الأبدية التي كانت

خواطر وأفكار وتأملات

الجديد  معتز نادر [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(98)]

لوحة: حسين جمعان
الأبدي والواقعي

ألم الوحدة فظيع.. رغبتي أن أحدّث شخصاً ما تسيطر أحياناً عليَّ اليوم بأكمله، لعل الآخر الشبيه مثلي وحدته تهيمن من زاوية أخرى، بتّ أعرف الأشخاص الذين يعيشون مع الوحدة من خلال معرفتي بنفسي، على الأغلب هم لهم عينان غائرتان، الوجه لا يكون حزيناً، بل السلوك هو الحزين. الروح المعذبة –الأبدية- ماذا تعني بعيداً عن الاستنزاف اللغوي الذي لا ينتهي ولا طائل منه.

لنعتبر أن الإنسان القلق على الدوام هو النفس المعذبة، والإفراز الفني الجذاب لتلك النفس المعذبة هو لغز الأبدية الإنسانية.. والأبدية الإنسانية هي نوع من المبالغة الإبداعية لوصف أشخاص قلقين -وهي أيضاً الانشغال الفكري بالخلود- أما الإفراز الواقعي للروح الفنية الحزينة فيقول إن الإحساس بالأبدية الإنسانية هو التعبير المفرط عن الأنانية الشفافة للكائن والإحساس الواقعي بها.

هذه الاختلاجات موجودة داخل الكائن وهي ليست كذباً، سأستبدل كلمة الأبدية بمصطلح “مستقبل الإنسان”، بالفعل الإنسان يحتاج أن يعيش أكثر من سنوات حياته كي يصل إلى حقيقته المعنوية، لكن المفاجأة ربما تكمن في أن مستقبل الإنسان ممكن أن يتحقق خلال لحظة واعية في حياته القصيرة التي يحياها، مستقبل الإنسان ممكن أن يتحقق قبل مستقبله البعيد وقبل موته عبر لحظة استشفاف وانفلات طاقة مفاجئ وغير محسوب تحاكي ذكرى مشوشة تحيط بأمانينا الخاصة، إنها لحظة العودة إلى الرحم.. العودة إلى الانتماء اللذيذ الذي يوفره عالمنا الباطني.. إلى البرعم الذي يتبنّى ذكرياتنا القادمة، أنا أشعر بذلك وأحسهُ.

إن المستقبل النفسي للإنسان هو لحظة واقعية مُعاشة وليست معنى لحياة حقيقية قادمة سيعيشها جيل بعينه. لكن هذا المستقبل لن يكون إلا في نفس من يستشعر الإحساس المتعاظم بالبهجة الهائلة غير المفهومة بمقابل لحظات مشابهة من الإحباط والاكتئاب المزمن التي ربما تؤدي بصاحبها إلى الانتحار كفعل مضاد لتلك السعادة، في الواقع هذه لحظة الإنسان المختلف، إنها سرّه الخاص، ذاك النموذج من الناس لن يمكنه العيش بلا توجهات ذات نزعة مستقلة فردانية وطوباوية أحياناً. بينما سينظر المفكر الفيلسوف متحدياً وأحياناً ناقماً على ذلك النموذج الخلّاق بوصفه يعاني من مواطن عدم الجدية، وسينزعج دائماً من عجزه عن تجاوز معنى وجود ذاك النموذج القوي وصعوبة عدم التفكير به. أدرك ذلك يقيناً وأتناغم معه.. أحلامنا اليومية وتعلقنا المستميت بالأشياء وطاقتنا العاطفية التي لا تجد مترجما لها.. هذه الأشياء هي لحظة الأبدية الزائفة والواقعية في الوقت ذاته، الأبدية التي كانت وليس التي ستأتي يوماً..

أنت تشعر في أوقات عديدة بأن شيئاً ينقص رفاهيتك الحالية وتقول في ذاتك لو كان هذا الشيء موجوداً فإن سعادتي ستكتمل، لكن في حقيقة الأمر وفي هذه اللحظة يكون شعورك بالسعادة كافياً، ووجود ذلك الشيء الناقص سيقلل عملياً من إحساسك الحالي بالسعادة.

أنت سعيد الآن بما تملكه ولن يضيف الشيء الناقص الذي تتخيله من روعة اللحظة الراهنة التي تحسها فعلاً بل سيقلل من طاقتها وسيجعلك لا تشعر بها كما هي الآن في لحظتها الحاضرة تحديداً.

إنك تجلس في حديقة مستمتعاً مع عائلتك بأجواء من المرح والألفة، ثم تقول في نفسك -لو أننا بجانب البحر سعادتنا تكون أكبر- ولكن ليس حتمياً أن تكون السعادة أكبر، في تلك الحالة ستكون ثمة سعادة تنوب عن السعادة الأولى إنما ليس بالضرورة أن تكون أشمل وأعمق.

