دفتر شتائي

الغجر أيضاً يتقاعدون

الجديد  عاصم الباشا [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(76)]

نحت: عاصم الباشا
لم أتلفظ أبدًا بـ”سيّدي” أو “مولاي” حتى أيام “خدمة ” البسطار.

ربّما كان لطبعي هذا دور في أن أحدًا (في بلادنا) لم يعرض عليّ عملًا.

لكنني أقول “معلّمي” لمن كان حقًا كذلك.

***

في أواخر التسعينات من القرن العشرين عملت، للارتزاق، مدقّقًا لغويًا في وكالة الأنباء الإسبانية-القسم العربي (استشهد بعد قليل) عندما عُرض عليّ أن أعمل مديرًا عامًا مساعدًا لمؤسسة ” التراث الأندلسي” التابع لحكومة أندلسيا المحلّية.

صفنت ثم رفضت ” تهمّني الثقافة ولا أفقه بالتمويل والأرقام”. رضخوا وعملت مديرًا ثقافيًا سنتين اكتشفت فيهما تلاعبات المدير العام المالية (التي كان ينوي إلصاقها بي)، وكان كشفي كافيًا لفصلي من العمل.

خرجت نظيفًا كما دخلت. وبقي المرتزقة.

***

(حماتيات)

يوم أخذناها إلى المحرقة كانت الفتاة التي تُعنى بها قد تركت درّاجتها الهوائية مربوطة بقفل إلى عمود كهربائي مقابل بيتنا. بعد عودتنا من “حفل ” الحرق لم تجد من الدرّاجة سوى الدولاب الأمامي (المربوط). حكت نيكول لأحد المارّة ما حدث. وكأنما ذلك الشخص تصوّر من يمكن أن يكون السارق.

خلاصة: بعد ساعات كانت الدرّاجة كاملة مربوطة إلى عمود الكهرباء.

شغل ولدنة وغير احترافي.

***

المراهقة:

الطبيعة في يبرود جميلة، وكانت السيَرانات المعهودة تعتمد على كأس متّة وسجائر.

كنت أفضّل زاوية في غرفة من اللبن، برفقة كأس من العرق لتصبح الطبيعة كلّها ملكي.

***

عندما أفكّر بجذوري أرى شقاءً لا جنسية له.

***

كان بمقدوري أن أستشعر، لكنني رأيت باكرًا أشكالاً أجهل أسماءها.. فصرت أرسمها.

***

عندما أنظر إلى تهالك يديّ والتجاعيد التي تعلوهما وأذكر الجراح التي تركت ندوبًا غدت البشرة منهما تغمرني قناعة تقول “عشت يا ولد.. وحاولت”.

***

غزل:

لا أقبل سوى رشوة عينيكِ

ورعشة قد تأتي.

***

ليس ما أنجزته، أو حاولت، هو ما منحني المتعة.

المتعة في الطريق إليه.

***

عندما تبدي رأيك فلأنك تريد التواصل مع الآخر. فلا مانع من أن يستعير الآخر شذرات من رأيك ويقدّمها على شكل لقاء أو مقابلة افتراضية شريطة الأمانة التامة.

***

الهزيمة تبدأ عندما تخطر في البال.

نحت: عاصم الباشا

***

نادر جبلي يتنازل عن مساعدات اللجوء في فرنسا لسببين:

عزّة النفس، ولأنه يبرودي!

***

لا أحتاج للـ”وطنية ” لأكون سويًا.

أنا مع البلد ولا أعرف ما هو “الوطن”. كعلاقتي مع “الروح”.. لا أعترف سوى بالنفس.

***

الزمن مخاتل مخادع.

كيف يبلغ مراهق مثلي السبعين بعد أشهر؟

أرتاح عندما أتذكّر الصديق فاروق مردم بيك الذي مرّ بالخازوق إياه أيضًا.

***

عندما تتحامق ينفضّون من حولك.

حوصرت بالأسئلة والتساؤلات.. فعرضت النفس كما هي فاستجلبت أسئلة أخرى.

حثّتني امرأة بعد الانتهاء من موضوع “احكِ لنا”، فأجبت “أمّا الحكايات فأحكيها وحدي، على الورق وبلغة لا تعرفينها”.

أسعدتني خيبتها.

***

عدت، لا أعرف كيف، فالنبيذ والحديث كان جيدًا. ثمة من اقتنى منحوتة.

وأزعجني أن أكون نجمًا بين مجموعة المشاركين.

المهمّ: عرفوا أنني سوري وأجيد الإسبانية أحسن منهم.

***

الدهر يعلّمنا.

مقولة أن الجسد ينمو لسنّ الثانية والعشرين غير دقيقة.

