العنف الأصولي

تجليات معاصرة

الجديد  عامر عبد زيد الوائلي [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(6)]

لوحة: مجدي عبدالعزيز
لكل مفهوم ظروف وحاجات موضوعية كان وراء انبعاثه وتركت تأثيرها عميقا في ملامحه وتشكله الثقافي من زاوية أيديولوجية ومعرفية، وانطلاقا من هذه المظاهر نجد أن الحفر الأركيولوجي في دلالة المفهوم تعد أمرا ضروريا من أجل تحديد ملامح المفهوم واشتغالاته التي يمكن أن تكون ضرورية من أجل نقله وتبيئته في الثقافة العربية فإن المفهوم “الأصولية” (Fundamentalism) من المفاهيم الإشكالية التي تثير الكثير من المشاكل المفهومية والفلسفية معا فهي وليدة إطار ثقافي غربي له مواضعاته الثقافية تكاد تكون مختلفة بين الغرب والعالم العربي الإسلامي.

لدى بحثنا في الفهم الأصولي عبر اللغة والتراث نجد أن للمفهوم معنى في العربية وعلومها مختلفا عنه في اللغة الانكليزية، إذ في اللغة العربية “الأصول” المتعلقة بعلوم الدين، ويطلق لفظ “الأصول” على مصطلحات مختلفة أشهرها ما يدل على ثلاثة من العلوم الإسلامية هي: أصول الدين وأصول الحديث وأصول الفقه، ويسمى علم أصول الفقه، غالباً، علمَ الأصول، ويعرَّف بأنه العلم بقواعد الفقه الإسلامي، وبالأدلة التي تؤدي إلى تقرير الأحكام الشرعية (الجرجاني، مجمع التعريفات، ص27). إذ في الإسلام يرجعون في أحكامهم ومسائلهم الاجتهادية إلى الأصول. فعلم الأصول هو “العلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحكم الشرعي”، فقد نشأ علم الأصول في أحضان علم الفقه كما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث ويختلف منهج الفقه عن منهج علم الكلام إذ هناك منهجان لتشخيص الأصول واستنباطها: منهج الأحناف ومنهج المتكلمين؛ ولكل منهما وجهة نظر ألّفت على أساسها جمله من الكتب، أما منهج الأحناف فقد ركز على أساس اعتبار الفروع الفقهية لإمام المذهب هي المنطلق إلى التماس الضوابط الأصولية العامة، أما منهج المتكلمين فيختلف عن ذلك المنهج اختلافا كبيرا حيث يقوم “على تجريد قواعد الفقه والميل إلى الاستدلال العقلي ما أمكن فما أيدته العقول والحجج أثبتوه…”، لكن هذا الاختلاف في الجوانب الجزئية أما بنية الخطاب فهي محكومة ببناء ونسق هو المتمثل بالرؤية والمنهج البياني، في الأصل كفعل معرفي “هو الظهور والإظهار والفهم والإفهام” (محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي).

فالالتزام بمنطق العلم جملة وعي لدور اللغة بوصفها “منظومة لغوية تؤثر في طريقة رؤية أهلها للعالم وفي كيفية مفصلتهم له وبالتالي في طريقة تفكيرهم” (محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي).

فإذا ما استعرضتا الخطوط العامة لهذه الإشكالية “اللفظ والمعنى” نجد أنها ضمت مشكلة العرب، أي وضع العلامات المحددة للمعنى في علم النحو ومشكلة الأوزان الصرفية ومضمونها المنطقي في علم الصرف ومشكلة الدلالة في ارتباطها بظاهرة الاتساع في كلام العرب في الفقه ومشكلة الحكم والتشابه وحدود التأويل ومسألة الإعجاز، وأصل اللغة في علم الكلام ومشكلة “سر البلاغة” في النظم، ثم علاقة ذلك بنظام الخطاب.

المستوى الأول العمودي “أي تفسير الخطاب”: وهو يمثل المحور العمودي في مشاكل الإعراب في النحو والدلالة في الفقه وقصد المتكلم في علم الكلام وهو ما عرضه عابد الجابري في منطق اللغة ومشكلة الدلالة.

