تلويحة يد

الجديد  مريم الساعدي [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(91)]

تخطيط: حسين جمعان
لم يكن شيء قد اختلف. استيقظتِ هذا الصباح مثل كل صباح. كنتِ متثاقلة كالعادة. كان ملمس الفراش وطنك. بحثتِ عن زوجك، لم يكن في جوارك، لم يكن قد عاد بعد، مكانه بارد. ليلة أخرى قضاها حيث لا تدرين أين، ولم تعودي تسألين. في كل مرة حين كنت تسألين كان يجيبك بقبحٍ، بكرهٍ. كان ينظر إليك بغضب، كأنك اغتصبت للتو، وبعنف بالغ، حريته. فتركته لذاته، لم تعودي تسأليه، وبدا مرتاحاً أكثر، ولم يعد يكلّمك. إذا جلس كان يلاعب ابنته. وإذا قام لم يلتفت خلفه. يتركك نائمة أغلب الوقت والبنت في المدرسة. ولا تعرفين متى يعمل. يذهب صباحاً أحياناً، وأحياناً مساء، وأحياناً لا يذهب لأيام، يقضي الوقت في البيت معك، ولكن ليس معك. يلاعب ابنته، أو جهازه النقال، منشغل طوال الوقت بجهازه النقال. لم يعد يهمك أن تختلسي النظر إلى الشاشة لتعرفي ماذا يفعل، وإذا رنّ هاتفه لم يعد يهمك أن تتأكدي من المتصل امرأة أم رجل. هذا الرجل لم يعد يعنيك، منذ مدة. تريدين أن تقولي له: طلقني. ثم لا تجدين في نفسك حتى الطاقة الكافية للاهتمام بتركه. صرت هناك، مع نفسك، تفعلين أشياءك الخاصة. تنظفين البيت، تساعدين الخادمة في كل شيء. أحياناً تطلبين منها أن ترتاح طوال اليوم، لا تسألينها أيّ شيء. اشتريت لها جهاز تلفزيون وضعته في غرفتها، زيّنت غرفتها بالورود الجافة علقتها لها على السقف، وضعت لها أنواراً ملونة، اشتريت لها أباجورات تضيء وتخفت بألوان عديدة، أردت لها أن تكون سعيدة، هي كانت تشكرك كثيراً، ثم صارت تصمت وتتقبل هداياك كواجب مفروض عليك، وضعت لها ثلاجة خاصة ملأتها بالأطايب. قلتِ لها، أنت غريبة، كوني سعيدة، وإذا أردت العودة إلى أهلك، أخبريني، سأساعدك. لكنها لم تكن تذكر أهلها أبداً.

اهتممتِ بكيّ الملابس. صارت هوايتك المحببة. تعتنين بالكيّ، تأخذين القميص وتعيشين معه. حتى يصير ناعماً بدون كسرة مرئية أو خفية، تعتنين بالياقات والأكمام، النظافة هاجسك، والترتيب شغلك. تقولين الحياة جمال، على كل شيء حولك أن يكون جميلاً. وحين لا يكون زوجكِ موجوداً يصير الجوّ خفيفاً وتضحكين مع ابنتك، تعلّمينها الحروف والأرقام والكلمات الصغيرة وتردد خلفك وتضحكين، ثم صارت تغضب كثيراً وتبكي كثيراً تريد “بابا”. وما إن يعود “بابا” حتى لا تعرفك، يأخذها كلها له، ولا يترك لك منها شيئا، وهي لا تريد منك شيئا.

في ذلك الصباح لم يحصل شيء مختلف، كنتِ قد استيقظتِ بتثاقل، وقلتِ ستنامين بعد أن توصليها إلى المدرسة. ألبستِها ملابسها، صفعتكِ غاضبة لأنكِ تضعين لها سندويشات لا تريدها، تشيحين وجهك، ثم تُقبّلينها، تعتذرين لها، تحاولين احتضانها، تتملص، تسير أمامك، تفتحين لها الباب، تجلس بجانبك في السيارة، تشيح بوجهها إلى النافذة طوال الوقت، توصلينها بصمت. تدخل إلى المدرسة دون أن تلتفت إليك، تلوّحين بيدك إليها، “باي حبيبتي”، تقولين لها. لكن لا تنتبه لما تقولين.

لا تعرفين إلا أنكِ كنتِ تقفين هناك ملوحة لها بالوداع.

يقول تقرير الشرطة إن سيارتكِ اتجهت مباشرة إلى تحت الشاحنة الضخمة، إن الشاحنة كانت تسير في طريقها دون أن تحيد عنه، وأنكِ سرتِ متعمدة ودخلتِ بسيارتك الصغيرة إلى تحت عجلاتها الكبيرة، فهرستك.

يقول التقرير إن كل ما وجدوه من بقاياك لم يكن يكفي ليشكل جثة. لكنك لا تذكرين إلا أنكِ كنتِ تقفين هناك، أمام بوابة المدرسة، ملوّحة لابنتك بالوداع.


كاتبة من الإمارات