اليوم اكتشفت، بفضل الدهر، أن الصلعة تبرد أيضًا! صرّحت بذلك فألقت لي نيكول من الطابق العلوي طاقيتين كنت أستعملهما في موسكو السبعينات (من نوع البيريه)، فسارعت إلى ارتدائهما دون جدوى! رأسي أكبر ممّا كان عليه!

لعلّ عضوًا يكبر على حساب أعضاء تضمر؟

***

في التلفاز حديث حول “الغريب” لألبير كامو.

قلت “نقلوه سينمائيًا ولعب ماستروياني الدور الرئيسي”. هزّت نيكول رأسها، لكن شكًا ما داعبها فصعدت إلى حاسوبها في الطابق الأعلى لتقول بعد قليل “صحيح! علمًا أن قليلاً ما تعرف عن السينما”.

أصابتني ” نشوة ” النصر!

***

حذائي الذي أحبّه ورافقني خمسة عشر عامًا، والذي صار يشبهني، بتشوّهاتي وتهالكي، وصار مريحًا لي مريحًا، ما زال بحالة جيدة.

لكن نيكول قالت “صار عيب!” وأخذتني إلى متجر هائل وصارت تعرض عليّ وأنا أشيح وأشيح وأشيح.. حتى تعبت. واشترت لي حذاءً حياديًا تمامًا ومريحًا.

جرّبته اليوم. أحسست نفسي غريبًا يمشي منتعلاً حذائي الجديد.

***

تعليم التشكيل؟

التوجيه لمحاولة الرؤية. لا أكثر.

التقنية جانب غير إبداعي.

قليلاً ما عملت معلّمًا للتشكيل.

ما أذكره هو أنني كنت أعود مرهقًا وعاجزًا عن مزاولة عملي.

يبدو أنني أعمل “من قلب وربّ”.

معلّم التشكيل الذي يمدّ يده لعمل طلاّبه معلّم سخيف.

***

طالبة عندي قديمة (استلمتها في الثالثة عشرة من عمرها) موهوبة بحقّ، وحدسي لا يخطئ عادة. اختارت دراسة العمارة، لأنها الدراسة العلمية الأقرب إلى التشكيل.

تخرّجت منذ أيام، بعد اثنتي عشرة سنة من الدراسة.

صارت ثلاثينية، وأسرّت لي مرارًا “أماطل، لأنني مرتاحة في بيت أهلي”!

مشروع تخرّجها: كيف يجب أن تكون المقابر. (المشروع جميل فعلاً).

سألتها (بعد التهنئة) “والآن؟”.

“ما زلت مرتاحة” أجابت.

***

قلنا “نصنع منحوتة كبيرة لأبي العلاء المعرّي”

تململ ملياردير سوري، فردّدوا الرغبة (لعلّه لم يفهم).

نقز “يا أخي ما بنحبّو!”.

طلع إخواني الملياردير.

***

من ذكريات “عين العصافير”:

في المشغل، ولصيقة به، فسحة صغيرة ممتعة للتسامر وشرب كأس. تظلّلها شجرتا كرز وإجاص معمّرتان. كنت أجلس وحدي ليلاً في صمت الوادي وأدع الموسيقى الكلاسيكية تتهادى في أعماقه لترافق كأسي ودخاني. أذهلني أن أكتشف، أكثر من مرّة، تجاوب عصفور في عمق الليل مع مقطع موسيقي ما! كان يجيبه من عشّه في الصخور القريبة.

انقضت قذيفة على الشجرتين وما عاد العصفور يغرّد. وأنا بعيد عن ذلك الحطام… إلاّ أنني واثق من أنني عائد والموسيقى والعصفور المغرّد. وستنمو أشجار شتلتها مع نمير، ليتسامر تحتها من يجيء بعدنا.

***

ذلك الغجري الذي كان يفتح بقاليته كلّ أيام السنة ويحتقر الأعياد، حتى الدينية منها، أغلق حانوته فظننت أنه مات. علمت بعد فترة لدى اكتشافي لبقالية جديدة مماثلة (تبيع التبغ أيضًا) فسألت الشاب عن الغجري فقال لي “الغجر يتقاعدون أيضًا”.

***

إلى إخوتي الكورد والكاتالانيين وبقية أهل الأرض:

علّمني الخزف أن فتح باب الفرن قبل برودته يكسر كلّ ما فيه.

***

اعتادت السلطات (كما اليمين الإسباني والاشتراكيين) التذرّع بما يسمّونه “القانون” و”الدستور” وكأنهما من الكتب المنزلة. يرفضون حقيقة أن العدل وأسسه، إن لم يتحرّك مع تغيّرات المجتمعات، قد يغدو غير عادل، كما الأديان أو الدوغما.

في عدالتي: من يسرق لأنه جائع بريء دومًا، ويتوجّب إدانة من سبّب جوعه!

