ثقافة الإبداع في مواجهة ثقافة التسلط والقمع للخيال

في كتابه “دراسة التاريخ”، الذي يقع في اثني عشر مجلدًا، أرجع المؤرخ البريطاني المعاصر أرنولد توينبي (1889- 1975) أسباب انهيار الحضارات إلى عاملين، هما: هيمنة العقلية الآلية النمطية التي تقوم على أساس التكرار والمحاكاة، ثم إلى جمود المؤسسات السياسية والاجتماعية والتربوية وتصلبها وتسلطها. ثم أنه أكد أن الإبداع هو أساس نهوض الحضارات وازدهارها، وغيابه علة انهيارها. وأضاف إلى ذلك أيضًا قوله إن التحديات التي تواجهها الحضارات لا بد لها من استجابات إبداعية تقوم بها أقلية، أو أكثر، داخل المجتمع.

الجديد  شاكر عبدالحميد [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(16)]

عاصم الباشا
الإبداع في أبسط تعريفاته هو خلق على غير مثال، وهذا هو المعنى اللغوي والتراثي له، لكنه أيضًا إنتاج جديد ومفيد، كما في تعريفنا له، وفي الحالتين: الإبداع حركة ضد التكرار، والتكرار حركة موجهة نحو الثبات؛ ومن ثم نحو الموت، وضد الحياة. والإبداع تمرد على الوضع الراهن، تجاوز لما ران واستكان وسكن وتجمد وتصلب، اجتراح للعجائبي، وتشوف إلى الحلم والمستحيل، تدفق للانفعال وتألق للخيال، قلب الإبداع ثورة على الركود والركون إلى كل ما هو ثابت وساكن وآسن ومتكرر. هناك تعريفات أخرى كثيرة للإبداع، ونظريات حوله، لكن الحيز المتاح لنا هنا لا يسمح بالاستطراد أكثر من ذلك في هذه التعريفات.

البنية التسلطية

تبين من دراسات نفسية واجتماعية كثيرة أن هناك عددا من الخصائص المميزة للاتجاه التسلطي والشخصية التسلطية منها أن سمة التسلط سمة قد تتعلق بشخصية فردية متسلطة أو بجماعة أو بمجتمع بأسره، وكذلك أن هناك بنية مميزة للتسلطية بشكل عام، لها عدد من الخصائص، وتتفق هذه الخصائص، في كثير منها، مع تلك الخصائص المميزة للتطرف وأهمها ما يلي: التقليدية (التمسك بالجامد والقديم وقيم الماضي والعائلة ومقاومة الجديد. والخضوع للسلطة الأعلى منها (السمع والطاعة). والعدوان التسلطي (على من ينتهك قيم الجماعة ومعاييرها وأهدافها). والتفكير الخرافي المتصلب النمطي الجاهز وغير الإبداعي. ومعارضة التأمل والتفرد والخيال والمرونة والإبداع. والميل إلى العنف والعدوان تجاه المغايرين والمختلفين معهم. وكذلك النزعة التدميرية والسخرية (إهانة الآخرين الآن عن طريق النت وبرامج التلفزيون) والسخرية فيها نوع زائف من التحقير للآخرين وشعور زائف بالتفوق لدى هذه الجماعات أيضًا. والإسقاط والإنكار: ويظهر ذلك في إسقاطهم لعيوبهم على الآخرين، وإنكارهم أيضًا وجود عيوب وسقطات وأخطاء لهم؛ وكذلك تلك الشكلية والمظهرية فالبعض يعتقد أنه لمجرد أنه ارتدى زيًا معينًا يستطيع أن يتحدث في كل شيء ويوجه الناس ويكون عليهم السمع والطاعة له أيضا. والاهتمام بالأمور والتعبيرات الجنسية. والميل إلى الإغلاق المعرفي في مقابل الانفتاح المعرفي (رفض الجديد والاحتمالي والنسبي) والانغلاق الاجتماعي (الأهل والعشيرة) في مقابل الانفتاح الاجتماعي (البشر كافة). والأحادية في النظر إلى الأمور والظواهر في مقابل تعدد الرؤى ووجهات النظر. والميل إلى القطعية والحسم بدلا من القول: “ربما”، و”أظن”، و”يحتمل” وغير ذلك من التعبيرات الدالة على التفكير الاحتمالي النسبي الترجيحي؛ وكذلك الاهتمام باللفظي والسمعي في مقابل البصري والخيالي، وبالثابت في مقابل المتحول. والتفكير الاجتراري التكراري في مقابل التفكير الحواري الابتكاري الإبداعي. وأيضا التمركز حول الذات والجماعة، بدلا من التمركز حول الآخر والوطن والإنسان. وأيضا تأكيد التشابه والاتفاق والنمطية، بدلا من التركيز على الاختلاف والتفرد (موضوعات الكلام والأزياء والنظرة للمرأة والمغايرين في الدين والصور النمطية عن ذاتهم وعن الآخرين). والتفضيل لنمط من القيادة الاستبدادية لا الديمقراطية يقوم على أساس القيادة المتصلبة الجامدة بدلا من القيادة اللينة المتسامحة. واللجوء إلى الضغوط على الآخرين وتهديدهم من أجل القمع والإخماد والكبت لروح التمرد والمعارضة والثورة لديهم. وكذلك الميل إلى المحافظة على الوضع الراهن ما دام في صالحهم.

ويضاف إلى ما سبق أيضا استخدام العلم والتكنولوجيا (النت- التلفزيونات- الموبايلات) لأغراض غريزية بدائية سابقة على الحضارة (السخرية-السباب-التسجيل للآخرين وتهديدهم- تدبير عمليات انتحارية.. إلخ). والانكفاء على الذات، فالمجال الخاص بالسلطة والمصالح، بالنسبة إليهم، مغلق عليهم، مع شعور دائم بالتهديد عبر مسارهم التاريخي وهو شعور يتفاقم بذلك خلال الظروف غير المستقرة (أوقات الحروب-الكساد الاقتصادي-السجن-الثورات.. إلخ) مما يدفعهم للبحث عن الأمن، غير المهدِّد، الثابت الجامد المغلق بصرف النظر عن ما قد يحدث للآخرين بسبب ذلك الاتجاه. وكذلك الافتقار إلى ما يسمّى بالتركيب المعرفي التكاملي أي النظر إلى أيّ ظاهرة على أنها متعددة الأبعاد تحتوى على الذات والآخر والتاريخ والبشر الذين يختلفون ويأتلفون.. الخ، ومن ثم نجد أن ما يميزهم هنا هو التبسيط المعرفي للمواقف والظواهر والعلاقات وبما يناسب رؤيتهم الضيقة أو المحدودة أو المغلقة؛ فالعالم لديهم ثنائي الطابع والاتجاه فقط (من ليس معي فهو ضدي).

ويضاف إلى ما سبق أيضا ما يحدث في الأنظمة القمعية والتسلطية من استخدام للدين والذي ينبغي أن يكون لصالح الإنسان؛ من أجل التخويف والترهيب والتعذيب والتدمير وتعذيب الوعي؛ أي من أجل غايات عكس أهدافه الحقيقية. والافتقار أيضا إلى ما يسمي بيقظة الضمير (الخداع والكذب وإثارة الفوضى والغموض والسرية والضغط العدائي والعدواني على الآخرين). وأيضا نسبة الإخلاص والتفاني والدافعية للإنجاز والقوة والانتماء والمثل العليا والتدين الحقيقي إلى أنفسهم ونكرانها على الآخرين. والشعور شبه الفصامى (كلية القدرة وكلية الحضور في العالم). وأخيرا ذلك الميل للنمط المحافظ (في مقابل الراديكالي) في التفكير والشعور والسلوك وكذلك عمليات التفضيل لنوع معين من الفنون (القديم تحديدا) ونوع معين أيضًا من الأدب (الواقعي تحديدا).

ثقافة الإبداع في مواجهة ثقافة الإرهاب

نحن نرى أن التسلط في جوهره نوع من الإرهاب، وإن بمعنى مختلف عن المعنى السائد الآن حول الإرهاب، لكن يمكن القول إن ثقافة الإبداع هي الجديرة أكثر من غيرها بمواجهة ثقافة الإرهاب، فهناك فروق جوهرية بين هاتين الثقافتين، ومنها تمثيلا لا حصرا: أن الإبداع تفكير في نسق مفتوح يهتم بالتعدد والتنوع والكثرة والاختلاف، ووجود أكثر من إجابة للسؤال الواحد، وأكثر من حل للمشكلة الواحدة؛ بينما التسلط تفكير في نسق مغلق يقوم على أساس النمطية والتكرار والتفكير الدائري المتقبلة الجاهزة والإجابة الواحدة والقطعية، فالعالم مغلق، قد اكتمل، وأين اكتمل؟ هنا، عندنا، عند ما نراه وحوله، وعند كل ما يتعلق بنا، وكذلك يقوم الإبداع بالتركيز على المستقبل، ولا يهمل دور الماضي أو الحاضر، وإنه في الإمكان أبدع مما كان، بينما تهتم ثقافة التسلط بالتركيز على الماضي، وعلى أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، كما أنها تعارض التأمل والتفرد والخيال ومرونة التفكير. وبينما يشجع الإبداع على التمرد الإيجابي الفعال لصالح المجتمع والإنسان، مع التأكيد على أهمية الخيال والتفكير الاحتمالي النسبي الترجيحى؛ فإن ثقافة التسلط والإرهاب تؤكد على السمع والطاعة، والتنفيذ الجامد للأوامر، كما أنها تمارس العدوان التسلطي (العدوان اللفظي والبدني) على كل من يهدد معاييرها أو قيمها أو أهدافها.