ففي النحو كانت النظرة البيانية تنظر “إلى اللفظ والمعنى ككيانين منفصلين”، ومركز العقل العربي على الإنتاج النظري “أصول الفقه” وهو ما لا نجد له مثيلا في الثقافات السابقة، وهذا ما نلمسه في رسالة الشافعي فبعد أن تم تقنين البيان العربي على مستوى “المعنى” في النحو وعلى مستوى المعنى في معاجم اللغة جاء دور الشافعي وقد كان معاصر للخليل وتلميذه سيبويه ( المتوفى 180 هـ) فنلمس تأثير المنهج اللغوي في كتابه “الرسالة شكلا ومضمونا” وهذا يظهر التكامل بين النحو والفقه والكلام على مستوى المنهج بل على مستوى التشريع للعقل، وقد رفض “الاستحسان” لابي حنيفة ورفض “المصالح المرسلة” لمالك وأرجع كل شيء للكتاب والسنة بواسطة القياس.

الأصولي المتشدد يمارس حياته اليومية وفقًا لنظرة تاريخية قديمة مرتبطة بالماضي، إلا أنه يستخدم بعض وسائل الحداثة مثل الوسائل الحديثة في النقل والعلاج والبناء”، بيد أنه عندما تتحدث معه عن الأسس الحديثة لنظريات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية فإنه يرفضها بشدة، لأنها تتعارض مع فهمه للحياة من خلال موروث سلفي لا يصلح

العنف الأصولي والفكر الغربي

الأصولية (Fundamentalism) هي اصطلاحٌ سياسي فكري مستحدث يحاول توصيف سلوكيات متنوعة بوصفها “تمتلك نظرة متكاملة للحياة بكافة جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية نابعة عن قناعة متأصلة نابعة عن إيمانٍ بفكرةٍ أو منظومة قناعات، تكون في الغالب تصوراً دينياً أو عقيدةٍ دينية”.

وتمكن متابعة هذا المصطلح:

لقد ظهر في الثقافة الغربية في توصيف ظواهر دينية مسيحية ظهرت أول ما ظهر في الولايات المحتدة الأميركية في مطلع القرن العشرين بعد أن تمكنت مجموعة من البروتستانت من طبع اثني عشر مجلداً في الفترة ما بين 1910-1915 بعنوان “أصول-شهادة-على الحقيقة” انتشرت في وقت وجيز بين المسيحيين الأميركيين. ويؤيد هذا التأويل للحدث توصيف ريتشارد هرير دكميجان أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيويورك “فيرجع أصل الأصولية إلى فرقة من البروتستانت التي تؤمن بالعصمة الحرفية لكل كلمة في الكتاب المقدس ويدّعي أفرادها التلقي المباشر عن الله، بالإضافة إلى معاداتهم للتفكير العلمي وميولهم إلى استخدام العنف والقوة لغرض فرض معتقداتهم” (ريتشارد هرير دكميجان، الأصولية في العالم العربي- ترجمة وتعليق عبدالوارث سعيد). وبهذا ارتبط المفهوم بضبط تلك المظاهر السلوكية ثقافيا ودينيا ضمن حدود المجتمع الأميركي.

وهناك ما يؤكد أن مصطلح الأصولية كمفهوم لم يبرز كمصطلح في المعاجم والموسوعات الغربية إلا حديثاً، فهو لم يظهر في معجم روبير الكبير سنة 1966، ولم يظهر في الموسوعة العالمية في سنة 1968، سوى ما ورد في قاموس لاروس الصغير سنة 1966، وبكيفية عامة حيث يقول “إن الأصولية هي موقف أولئك الذين يرفضون تكيف عقيدة مع الظروف الجديدة”. والفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي هو من أرَّخ لهذا المصطلح وتاريخ ظهوره في المعاجم اللغوية في فرنسا، وبيَّن أنَّ أول ظهور لهذا المصطلح كان في معجم “لاروس الصغير” سنة 1966، وكان معناه عامًّا غير محدد ولا دقيق، وكان يُرمز به إلى “مواقفَ عامة لمجموعة الكاثوليك الذين دأبوا على التَّمَسُّك بالماضي، ورفْضِ كل جديد، وعدم القدرة على تكييف عقيدتهم مع ظروف الحياة وتطوراتها الجديدة في فرنسا”، وبعد ذلك بثلاث سنوات ظهرت الكلمةُ في معجم “لاروس الجيب” سنة 1969، وقصد بها الكاثوليك وحدهم، وخاصة الذين كانوا يتميزون بالاستعداد الفكري لرفض التكيف مع ظروف الحياة الحديثة.

لعل هذا الانتقال بين الثقافتين الأميركية والفرنسية يشير إلى أنه مفهوم حديث اعتمد من أجل توصيف المظاهر الثقافية والدينية التي تتسم بإعراض وسلوكيات متقاربة وهو ما جعل المفهوم ينمو في الثقافة الغربية إذ أنه وفي سنة 1984 ظهر “المعجم الكبير” في اثني عشر جزءًا “لاروس″، وقد أخذ المصطلح يتحدد معناه بشيء من الدقة والضبط والوضوح، فهو يعني داخل الحركة الدينية “موقف الجمود والتصلب، والمعارضة والرفض لكل جديد ولكل تطور”، وكل الأمثلة التي ذكرها “لاروس″ في معجمه توضيحًا لمفهوم مصطلح الأصولية كانت مأخوذة من مواقف الكاثوليك في فرنسا والتي جسدت حركة الكفاح في ظل بيوس العاشر بفرنسا ما بين سنتي 1903 و1914، وفي عصر الحداثة شهد المصطلح تطورًا كبيرًا خاصة بعد مؤتمر الفاتيكان الثاني، ثم انتقل المصطلح من مجال الدراسات الدينية الكاثوليكية إلى مجال السياسة والاجتماع، حيث أريد به “المذهب المحافظ والمتصلب في موضوع المعتقد السياسي”. وكان جاك ديبور يطلقه على “جماعة الكاثوليك الذين يرفضون كلَّ تطور وجديد ويعلنون تمسكهم بالتراث”.

إن المفهوم يبقى محاولة من قبل الباحثين في توصيف ظاهرت غربية دينية أو راديكالية تتسم بالشمولية كانت في البداية تجتهد في توصيف الحركات الدينية المسيحية في الغرب سواء كانت من الكاثوليك أو البروتستانت. والعلامة الدالة على أنهما ينطبق عليهما مفهوم الأصولية هو لوازم الأصولية من رفض للتطور ومحاربة للعلم وعدم التكيف مع ظروف الحياة المعاصرة، طبعا الحياة المعاصرة كما تراها المنظومة العلمانية التي تتخذ من الحداثة الصلبة معيارا لها في توصيف خصومها الذين تراهم لا يتوافقون من موجهاتها في الرؤية والمنهج ولعل هذا ما وصفه هابرماس بمجتمع مابعد العلمانية؛ لكن هذا الوصف العلمانوي يرى أن تلك المظاهر الدينية المسيحية تتسم بكونها التشبث بالماضي التراثي والمطالبة بالعودة إليه كمرجع أساس في مواجهة الحداثة المعاصرة. وهذا يعاكس مفهوم القطيعة والنسبية التي ترفضه الحداثة. وتصفه بأنه يحمل خطابا إقصائيا يرفض الآخر ولا يقر ذهنية التسامح والحوار ويستخدم بدلهما القوة والعنف الرمزي. وهناك قراءات أخرى تنتمي إلى نفس المرجعية الحديثة حاولت أن تتوسع في تطبيق الأنموذج الغربي للأصولية فنجد غارودي مثلا يوسع المفهوم فيأخذ أبعادا جديدة في توصيف ونقد أشكال من الأصوليات بقوله “في الغرب ظهرت أمُّ الأصوليات وهي الأصولية الصّهْيَوْنِيَّة، وتحت عباءتها ظهرت الأصوليةُ الماركسية والأصولية الرأسمالية، ومن باطن هاتين الشرارة الأولى لنشاط هذه الأصوليات هي إسقاط الخلافة العثمانية، بتدبير الأب الروحي للأصولية وهو تيودور هرتزل”.

الأصولية الدينية المتطرفة تتخذ مواقف متشددة وغير متفهمة للسلوك البشري، وترفض المرونة الاجتماعية في التعامل مع هذا السلوك، فهي دائمًا تتصلب في فهمها لكل مجالات الحياة، فالفنون والموسيقى تُعد بالنسبة إلى الأصولية مفسدات، إلا إذا كانت تساعد على نشر رسالة الجماعة الأصولية كما يغلب عليها التشدد وعدم ترجيح العقل المعاصر في أحكامها

توسع المصطلح إلى خارج الخطاب الديني إذ حاول غارودي أن يوسع دلالة المفهوم في الربط بين نشاطات سياسة تتسم بكونها تحتكر الحقيقة وتمارس العنف الثوري من أجل الوصول إلى غاياتها رغم أنها متعارضة دينيا بين البروتستانت واليهود الصهاينة رغم أن خطابهم علماني؛ إلا أنهم مارسوا تأويلا دينيا بين الماركسية والرأسمالية رغم أنهما خطابان شموليان لكنهما ليسا فرقا دينية (غارودي، الأصولية).

بعد أن كان مفهوم الأصولية يطلق على وجه الخصوص على المسيحية البروتستانتية فهي تعني التركيز على المعنى الحرفي في تفسير الكتاب المقدس ما يقابل التفسير الرمزي الكاثوليكي. واليوم هناك حركات دينية أصولية بروتستانتية تلتزم بحرفية النصوص وتحاول العيش على أسس تعاليم الكتاب المقدس كمقابل للفكر العلماني في الغرب (مايكل أنجلو ياكوبوتشي، أعداء الحوار أسباب اللاتسامح ومظاهره).

الأصولية تعتمد معايير تصنيف للآخر بوصفه مختلفا عنها ولهذا تنتهج معه سلوكا إقصائيا، وهذا السلوك ألحق تشوهات من خلال أنواع البتر التي ألحقها هذا التراث الأرثوذكسي بنفسه من جراء حذفه وتصفيته لكل المدارس والمؤلفات والشخصيات الفكرية التي عدت “زندقة ” أو منحرفة.

أما عن تلك القواسم المشتركة في تصنيفه الأصولية الدينية فهناك ثلاثة ملامح تُكَوّن الأصولية المتطرفة منها:

• هيمنة النزعة المحافظة: “على هذا الأساس نجدها تعارض النزعة التحررية أو الاجتماعية أو التنويرية والحداثية. هكذا فهي تعني الحفاظ على تقليد ‘الأصول’ بدون تجديد وبدون تطبيق معاصر، فالأصولي المتشدد يمارس حياته اليومية وفقًا لنظرة تاريخية قديمة مرتبطة بالماضي، إلا أنه يستخدم بعض وسائل الحداثة مثل الوسائل الحديثة في النقل والعلاج والبناء”، بيد أنه عندما تتحدث معه عن الأسس الحديثة لنظريات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية فإنه يرفضها بشدة، لأنها تتعارض مع فهمه للحياة من خلال موروث سلفي لا يصلح للإنسان المخلوق بحسب صورة الله ومثاله، أي تاج الخليقة.

• طغيان الخطاب الديني: التدين يكون بمثابة العنصر المثبت للنزعة المحافظة التقليدية والمادة المتماسكة والقوية لأصول التقليد في الدين التي تُخضع كل ما هو علماني (الدولة، المجتمع، الاقتصاد)، لكل ما هو ديني، وتُخضع الخاص (الحياة الشخصية للفرد) إلى العام (القيم الأخلاقية الدينية “الشرع المقدس″). هكذا الأصولية الدينية المتطرفة تتخذ مواقف متشددة وغير متفهمة للسلوك البشري، وترفض المرونة الاجتماعية في التعامل مع هذا السلوك، فهي دائمًا تتصلب في فهمها لكل مجالات الحياة، فالفنون والموسيقى تُعد بالنسبة إلى الأصولية مفسدات، إلا إذا كانت تساعد على نشر رسالة الجماعة الأصولية كما يغلب عليها التشدد وعدم ترجيح العقل المعاصر في أحكامها.

• الخطاب العنيف والمختلف: هذا السلوك العنيف يعد بالمقارنة مع الملامح المشتركة السابقة العنصر الأكثر إثارة للأصولية المتطرفة، فاستخدام العنف باسم النزعة المحافظة في خدمة كل ما هو مقدس هو ما يلخص الحركة الأصولية، ويكون استعمال السلاح وسفك الدماء والقتل الجماعي، وبتر الأعضاء عقابا وطردا وعزلا للأقليات من حيث التمييزات القبلية والتطهير العرقي والإرهاب، وكل هذا يندرج في بنود الأجندة اليومية للأصوليين في كل العالم وفي كل عصر. وهي مظاهر أصولية متنوعة الأديان إذ “على طوال عقد الثمانينات من القرن العشرين، قلما شهد العالم أزمة سياسية ذات شأن في أحد أرجاء العالم لا تقف وراءها يد الدين غير المتوارية تماما. ففي الشرق الأوسط، تصادمت كل الأديان والحركات الأصولية في هذه المنطقة -يهودية كانت أم مسيحية أم مسلمة- على خلفية صراعات قديمة حول السلطة في إطار حروب أهلية وغير أهلية” (خوسيه كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث).

الانسحاب والانفصال عن الثقافة المعاصرة والعلاقات الاجتماعيّة والترويج لأيديولوجيا على أنها واحدة وسامية تفسير شامل يمكن من خلاله تفسير جميع الظواهر ومعالجتها وذلك بعدم الاقتصار في النظام الجديد على السعي نحو تحويل النظام السياسي والاجتماعي فحسب، بل صميم فكر الفرد أيضاً، ورفع الحقوق الجماعيّة على حساب الحقوق الفرديّة، وتصنيف الحقوق حسب الولاء للنظام الاعتقادي، وخفض الحقوق الكونيّة وقمع التنوّع ومعارضة الديمقراطيّة والتعدديّة والفكر المتحرّر بشدّة والدعوة لإقامة دولة شموليّة توسعيّة.

لوحة: نصر ورور

تصنيف الأصولية الدينية

فضلاً عن تلك العناصر هناك من الباحثين من يضع تصنيفا للأصولية الدينية بذكره ثلاثة عناصر مشتركة تطبع الأصولية وهي الشمولية والنصوصية والانحياز المطلق.

أما “الشمولية” فهي مفهوم مأخوذ عن الكاثوليكية ويعني أن جميع الأسئلة التي تفرضها الحياة الخاصة والعامة تجيب عنها تعاليم الدين أو الأيديولوجيا. وأما “النصوصية فتعني أن النصوص المقدسة تؤخذ حرفيا من دون الدخول في تأويل أو تفسير بما يعنيه من استكشاف ملابسات أو طرح تساؤلات وغير ذلك. وأما السمة الثالثة فهي “الانحياز” ويعني الرفض المطلق لأي مساءلة لتلك المبادئ التي يعتقدها الأصولي، ورفض كل ما عداها.

وقد أخذ المصطلح يصف مظاهر متنوعة عالمية أو ما يعرف بوصفها “الأصولية الدينية (بجميع طوائفها الهندوسية والإسلامية واليهودية والمسيحية والبوذية) ويبشّر الأصوليون وكل مَنْ يلتزم بتعاليمهم بالنجاة، ولا مجال في عالمهم لإثارة تساؤلات تنم عن حالة من الحيرة والقلق، أما مَنْ لا يتبع التعاليم، فيستحق العذاب”.(جورج عوض إبراهيم، الأصولية الدينية المتطرفة).

وفي الفترة الأخيرة يحاول الغرب تطبيق مفهوم الأصولية على الخطاب الإسلامي المعاصر بوصفه خطابا أصوليا ينطبق عليه ما ينطبق على غيره ضمن سياسة الحرب على الإرهاب.

القراءات العربية المتأثرة بالفهم الغربي للأصولية

محاولة تطبيق الفهم الغربي على التراث الإسلامي نجده في القراءات العربية المعاصرة التي ترى أن “هاجس الأئمة المجتهدين منصب على تأسيس حجية القرآن ثم السنة النبوية وسنة الأئمة عند الشيعة والإجماع والقياس. (محمد أركون، الفكر الأصولي واستحالة التأصيل). وقد ظهر مجموعة من المؤلفين تركوا وراءهم كتبا لعبت تأثيرا حاسما على العملية التاريخية البطيئة لتشكيل الأرثوذكسيات المتنافسة عقائديا وسياسيا.

وفي القواميس العربية المعاصرة التي يبدو أنها تخلط بين المعنى التراثي والمعنى الغربي المعاصر تعريف ومعنى أصولية في قاموس المعجم الوسيط للغة العربية المعاصر. ففي قاموس عربي عربي كلمة “أصولية” تدل عادة على أنماط معينة من المحافظة الدينية سواء أكانت إسلامية أو مسيحية. وتتبع الأصولية الإنجيل أو القرآن حرفيا وتدعو إلى اتباع تعاليمهما وقيمهما في الحياة الاجتماعية والسياسية بما في ذلك الحياة الشخصية. فيدعو الأصوليون المسيحيون على سبيل المثال إلى تعليم ما يسمّونه علم الخلق في المدارس وهو خلق الكون كما ورد في الإنجيل وبالضبط في سفر التكوين على أنه حقيقة علمية وتاريخية لا جدال فيها. ويتهم النقاد الأصوليين بعدم التسامح وتحريم كل شيء فيرد الأصوليون أنّ لا مسعى لهم سوى العودة ببلدانهم إلى أصول الحضارة المسيحية وقيمها الأخلاقية.