***

ما من ضوء أجمل من ضوء الخريف.

وكأنه يحكي لنا قصّته وهو يحتضر.

***

شعري طويل ولا أستخدم المشط.

أجبرتني زوجي على مرافقتها لشراء بعض الأغراض والريح تعصف هنا عادة في عصاري الخريف.

المهمّ، لكزتني وقالت “أنت تخيف الصغار!”.

قلت “أعرف.. والكبار أيضًا”.

***

لا أحبّ المحادثات الهاتفية الطويلة. أحبّ رؤية عينيْ من يحادثني.

بالأمس داهمتني أوكرانية معجبة بعملي قرابة النصف ساعة وهي تحاول إقناعي بضرورة العودة إلى العمل.

بالمناسبة، صهرها، زوج ابنتها، من كبار أثرياء أوكرانيا ومالك نادي “دينامو كييف”.

غيري كان “ليشطّ ريقه”.. لكنّني هجرت كرة القدم في الثامنة عشرة!

***

بعد لحظات تُعلن جائزة “بلانيتا” للرواية. يقولون إنها أرفع الجوائز لما يُكتب بالإسبانية. لم أقرأ أيّا من الروايات الفائزة لأنني لا أومن بالجوائز في الإبداع، وقد أكون مخطئًا.

لكنّ سؤالاً استوقفني اليوم: هذه السنة تقدّم للمسابقة أكثر من 600 مخطوط. كيف لأعضاء التحكيم أن يقرأوا كلّ ذلك؟

أجبت على التساؤل من تجربتي: ما أكثر ما هجرت رواية بعد صفحات معدودة.

لكن 600 كثير كثير.

نحت: عاصم الباشا

***

ترى الحقيقة في ظلال الكذبة.

***

ما عدت شاطرًا، من كلّ خمس ضربات بالمطرقة واحدة تعشق يدي!

مئة عام على إعدام الراقصة ماتا هاري في فرنسا بتهمة التجسّس.

وهي كانت ترقص لحمقى الجانبين وهما يقتتلان!

***

يروق لي التجوال تلمّظًا بين أنواع الأجبان، لكنني أحنّ دومًا لذلك الذي كانت تجلبه نسوة القرى المجاورة ليبرود.

***

يزعجني، صراحة، إطلاق صفة الكلب على وحوش أشبه بالبشر. فالكلب عندي، مع الحمار، أقرب الكائنات النبيلة المرافقة للإنسان.

وبمقدور “الإنسان” أن يصبح صديقًا وفيًا للكلب إن أحسنّا تدريبه.

***

عسكري طريف (أمر نادر)

ديغول: “كيف تحكم شعبًا ينتج ثلاثمئة صنف من الأجبان؟”.

***

بدأت أقتنع بضرورة شراء المكنسة الآلية (روبوت) فالغبار الذي يأتينا من أفريقيا متعب حقًا.

***

من السخف أن تطفئ الشمعة قبل أن تشتعل.

(للمتسرّعين في شؤون حياتهم)

***

كتبت لي ليانة بدر سنة 2012:

“اعتدنا على أن تكون الأعمال النحتية منتمية إلى عالم خاص للفنان. تتفوق أعمالك كونها تنتمي لك ولكنها تقدم لنا عالما ننتمي إليه، وتروينا جمالياته، وتصعقنا آلامه. كل منحوتة هي بمثابة رد الروح لعالم يذوي لأنهم يحاولون إبادته. شكرًا على بث الروح في عالم يقاوم الصقيع الذي يعمل الأعداء على نشره. إنها الحياة وهي تقاوم عبر منطقها الخاص”.

***

دواء لليأس؟

مارس النحت.

***

لأنني لا أحتمل الانحباس في شقّة طويلاً تقرّر أن تنحبس زوجي طويلاً في “كولن” (مع باسم وزوجه والحفيدة).. وأن أقضي بقية “إدانتي” في باريس.. محبوسًا عند الأصدقاء.

***

في أفلام رعاة البقر الرخيصة يقتل “البطل” بمسدّسه ذبابة تزعجه!

أصدّق هذا.. بعد أربعين سنة من التمرّن.

وتبقى مصادفة.. إلى حدّ ما.

***

عندما قلت رأيي فيما يخصّ “استفتاء” كوردستان فلأنني كنت أرى ما يجري وما سيجري.

قلبي على المساكين.. من كل الانتماءات.

***

شمال غرب إسبانيا يحترق، وطائرات مكافحة الحرائق قليلة.. لأنهم يفضّلون المقاتلة القاصفة منها!

اللعنة على السياسيين!

***

أنقذوا حطب الجحيم القادم.. أيّا كان الانتماء.


نحات‭ ‬وكاتب‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬غرناطة