مياه ضحلة

الجديد  محمد ميلاد [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(96)]

لوحة: كمالا اسحق
تماثيل

عُواء الذئاب الذي قرص مسامعهم من بعيد

قد يكون عطّل عَبَق الشهوة في ترائبهم،

والكلماتُ التي راوغوها

وظنوا أنهم نجَوْا من حريرها،

طفَتْ فجأة كنشوة مستحيلة على ظلالهم المتسلخة،

فاضطربتْ في عتمة المصابيح أرواحُهم

كمثل الدلافين في مياه ضحلة.

لقد قايضوا الصمتَ الذي سقوْه من ضفافهم

بجذع مُتقطِب،

وانتظروا أن يشجّعهم يأسُهم،

لكنهم عندما عادوا أدراجهم وجَدُوا تماثيلَ

لا تشبههم.

لم يَفتح لهُمُ الوضوحُ سوى نوافذ عمياء،

ولم تَرْفأ أعماقَهم إبرةُ الهذيان.

****

السّرطان الناسك

تفنَى الرِّخويات وتبقى قواقعُها آثارا متناثرة كالقبور المهجورة

كي تتبادلها السّرطانات الناسكة كلما نمتْ أجسامُها العارية العَطوبة.

تنتقيها مثلما تُنتقَى العبارةُ على قدْر ما يتسع الصمت أو يضيق.

يَحدُث أن يتنافس سرطانان على الصَّدَفة نفسِها،

لكن سرعان ما يسبق أحدُهما الآخر ليرقص رقصته الدائرية

ويُولِجَ فيها ذنَبَه المُقَرَّنَ شاهرا في الفوَّهة كلابتَه الهائلة،

ودون حاجة لأنْ يقيسَها يدبّ بلا عناء أو تضجّر،

كأنه يرتديها من زمن بعيد،

أو كأنما وُضعت مُسْبقا على مقاسه.

قد تكون روحُ المرء صَدَفَتَه التي لا يغيّرها، ينوء بحملها

طول حياته إلى أن تلفظه يوما لفرط ما تضيق.

*******

عبّاد الشمس

إذا كان يتعذر التحديق في ضوء الشمس، فمن الممكن

تأمّلُ هذه الزهرة التي تحاكيها بقرصها العريض وخُصْلاتِها

الصّفراء الساطعة.

منتصبة على ساق واحدة مستقيمة، تبدو وكأنها ساعة جدارية،

لكنها ليست بحاجة إلى عقارب أو جرس،

فهي تعرف كيف تقدّر الوقت نهارا إذْ تميل حيثما مالت الشمس،

تدُور حتى يكاد أن يلتويَ عنقها،

ولا توقفها سوى ظلمة الليل،

لكنها لا تسكن لتهجع مثل سائر الكائنات،

وإنما لتبدأ بالتراجع إلى نقطة الانطلاق،

متهيّئة لطلوع الصّبح.

*****

الصّدأ

كمثل التهاب الأنسجة بتأثير الجراثيم،

تنكشف بقع الصدأ،

فتسري سريان الطّفْح الذي تحمرّ بُثورُه

إلى أن تنفجر كالبراعم ببتلات قليلة غالبا.

وقد تبدو كالجلد المتسلخ المطويّ الأطراف

أو تنتشر على شكل رُقاقاتٍ

تَخْمُش وجه الهواء،

لكنها لا تتكسر ولا تتساقط

ما لم تفرُكها الأصابع.

عبثا تُقَشَّر الحراشفُ المتراكبة،

فلا أمل بالوصول إلى الجذور لاستئصالها،

فهي ناشبة خارج المعدن الذي أفرزها،

أي في رطوبة الهواء نفسه أو في الماء…

إذا كان الذهب كذبة، فالصدأ هو الحقيقة الوحيدة،

لا تُفسِّر أثرَه التشابيه،

ولا يقوله إلا أنينُ مُفَصَّلاتُ الأبواب

وصريرُ البَكَرات

وهي تسحب الدِّلاء.


شاعر من تونس