وأيضا نجد في المعجم العربي عامة “أُصوليَّة، أُصوليَّة، اسم مؤنَّث منسوب إلى أُصول، على غير قياس، جماعة أصوليَّة. مصدر صناعيّ من أُصول، الأصوليَّة، التمسُّك بكلّ اتِّجاه فكريّ أو دينيّ قديم. موقف فريق من المؤمنين يتشبثون بالأصول والتقليد، أصولية مسيحية، أصولية إسلامية”.

الأصولية في اللغة والفكر العربي

نجد أن الفهم العربي المعاصر أخذ بالجمع بين الدلالة التراثية والدلالة الغربية، وهو جمع على مستوى اللغة تلفيقي يحاول إخضاع اللفظ إلى الدلالة الوافدة، إذ نجد أن اللغة العربية تؤصل معنى الأصولية من “الأصل”، وهو ما يبتنى عليه غيره، والأصول: جمع أصل، وهو في اللغة: عبارة عما يفتقر إليه غيره، وفي الشرع: عبارة عمّا يبنى عليه غيره، ولا يبني هو على غيره، والأصل: ما يثبت حكمه بنفسه، ويبنى عليه غيره. أصول الفقه: هو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى الفقه، والمراد من الأصول في قولهم “هكذا في رواية الأصول”. (الجرجاني، علي بن محمد السيد الرقي معجم التعريفات) لكن أيضا معنى الأصولية أنها اسم مؤنَّث منسوب إلى أُصول، على غير قياس، مما يجعل الجماعة أصولية. مصدر صناعيّ من أُصول الأصولية التمسُّك بكلّ اتِّجاه فكريّ أو دينيّ قديم كما جاء في معجم اللغة العربية المعاصر (المحيط في اللغة،3/233) هكذا تبدو هذه الدلالة المعجمية، ثم انعكست الدلالة الوافدة، فتلك المرجعية في تعريف الأصولية الدينية -كما تُعرّفها الموسوعة العالمية التي صدرت بأجزائها الخمسة بين عامي 1991-1995 وحملت عنوان “المشروع الأصولي”- هي كل أيديولوجيا تدعو إلى تسييس الدين وإقامة نظام سياسي مبني على تعاليم إلهية. وفي حين أن الأصوليات الدينية غير الإسلامية تطالب بإقامة أنظمة حكم دينية في بلدانها فقط، فإن الأصولية الإسلامية تسعى إلى بناء نظام سياسي إسلامي في جميع أنحاء الأرض كبديل للنظام العالمي الغربي (Martin Marty & Scott Appleby (Ed)، The Fundamentalism Project).

ويقدم لنا الفكر العربي المعاصر أحد توظيفات الأصولية بالقول: استعمال هذا المفهوم في توصيف الحركات الإسلامية يجب أن يراعي تلك المعاير في الفكر الأصولي إذا استخدمنا هذا المصطلح للمسلمين، وهذا الفهم حديث ظهر في الغرب فهناك أصوليات علمانية وأخرى دينية سواء كانت مسيحية أم يهودية ومن ثم أخذت تطلق هذه الكلمة على الحركات المتشابه في الرؤية والسلوك عالميا ومنها الأصولية الإسلامية وغيرها. لكن هناك نقاط متشابهة بين الأصوليات بشكل عام والدينية بشكل خاص منها أنها تعتمد نقاطا مشتركة بمثابة روابط فكرية تقود إلى سلوك محدد تجاه من هو داخلها أو من هو خارجها (محمد أركون، الفكر الإسلامي قراءة علمية).

وعلى هذا الأساس يؤصل أركون الأصولية كقراءة تيولوجية تراثية فيضع أصوليات سنية وشيعية وخارجية. وهناك أصوليات معاصرة تمثل قراءة أيديولوجية للنص متمثلة بالحركات المتشددة في الحراك السياسي الإسلامي مثل الإخوان المسلمين والحركات السلفية والتكفيرية.


كاتب من العراق