أزمة الخطاب المعارض ونكوص تجربة التحول في العالم العربي

هل كان للدم الغزير الذي سال في الساحات العربية من معنى غير الرغبة في التغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية والرفض للاستبداد، وهل كان من باب المصادفة أن تخرج جحافل المتظاهرين في وقت قياسي وأن تتوحّد في صفوف تحت شعارات موحدة تبدأ بإسقاط الفساد وتنتهي بإسقاط النظام؟ هل من الممكن أن يكون لتيار سياسي القدرة على إخراج هذا العدد من المتظاهرين إلى الساحات العامة وتوحيد مطالبها، وإذا لم يكن ممكننا أليس من الممكن استثمار خروجها وتأطيره لبناء أوطان تحترم فيها الحقوق وتصان فيها الحريات؟

الجديد  إبراهيم أزوغ [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(86)]

لوحة: كمالا اسحق
إن من حسنات الربيع العربي على الرغم من الحصيلة الوخيمة التي مني بها من الدم والدمار والخراب في العديد من البلدان العربية، أنه كشف الوجه عن المستور أو ما كان في حكمه من اختناق الشعوب العربية وحنقها من مظاهر الظلم والحيف والتهميش والفقر والقمع التي تعيش في ظلها، وتعبيره عن الرغبة قولا وفعلا في التغيير، وفي الوقت ذاته طرح سؤال الحاجة إلى خطاب سياسي ينتظم الجماهير العربية المحتجة ويقودها إلى التغيير والتحول الديمقراطي المنشود.

أزمة المعارضة

من نافلة القول بأن هذه المقالة لا تسعى إلى تقديم حلول لأزمات الفكر في علاقته بالأنظمة السياسية العربية ومعارضاتها، لأن ذلك أوسع من أن تحيط به، وأبعد من رهانها، ولا نهدف من خلالها إلى اقتراح تصور أو برنامج فكري لأن ذلك من شأن التيارات العامة للتفكير، كما لا نقصد إلى ترجيح كفة تصوّر عن غيره من التصورات لما يستدعيه ذلك من تضافر جهود أفراد المجتمع ومؤسساته ونخبه المثقفة برمتها في مقاربة أزماته من زوايا مختلفة انطلاقا مما تحصّل لديها من معطيات ثقافية واجتماعية واقتصادية.

من الراجح لدينا أن أزمة التفكير المعارض من باب التجديد والتغيير في العالم العربي اليوم لا تتصل بخلل في الفكر ومؤسساته وحسب، وليست المعارضات الفكرية قابلة للتجاوز بإجراء تعديلات على مصطلحاتها وبرامجها وصيغها ومقترحاتها لتواكب المرحلة وما تعرفه من تحولات، وإنما هي في حاجة إلى “إعادة بناء” للذات تستلزم في البداية اكتسابها للمشروعية التي فقدتها تدريجيا ابتداء من العشرية الأخيرة من القرن الماضي وبشكل واضح في مطالع هذا القرن.

من المسلّم به في أعراف التفكير والسياسة وقوانينهما أن هدف كل معارضة فكرية أو سياسية يتمثل في الوصول إلى السلطة، وفي سبيل ذلك تعتمد مختلف الصيغ والوسائل التي قد تمكّنها من تحقيق أهدافها وغاياتها كلاّ أو بعضا، وفي مقدمة هذه الصيغ حمل شعار إنقاذ المجتمع من الهاوية التي تقوده إليها السلطة الحاكمة، أو التي قد يقبل عليها أو يقترب منها مثلما فعلت المعارضات العربية خلال فترة السبعينات والثمانينات من القرن العشرين وخاصة تلك التي رفعت منها شعارات الفكر الاشتراكي، أو إظهار التبني لأفكار تتصل بنظام القيم والمثل العليا في المجتمع وهو ما أفلحت فيه أحزاب الإسلام السياسي، غير أن الأولى والثانية فشلتا في الحفاظ على المشروعية والتمثيلية، بعدما ضمنت كل منهما لنفسها قاعدة جماهيرية واسعة خوّلت لها إحراز نتائج مكنتها من الوصول إلى السلطة بسبب فشلهما معا في تحقيق الأهداف التي سطرتها كل منها تحقيقا عينيا فصارتا معا صورة من صور النظام الاستبدادي.

