاش تسأل فيّ؟

- هكّا

- كيفاش هكّا؟

- ما تغضبش يا ولد عمي الغالي… راني نعرفك فحل!

- يا نعم..فحل ونصف.. ومشني كيفك!

- آش معناها؟

- معناها الله غالب عليك!

- عجب!

- يا نعم… ومشني وحدي نعرف…الناس الكل بكبيرها وصغيرها تعرف! ومرتك قالت هذا للنساء الكل!

آآآآ… الآن فقط أدرك سرّ السّخاء الذي أغدقه عليه ابن العمّ المشهور ببخله ونفاقه ودجله وسوء طبعه. ومن المؤكّد أنه لم يكرمه إلاّ ليذلّه ويهينه في هذا الظلام وفي هذا الخلاء الموحش. وقد يكونون على حقّ أولئك الذين يروّجون أخبارا تقول بأن ابن العم تربطه بزوجته علاقة غراميّة. وهذا ما يفسّر الودّ الذي تظهره له على مرأى ومسمع منه. وهذا ما يفضح أيضا سرّ اختفاءاتها الغريبة يوما أو يومين من دون أن تفصح عن سبب ذلك. وثمّة واحد قيل إنه أقسم ثلاثا أنه شاهد زوجته أكثر من مرة في القيروان بصحبة ابن العم. ومن المحتمل أن تكون هي العشيقة التي تباهى بها أمام أولئك الغرباء السّكارى. نعم… هي لا غيرها!… وحده المغفّل والمخدوع يشكّك في مثل هذه الحجج الدّامغة…

تحسّس المدية التي لا تفارقه، وقال بمرارة وكأنه يتحدث إلى نفسه:

- الناس الكل تعرف!

- هذيكا الحقيقة! قال ابن العم!

أشهر المدية، ثمّ اندفع نحو ابن العم ليطعنه طعنات عديدة في أماكن مختلفة بينما كان هو يصرخ ويولول. في النهاية انهار على الأرض وفاحت في الهواء البارد رائحة دمه السّاخن. أعاد المدية إلى جيب سرواله. للحظات ظلّ يفكّر في الغراب الذي يحطّ على سطح بيته كلّ صباح، ثم تاه في ظلام بدا له أنه لن ينجلي أبدا…


كاتب من تونس