تقوم ثقافة الإبداع على أساس المصارحة والمكاشفة والاعتراف بالأخطاء والتصحيح الذاتي، بينما تقوم ثقافة التسلط على أساس الإسقاط والإنكار وكما سبق أن ذكرنا. ويرتبط الإسقاط والإنكار مع ما يسمى في دراسات الإبداع “بالميل إلى الغلق المعرفي”، ويتجلى ذلك في عدم رغبة أتباع ثقافة المتسلطين في تغيير أفكارهم ومعتقداتهم، والرفض لكل ما هو جديد واحتمالي ويختلف عن رؤيتهم الجامدة للعالم.

وهكذا فإن ثقافة التسلط ثقافة منغلقة حول ذاتها وليس ثقافة منفتحة على الآخر؛ بينما الإبداع هو رسالة موجهة إلى الآخر من أجل صالحه، وقد كانت ثقافة الإبداع، وما تزال، هي الدافع الذي أدى إلى تطور الإنسانية، وظهر ذلك عبر الاختراعات العلمية الكثيرة المتتالية التي جعلت الحياة أيسر، والتواصل بين البشر أعمق، هكذا قدم الإبداع العلمي، تمثيلا لا حصرا، الميكروسكوب (1590) والتليسكوب (1609) التصوير الفوتوغرافي (1839)، السينما (1895)، التليفزيون (1926)، الكمبيوتر(1941) الإنترنت (1969) … وغيرها.

فماذا قدمت ثقافة التسلط والإرهاب ؟ لا شيء، بل إنها، على العكس من ذلك، تستخدم التكنولوجيا والعلم (الإنترنت-الموبايل- التلفزيون… إلخ)، لأغراض بربرية بدائية تعمل ضد الحضارة (التدمير-العمليات الانتحارية والتفجيرات- البرامج التلفزيونية المليئة بالحقد والتشفي والعدوان …إلخ).

كذلك ترى ثقافة الإبداع أن الدين هو طاقة إيجابية بناءة تساعد على التكيف مع الحياة والتوافق مع الآخرين، وكذلك تحقيق السعادة والهدوء والأمل والسكينة والخير في الدنيا والآخرة، وهذه كلها جوانب إيجابية وطيبة. وحالة الرضا حالة تقوّي جهاز المناعة الفردية والجماعية، على عكس ثقافة التسلط الإرهاب التي تحاول أن تدمر هذه الحالة من المناعة عن طريق إثارة الخوف، وكذلك إشاعة الشعور بعدم الأمن والأمان.

يفتقر المتسلطون كذلك إلى المرونة العقلية، فهم متصلبون يقاومون التغيير أو الاعتراف بالخطأ، في حين أن المرونة وتغيير وجهة النظر أو أسلوب التعامل مع الأزمات، عند الضرورة، ومن أجل التكيف الأكثر كفاءة مع الواقع والحياة هي إحدى المكونات الأساسية للإبداع. والمرونة في أبسط تعريفاتها هي: قدرة إبداعية تتطلب تغيرا في التفكير والسلوك يناسب التغيرات في الظروف والمواقف، المرونة تعمل ضد الإغلاق والانغلاق، المرونة تسعى نحو الانفتاح، المرونة تجاوز لتنظيم قائم نحو تنظيم جديد، المرونة تغير في مسار التفكير، المرونة هروب من التصلب والاجترار والعود الأبدي والدوائر المغلقة المرونة كسر للنمطي والسائد والمستقر، المرونة قفزة ووثبة عقلية مناسبة وتكيفية في اتجاه إنتاج جديد مفيد، المرونة إدراك للنقض والنقائص، المرونة اندفاع موجه، المرونة بحث عن مسالك جديدة للفكر والفعل، المرونة استبصار وتأمل، ووعي المرونة خروج من أسر القوالب الصامتة المصمتة ووقوف في حضرة الآفاق الجديدة والمتجددة والخصبة التي لا تلبث بدورها أن تصبح قديمة، المرونة ليست مشاركة في حروب اليوم بأسلحة الأمس، بل هي سعى للهروب من أسر الضرورة إلى رحابة الحرية، المرونة تجاوز واجتياز للظروف المعاكسة، وغير المشجعة، وغير المدعمة، المرونة بحث عن البدائل ونظر إلى الموضوع، أو الفكرة، من أكثر من زاوية، المرونة التفاف ودوران، المرونة لا يحدث إبداع بدونها، وفي غيابها تتوفر الفرص كلها لظهور التصلب والتسلط والتطرف والإرهاب.

وليس هناك من حل، في رأينا، أمام ثقافتنا المتراجعة المتسلطة الراهنة، سوى أن تشيع فيها، وعبر برامجها التربوية والتعليمية والإعلامية والثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، تلك الثقافة التي قامت على أكتافها الحضارات المزدهرة والمتقدمة والقوية، قديما وحديثا، وهي: ثقافة الإبداع.


كاتب من مصر