إن الجمع بين النظام السياسي ومعارضته في العالم العربي يعود إلى كون ما يعتور النظام السياسي من أعطاب قد انتقل إلى معارضته بعدما استطاع أن يجعلها من حيث الجوهر مؤسسة من مؤسساته التي تيسّر عليه تنفيذ مشاريعه واستراتجياته وتشرعن لها وتحول دون معارضة الشارع لها أو رفضها رفضا باتا، ولقد كان من نتائج هذا التحول وأسبابه التي يصعب الفصل بينها ما أدى إلى طبع المعارضة السياسية بجملة من السمات نعرضها كما يلي:

الإخفاق في تحقيق التحول

إن فشل ثقافة المعارضات الفكرية والسياسية العربية خلال المرحلة الأولى في تحقيق أهدافها لا يعود فقط إلى ما لحقها من قمع السلطة الحاكمة وما نخرت به هذه الأخيرة هياكلها وقواها من اختراق، ولا إلى اللاتوازن الواضح بين ما رفعته من شعارات التغيير وقدراتها وإمكاناتها في الفعل، بل وبالدرجة الأولى إلى كون شعارات الثورة والتغيير الجذري التي رفعتها كانت مطلبا نخبويا لا يتجاوز هياكلها التنظيمية إلى أن يكون مطلبا مجتمعيا، وقد قادها هذا الخلل إلى أن تقدم في المحصلة نتائج وخيمة تبدأ بالشهداء والمعتقلين والمنفيين وتنتهي بالخونة والانتهازيين وبفقدان القاعدة الجماهيرية والمصداقية السياسية.

أما في المرحلة الثانية فنحسب أن الفشل يعود إلى عدم امتلاك هذه المعارضات الفكرية للبرنامج السياسي وعدم درايتها بالممارسة السياسية وبدواليبها، وهو ما سَيّرها إلى عصى في يد الأنظمة الاستبدادية الحاكمة وصيغة لإبادة فكرة وإمكانية تحقيق التحول الديمقراطي المنشود في المجتمعات العربية، وعَدْمِ رائحة الثقافة الديمقراطية في الأوساط السياسية وسيكون من نتائج عدم الدراية تلك ثلاث نتائج خطيرة على المجتمعات العربية نعرضها كما يلي:

• العدمية السياسية: إن المقصود بالعدمية في هذا السياق هو ببساطة فقدان المجتمع بأطيافه ونخبه الفكرية المختلفة الثقة في الفعل السياسي للمعارضة ودورها، وقدرتها وإمكاناتها في تحقيق الأهداف التي ترفعها وفي قيادة المجتمع إلى التغيير، ويستتبع ذلك امتداد هذه العدمية إلى فقدان الثقة في المؤسسات والهيئات النقابية والحزبية والمجتمع المدني وانسداد الأفق وسيادة اليأس من التغيير والتحوّل وهو الأمر الحاصل في معظم البلاد العربية التي قاد فيها ما أطلق عليه حراك “الربيع العربي” الحركات الإسلامية إلى السلطة.

فشل ثقافة المعارضات الفكرية والسياسية العربية خلال المرحلة الأولى في تحقيق أهدافها لا يعود فقط إلى ما لحقها من قمع السلطة الحاكمة وما نخرت به هذه الأخيرة هياكلها وقواها من اختراق، ولا إلى اللاتوازن الواضح بين ما رفعته من شعارات التغيير وقدراتها وإمكاناتها في الفعل، بل وبالدرجة الأولى إلى كون شعارات الثورة والتغيير الجذري التي رفعتها كانت مطلبا نخبويا

• الشعبوية السياسية: إذا كان المقصود بالخطاب الشعبوي في الغرب الخطاب الموجه بالأساس إلى الفئات الشعبية وقد ارتبط أساسا بالتيارات الفكرية اليسارية والتقدمية قبل أن يكون خطابا لليمين كذلك، فإن تعريفه ومقصديته ومحصلته في العالم العربي كانت تتفيه الخطاب والفعل السياسيّين وهو ما تشهد عليه خطابات الأغلبية كما المعارضة في المجالات السياسية العربية.

• الإرهاب وإذكاء الإيمان بالعنف في التغيير: إن الفشل الذي منيت به تيارات الإسلام السياسي في التغيير وبناء دولة دينية مثالية، وما قادها إليه من فقدان للمشروعية السياسية وثقة القاعدة الجماهيرية، هو ما رسم أنفاقا مظلمة تقود عبرها الطائفية وفتاوى فقهاء الظلام وأنصاف العلماء وأرباعهم المجتمع إلى الدم والدمار والخراب قاعدة، بدل الحوار والتداول والتوافق والاتفاق والاختلاف حول التدبير والتسيير لشؤونه.

