مثقفو القوة

إذا كانت الثقافة تحتاج إلى القوة، فإن القوة البعيدة عن الثقافة ستكون غاشمة ومستبدة وطاردة. هذه المعادلة باتت تطرح نفسها -اليوم- بوصفها تعبيرا عن وجود أزمة حقيقية في صناعة الاستراتيجيات الثقافية، وفي غياب الشرعنة الأخلاقية للوظيفة الثقافية إزاء صعود كثيرٍ من مظاهر العنف الطائفي والإثني والجماعاتي.

الجديد  علي حسن الفواز [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(20)]

عاصم الباشا
هذه المظاهر تصطنع لها خطابا ورأيا عاما، مثلما تصطنع لها جمهورا مقصودا، تُصاغ له الرسائل والأفكار المُهيّجة، وبما يجعله أكثر استعدادا للتفاعل التواصل مع الموجهات العُنفية التي تفترضها القوة العصابية، وتحت يافطات صيانية متعددة، وأوهامٍ لها علاقة بثنائية الهويات (القاتلة والمقتولة).

صورة “المثقف القوي” قد تكون غير مألوفة وغير واضحة الملامح، لكن أنْ يكون هذا المثقف جزءا من المهيمنات الجماعتية والدينية والأيديولوجية وربما فهذا يعني تحويل خطابه الثقافي إلى مشجبٍ للأسلحة، وتحويل ممارساته إلى إشهار لفرضية العنف والرقابة والسيطرة، ولإسباغ ما يبرر شرعة القوة بوصفها تكريسا للسلطة والاستبداد والعصاب الذي يقف وراء هذه القوة.

لقد ظل مفهوم القوة تاريخيا محصورا في السلطة، فهي تحتكر كلّ شيء، بدءا من الحاكمية وانتهاء بالأفكار، لكن تحرير القوة “الثقافية” خارج سياقها يعني اصطناع نواميس مغايرة ومفارقة لها، يمكنها أنْ تناظر السلطة في احتكارها لوظائف القوة والإخضاع والتخويف، وتضخيم صورة المثقف الجماعاتي و”الهوياتي”، بوصفه المسلّح، أو بوصفه المحشو بكثير من أفكار الغلو والتكفير والكراهية، والتي تعني إباحة القتل شرعا، وترحيل الخطاب الثقافي من لحظته الإنسانية المسكونة بالحرية، إلى لحظته الأصولية، تلك التي تُلزِم بتطبيق أحكامها الظاهرة، وحصر فهم السلطة بوصفها آلية لتطبيق لهذه الأحكام، والخضوع لولاية الأمر الشرعي..

فمن يُشاهد بعض الفضائيات العربية ومن يقرأ عديد المقالات التي تُنشر في صحفنا العربية سيجد صورة “مثقفي القوة” أكثر حضورا في التعبير عن أوهام السلطة، وعن مظاهر عنفها واستبدادها وقمعها، والأدهى أن يكون الـ”هؤلاء” كما يسميهم مجيد طوبيا أكثر شراسة وعنفا في التعبير عن فقه السلطة، حدّ أنهم يبدون وكأنّهم أكثر من السلطويين ذاتهم.

هذا الأنموذج يدرك أنّ هذه الوظيفة مدفوعة الثمن، وأنّ عطايا السلطة أكثر آمانا له من عطايا الضمير، وأنّ ما يناور حوله، أو يدافع عنه لا علاقة له بنظريات الثقافة ولا بمناهجها، ولا حتى بمرجعياتها الأنثربولوجية والسوسيولوجية، بقدر ما أنّ صورته ستحافظ على بريقها، لأنها ستكون جزءا من حائط السلطة ومن مهرجانها وأوهامها، وأنّ الحديث عن مثالب هذا النزوع المرضي سيكون خارج السياق، فالسلطة تعوّدت أن تشتري ما هو رثّ، وأنْ تصطنع له مساحات للفرجة واللذة، والإيهام بأنّ صناعة هذا المثقف المُلفّق لها ما يشابهها في التاريخ، والتي لا يمكن فصلها عن عقدة السلطة واستبدادها ومنظوماتها الخطابية التي تنافق وتُغالي وتجعل الحاكم هو ذاته الإمبراطور العاري في حكايات هانز كريستيان أندرسون.

مثقف الحاكم أو مثقف الإمبراطور هو ذاته مثقف الجماعة، فكلُّهم يدافعون عن الفكرة التي تخصّ الحاكم والفقيه، والتي تخصّ -أيضا- الزيَّ والخطاب والتأويل، وبما يُعطي لهذا المثقف دورا أكثر بشاعة وتطرفا في الإبانة عن مظاهر قمع المختلف والمعارض، وتعويم أيّ أفكار عن الحوار والمشاركة والقبول بالآخر، لأن هذه الأفكار ستعني القبول بالزندقة والمروق والخروج عن الطاعة وولاية الأمر وعن عصاب الأدلجة وعن فقه الحاكم أو الجنرال وأمير الجماعة وصاحب حسبتها.

وسط هذا الإرهاب الثقافي سيكون النقد وظيفة حذرة أو غائبة، وأنّ الأنموذج المتعالي للمثقف سيكون بعيدا، وأن استعمالاته ستكون هي الأخرى محفوفة بالخطر، مقابل أنّ “مثقفيّ القوة” سيكونون أكثر تشبيها بأصحاب الرايات السود، والذين يجدون في المشهد الإعلامي العربي حضورا وتسويقا وتضخيما، وأهلية في التعبير عن مظاهر القوة ذات المرجعيات والفتاوى “الفقهية” في إباحة التكفير والقتل والإخضاع، لكي يسدّوا الطريق على المختلف، ولكي يطوّعوا الآخرين ويهددوهم بأنّ الطريق إلى المعرفة يبدأ من هنا، لأن الـ”هناك” سيكون نوعا من الجحيم أو المنفى أو المقبرة.


كاتب من العراق