استثمار التاريخ البابلي سرديا

الجيل الروائي العراقي الجديد الذي اكتسب تجربة حياتية مهمة على مدار الحياة السياسية المرتبكة التي تمخضت عن معطيات اجتماعية وسلوكية متقاطعة حفلت بالكثير من الصور والرؤى التي أنتجتها الحروب المتتالية ومتغيرات الأحوال كلها، وكان من الطبيعي أن تظهر أجيال في الكتابة كإفرازات ضرورية للواقع وما يتطلبه من تشخيص لأورام كثيرة وكبيرة ومخلّفات اجتماعية ودينية وسياسية.

الجديد  وارد بدر السالم [نُشر في 01/11/2017، العدد: 34، ص(152)]

كانت الرواية هي الأقدر إلى حد ما لتوطيد صلتها اليومية بمثل هذا الواقع الذي خضع لعمليات مخاض عسيرة وكانت هي الفن الأول الذي اكتسب تجربته اليومية من تلك المخاضات المهمة التي عكست الكثير من الأمراض، مثلما عكست التجارب السردية متفاوتة القيمة بعض المحمولات المتعددة في بنية المجتمع وبالتالي ظلت الرواية هي الطريقة المناسبة للإحاطة بالمشكلات الظاهرة والباطنة في محاولات ما تزال تجريبية إلى حدّ بعيد وما تزال متشابهة في أغلب حلقاتها الفنية بسبب البيئة الواحدة التي يكتب منها الجميع بظروف نفسية متشابهة إلى حد كبير.

ومثل كل الروايات العراقية بعد 2003 جاءت رواية “بنادق النبي” (إصدارات: دار نشر سطور 2017 – بغداد -252 صفحة – القطع المتوسط) للروائي سالم حميد على ثيمة الحرب والإرهاب وإدانة حقبة الدكتاتور في معالجات ستبدو متشابهة مع العديد من روايات هذا الجيل الجديد، لكنها افترقت عنها في قضية أساسية وهي في استثمار التراث الديني القديم في شخصية النبي ماني الذي طمسه التاريخ إلى حد بعيد هو وتعاليمه النبوية التي حاول فيها أن يآخى بين الأديان شرقاً وغرباً وأن يصهرها في دين واحد باعتبار أنّ الإنسانية واحدة والأديان منبعها الله ما كان منها سماوياً أو وضعيا.

***

على هذه الأسطورة النبوية انبنت الرواية بإشكالية فلسفية قامت على تفكيك بعض الأديان التي أرهقت الحياة بتعاليمها القسرية ورجال دينها المستفيدين من انتشار الجهل والأمية بين الناس. كما حاولت إعادة الاعتبار إلى شخصية النبي البابلي العراقي “ماني بن فاتك” باسترجاعات فنية وعكْسها على الواقع العراقي في تماهياته الجديدة بحلول هذا النبي في شخصية “الأسمر” الروائية متعددة الحضور وهي تشغل مساحة واسعة من السرد وتكوّن رأس حربة لمعالجة روح الأسطورة وخلفياتها التاريخية بشقها الديني الإيجابي. وهو أمر كان يحتاج إلى الكثير من الفطنة الروائية وتذويب المعلومات التاريخية الحقيقية بما لا يشكل عائقاً أمام دورات السرد المتناوبة وهي تحاول اختزال التاريخ البابلي-الديني عبر شخصية النبي ماني وأسطرة الواقع العراقي على هذه الخلفية التي لا يعرفها الكثيرون.

***

شخصية ” أسمر” هي المحور الرئيسي الذي تناولته الرواية وهي شخصية إشكالية حاول فيها الكاتب أن يجعلها أسطورية فعلاً بعد حلول النبي ماني فيها وتشبّعه بأفكاره الإيجابية في مؤاخاة الأديان وتذويبها في دين إنساني واحد؛ لكنه يواجه معضلاتٍ كبيرة في حياته، فالواقع العراقي الذي لا يتحمل وجود نبي جديد يلقي به منذ البداية في مطاردات بوليسية متوالية، فمن هروبه إلى إيران أيام صدام وحتى مقتل أسرته في تفجير مفخخة في بغداد ومن ثم مقتله مع الحشد الشعبي في آخر الرواية زمن طويل من المطاردات والإيهامات والسلوكيات السلبية التي واجهها طوال هذه الفترة المضنية التي كان فيها مطارداً؛ حتى بدا كأنه نبيّ حقيقي يواجه الحياة لوحده من أجل فكرة نشر العدالة بدين إنساني لا يأبه بتعدد الأديان والمذاهب واعتبار الناس من طينة إلهية واحدة.