تحولات المجتمع وجمود الفكر

شهد العالم العربي برمّته ويشهد تحولات نتيجة ما يعرفه محيطه المحلي والدولي من متغيرات مست السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، في حين ظل الفكر السياسي العربي حبيس مرجعيات فكرية وأيديولوجيا إنتاجها وكان محكوما بشروط مختلفة تماما عن الشروط التي يعيشها العربي اليوم، والحال أن السياسة باعتبارها علما وممارسة لا تعني كما ذهب المفكر عبد الإله بلقزيز غير”فكر متأقلم مع الواقع في سيرورته وفي صيرورته، في حركية تطوره الموضوعي وفي المآلات والمصائر التي يستحيل إليها وممارسة متكيفة مع متغيراته ومستجدّاته الواقعية الجارية بمقتضى قوانين موضوعية هي عينها قوانين الواقع″.

وإذا كان هذا الخلل في الفهم قد نتج عنه من جهة تخلف فكر المعارضة عن حركية الواقع العربي، فإنه من جهة ثانية جعل من المعارضات العربية منذ نهاية الستينات من القرن العشرين إلى اليوم معارضات مؤسسة على امتلاك الحقيقة، والحقيقة واحدة، وقدرتها دون غيرها على العبور بالمجتمع من الاستبداد وأثاره إلى مجتمع العدالة الاجتماعية، وذلك ما عكسته التصورات السياسية الاشتراكية الماركسية واللينينية. أو مؤسسة على اليقينيات والثوابت والأخلاق والقدرة على الارتفاع بالمجتمع إلى عالم المثال حيث يسود العدل ويحكم النص والشورى، بعيدا عن شعارات الديمقراطية والحرية والمساواة التي مضمونها تارة برجوازي رأسمالي، وأخرى غربي كافر.

إن هذا الفهم والانغلاق والرؤية الأحادية اللذين نتجا عنه هو ما قاد فكر ونشاط المعارضات السياسية العربية باختلاف مرجعياتها وتصوراتها إلى العقم والعجز عن صياغة برامج بديلة تخرج بالأوطان العربية وشعوبها من أزماتها وتخلفها، وهو عينه ما قادها إلى الفشل في التواصل مع الشباب خاصة، وشد انتباهه إليها وجعله متفاعلا معها وقاعدة لها، ما بجعل أحلامه ركنا من أركان أفقها السياسي.

التبعية والاستبداد

أغلب المعارضات السياسية العربية اليوم تعيش أزمتين؛ أزمة داخلية تجلت في استبداد قياداتها بإدارة أجهزة أحزابها وتسييرها والانفراد بقراراتها بعيدا عن التداول للتسيير كما اتخاذ القرار، وهو ما جعل منها صورة مصغرة للسلطة الحاكمة وحوّلها إلى مؤسسات تنعدم فيها الديمقراطية وتسود فيها الانتهازية والبيروقراطية والدوغمائية الفكرية، وأفقدها التمثيلية وأورثها الانشقاقات والتمزّقات، وأزمة ثانية ناتجة عن الأولى تمثلت في فقدانها لاستقلالية القرار السياسي، فالمعارضة السياسية في العالم العربي حولت نتيجة ما لحقها من أعطاب وظيفتها من تمثيل الجماهير الاجتماعية، أو قسم منها على الأقل في الدفاع عن مصالحها، والتعبير عن رغباتها، إلى أدائها لوظيفة أخرى تجلت في حصر أفق المطالب الاجتماعية والسياسية للناس والالتفاف حولها ولجم احتجاجاتها، وسواء أكانت التبعية للداخل؛ للسلطة الحاكمة أو للخارج، فإن ذلك سبب من أسباب فقدان الشرعية والقدرة والفاعلية في أداء أدوارها.

إن أهمية الفكر السياسي المعارض تتمثل كما في تصور بلقزيز في “صون الحياة السياسية من الاضطراب ومدها بأسباب الاستقرار”، وهو بالنسبة إلى السلطة الحاكمة كما للمجتمع وأفراده صمّام أمان، ووجود هذا الفكر ومؤسساته بالغ الأهمية باعتباره صوتا أساسيا من أصوات المجتمع وصيغة ضرورية من صيغ التعبير عن إرادة التغيير من جهة متابعة القرار والأداء الحكوميين، ومن الطبيعي أن يكون فشل حركة الفكر المعارض ومؤسساته نتيجة لجملة الأسباب الذاتية والموضوعية التي ذكرنا بعضها تفصيلا أو تلميحا، وصرفنا النظر عن أسباب أخرى لا تقل أهمية عنها في شل حركة المعارضة السياسية في الوطن العربي وقيادة الفعل السياسي جملة إلى الانحطاط والعدمية، وهو ما يفرض بالضرورة إعادة طرح سؤال ما العمل؟ ومحاولة تقديم إجابات له تنطلق من تشخيص الوضع العربي ومعارضاته ونقد للذات، وينتهي بإعادة بناء لما طاله الهدم في الفعل السياسي على المستويين التصوري والتنظيمي، وفي هذا السياق نقدم بعض المقترحات التي نراها كفيلة بالعودة بالفكر المعارض المتطلع إلى التغيير على وجه الخصوص إلى أداء أدوراه واستعادة وهجه وطاقته على الاستقطاب وممارستها الفعل بدل المراوحة في حيز الانفعال وتقديم مشاريع بديلة، ولعله الطريق الذي نعتبره ممكنا لانتشال الشعوب العربية من ظلمات التخلف والقمع والقهر الاجتماعي.

عود على بدء

لعلّ الخروج المتردد للشعوب العربية أو لفئات واسعة منها إلى الشارع للاحتجاج من أجل مطالب اجتماعية ومقاومة الاستبداد ورفض القمع الذي يطال الحريات يوما بعد يوم، ويأتي على الأخضر مما انتزعه بالدم والسجن، دون إحراز نتائج، دليل واضح على الحاجة الملحة لإعادة بناء المعارضة الفكرية والسياسية.

وتستدعي عملية إعادة البناء هذه، وهي عملية آنية لا تقبل الإرجاء أو التأخير لحساسية الظرف وعدم نضوج شروط التغيير المتصلة خاصة بعدم وجود تيارات ومؤسسات سياسية محل ثقة الجماهير وبرامج قادرة على جعلها تلتفّ حولها باعتبارها منبراً وبرنامجا مطلبيا وطنيا، معالجة ثلاث علل نخرت جسد الخطاب المعارض ولا يكون علاجها إلا بتجديد هذا الخطاب ومنابره.

ولا يكون تجديد الخطاب السياسي -بالدرجة الأولى- إلا بإعادة وصل الثقافي والفكري بالسياسي، وهو ما يؤكد الحاجة إلى اضطلاع المثقفين بدورهم الاجتماعي والتاريخي في التعبير عن مواقفهم تجاه قضايا المجتمع العربي وهمومه وأزماته، وبانخراطهم في التأسيس لخطاب يركز على عقل الجماهير ويسعى إلى إقناعها بمشروعية التغيير وإمكانيته، ويوازي مخاطبة الوجدان الذي يزرع الحماسة في سبيل تحقيقه.

إن انخراط المثقف في صياغة خطب التغيير المجتمعي هو الكفيل بتصحيح الأخطاء التي قادت قوى التغيير إلى الانفصال عن شروط الواقع والتاريخ وعن المبادئ والقيم في ممارستها وبرامجها وفي الانفصال نتيجة لذلك عن الجماهير، وسيمكّنها من قنوات جديدة لتجديد تصوراتها وتعديل برامجها وفقا لما تقتضيه حاجات المجتمع ومتغيراته، وتشييد رؤى جديدة في الثقافة والسياسة والاقتصاد لا تنحرف عن المبادئ ولا تشذّ عنها.

ومن شأن المثقف المنخرط في الفعل السياسي أن يكشف زيف المناضل الذي صنعه الإعلام والشعبوي اللذين طبعا الحياة السياسية العربية اليوم بالسطحية والانحطاط على مستوى الخطاب والممارسة، كما من شأنه أن يتصدى لفكرة امتلاك الحقيقة المطلقة والرؤية الواحدة الأحادية والتوظيف الأيديولوجي والسياسي للدين.

إن من أكثر الأسباب التي عجّلت بإفراغ المعارضات السياسية من دورها وجمهورها أن من عارضوا بالأمس القريب الاستبداد وكانوا في مقدمة الرافضين للبيروقراطية والانتهازية والإقصاء في تسير مؤسسات الدولة هؤلاء أنفسهم تحولوا إلى عقبة كأداء في طريق التغيير.

ولعل من المهام المستعجلة من أجل الخروج من حالة الجمود هو إتاحة الفرصة للأجيال الجديدة من الشباب العربي ليدلي بدلوه في مشروع التغيير، ويقدم بالتالي رؤاه التي سترفد حركة الفكر العربي برؤى جديدة ودم جديد.

وهو ما يحتاج حركة واسعة من التفكير النقدي ومن مراجعة التصورات السابقة التي فشل معتنقوها فشلا ذريعاً في جل معاركهم خلال المئة سنة الماضية.


كاتب من المغرب