النبي ماني بن فاتك يتدخل كصوت روائي “أنا المانوي الذي يتقمص جسد أسمر” وأسمر الذي يجيد لعبة التخفي والظهور بأصوات متداخلة يبرر هذا المزج النفسي والأسطوري “النبي ماني حاول أن يذوّب هذه الأديان في بوتقة واحدة ويمزج ديانات الغرب مع ديانات الشرق، ديانات السماء مع ديانات الأرض..” بوصف بابل قلب الأرض ” ليخلق منها ديناً كونياً خالياً من الأحكام المتطرفة” لكن المانوية بوصفها ديناً عراقياً قديماً -غنوصياً عرفانياً- والتي حاولت مؤاخاة الأديان تعرضت إلى تعتيم مقصود وحرق وثائقها التي تطمح إلى بناء قاعدة دينية موحدة، وأول مَن حاربها هم الفُرس وأعدموا ماني بصلبه على أحد أبواب مدينة الأحواز -بقرار من الإمبراطور الفارسي برهام الأول- بعد تعذيبه وصلبه وتقطيع أطرافه وحرق جثته، خشيةً أن تتحول بابل إلى مركز دين عالمي، لكنّ المانويين بقوا يعتقدون بصعوده إلى السماء كالمسيح وأن روحه حيّة لا تموت. ومن هذا التشكل التاريخي الضارب في الأسطوري أيضاً تنتهج “بنادق النبي” طريقتها الحلمية في إعادة التاريخ البابلي وإعادة ماني -النبي- الأسطوري إلى الواقع العراقي المعاصر بكل ذنوبه الطافحة وحروبه العبثية وآلامه المتتالية بطريق تشكيل الأصوات المتداخلة حضوراً وغياباً.

***

النبي ماني شخصية إشكالية في التاريخ العراقي القديم كان صابئياً قي مقتبل حياته وعدّه ابن النديم نبي الله الذي أتى من بابل بعد تأسيسه ديانته وكنيسة بابل التي أنشأها أصبحت المرجعية العليا لجميع الكنائس المانوية في جميع أنحاء العالم من الصين حتى إسبانيا وبلاد الغال.

والروائي العربي أمين معلوف هو أول مَن استثمر شخصية ماني في روايته “حدائق النور” وألقى الكثير من الضوء على إشكاليات هذا النبي الذي ظهر في زمن تقاطعت فيه الأديان ورسّخ هويته العروبية، وسالم حميد الروائي الجديد يعيد هذه السيرة بطريقة معاصرة وإشكاليات معاصرة؛ لذلك وجد نفسه أمام فرشة واسعة من المعلومات والتواريخ والتفاصيل المتراكمة كانت تحتاج إلى خبرة فنية أكثر من كونها معلوماتية، فالمعلومات رافدة لصوغٍ فني يتجدد بالرغم من الفترة الزمنية الفاصلة بين حدث الرواية وزمنية النبي ماني وهي زمنية تقدر بعشرات القرون، واستعادتها سردياً تتطلب مهارات استثنائية في خلق تجسير نفسي وأسطوري وتاريخي ونفسي لخلق الموازنة المطلوبة بين فعلٍ ماضٍ وفعلٍ يتحدث تلقائياً مع ظروفه المحلية المتغيرة بفعل الحرب أو الحروب المتوالية.

***

أسمر.. الذي تتغير هيأته من مكان إلى مكان ويستبدل اسمه من مكان إلى آخر شخصية قناع فيلمية قد لا تكون -مع الصيغة الروائية المطروحة- مكتملة سردياً بسبب مزاحمة التاريخ الأسطوري لها ووضوح ماني كمصلح ونبيّ في ظرفه البابلي المعقّد؛ لهذا نجد الأصوات المتداخلة في طريقة السرد تميل كثيراً إلى “المعلومة” كمتن وليس هامشاً؛ وقد يكون الكاتب حمّلها أكثر مما تتحمل من مواجهات مع السلطات والحروب المتعاقبة، وهذه من الإشكاليات الفنية التي سيواجهها المؤلف وهو يطرح “بنادق النبي” بنبوءتها المفترضة وحلولها الشخصي غير المكتمل في روح الأسمر أو لنقل الحلول غير الفني كثيراً، لكنه دائماً يضع التبرير باستثمار فلسفة الْمانيّة عبر النبي المنسي الذي قتل من دون أن يحقق أهدافه بعدما هدد رجال الدين في زمنه بتعاليمه الشخصية النادرة آنذاك.

***

مع كل ما يمكن تسجيله من ملاحظات ستكون “بنادق النبي” محاولة جدية في استثمار التاريخ العراقي القديم وتبقى رواية متعددة القراءات عميقة في مضامينها الروحية القائمة على فلسفة نبوية قديمة أخرجها الكاتب من متون التاريخ العراقي بطريقة مهمة وأحاطها بعناية كموضوع يثير الجدل ويُلفت الأنظار إلى أكثر من إشكالية تاريخية مر بها هذا البلد.


كاتب من العراق مقيم في بغداد