الشعور السعيد الحالي هو الذي يدفعنا إلى التفكير بسعادة قادمة أكبر وأكثر سلاماً، لكنها قد لا تكون السعادة التي نتخيلها تماماً والتي ستنافس سعادة اللحظة الحاضرة الأكثر حدساً والأكثر شغفاً.

الشعور الأبدي المستقبلي هو شخصي يمثّل كل فرد فينا، كل كائن جسدي هو المستقبل الأبدي الذي سينتهي بموت المستقبل الشخصي.. هو الجثة الهامدة.. ولكنها الجثة التي عاشت أبديتها.

لو عرفنا جميعاً أين تكمن لحظة المستقبل المعنوية لتمنينا أن نعود إلى الوراء إلى زمن لا نعرفه بل نشعر بلحظاته -ذلك الزمن هو اللحظة الكامنة هناك في البعيد- في النفس عينها.

دائماً ما يتحدث الفلاسفة والمفكرون عن السعادة والموت والعبثية والعدم، هذا هاجس الفكر، إنه الحرمان من الاكتمال المعنوي التي تمثله لحظة الأبدية الواقعية الزائفة، الطفل الصغير يغفو هنيئاً بينما يرضع الحليب من ثدي أمّه، إنها لحظة الارتواء الكامل من الشعور بالاستسلام السعيد، ارتخاء الأسارير، نحن دائماً نبحث عمّا يشبه وضعية الطفل الصغير الغافي، وضعية أن تعبر أمامك الجبال والبحار بينما أنت تستمع مثلاً للسمفونية 40 لموتسارت، لحظة الكمال المعنوي هي عالم الطفولة وليست عالم الرجولة!

لطالما تحدث الإنجاز البشري عن الوعي غير المدرك للماضي الشخص.. غير المتمكن من ذاكرتك النفسية. اللحظة المكتملة الوعي هي المستقبل المُتَمَنى وبذات الوقت هي التي لا شأن لها بتطور الحضارة الإنسانية..

فالزمن يسير لا شأن له……؟!

عالم ممزق

لنشرد لحظة. الناس يحبون قصص الأنبياء ويجلّونها، لكنهم أيضاً يشعرون بالنقص حيالها، وفي الوقت ذاته لا يسمحون لأحد بتناول نبيهم بسوء ذلك لأن إهانة النبي بالنسبة إليهم هي في حقيقة الأمر تعرية لنفسيتهم وفضح لمشاعر النقص التي يمثلها تقديسهم لذلك النبي، وتمسكهم بالأفكار التي جاء بها هي تأكيد آخر على الضيق الذي ينتاب خيبتهم ونكستهم العاجزة وبالتالي الشعور بعدم قدرتهم عن مجاراة تلك الأفكار التي يتمنّون أن يكونوا أبطالها.

ولكن هذا لا يعني بالضرورة تصديقهم للصفات والمعجزات التي وصفتها الكُتب والأحاديث الدينية عن ذلك النبي، لكنها تصديق لصفاتهم الأقل شأناً والأكثر غموضاً، وتأييداً لعالمهم الممزق الصعب الالتئام.

فعلياً كل البشر عالمهم ممزق صعب الالتئام، وهذا لا يعني أنهم سيمضون حياتهم تعساء بائسين، إدراك الأمور المتعلقة بالأشخاص لا يعني الغوص المقيت في الجانب غير المترابط منها، الأمر الجيد في الفكرة السابقة أن ليس ثمة حزن بل هناك تصالح مع ذلك التضارب وشعور بالأمان من خلاله.

الحرمان هو السمة الرئيسية التي تحكم هذا العالم.

أن تكون سعيداً

بات حديثي مؤخراً يفتقر لحس الفكاهة، بات جديّاً وثقيلاً أكثر من اللازم.

هذه الأثناء أنا نفسي ثقيل أكثر من اللازم. ولكن أيضاً الحياة بسيطة ومسليّة وتجلب الكثير من المرح، أسأل نفسي أحياناً هل أعقّد الأمور؟

إحدى المرات سألت امرأة إنكليزية ضحوكة إن كانت سعيدة فأجابتني بنعم “إن الحياة مضحكة” كانت امرأة ضحوكة دائماً.

وسألت جاراً لي في حييّنا عن سبب مرحه طوال اليوم؟ فأجابني إن الحياة لا تستحق أن يغتم المرء لأجلها.

أنا أفهم طبيعتي، في أوقات عديدة، لا أستطيع أن أكون بسيطاً على هذا النحو ومتقبّلاً لكافة تحولات الحياة بسلاسة، لا أقتنع بأن الجمال يسكن في الأشياء التي لا أحسها، الأشياء التي لا تهزني. مع أن الغالبية يصفونني بالبساطة، يبدو أنني متعدد الصفات، وهذه أخبار سارة، أستمتع بطريقة تفكيري وبالأشياء التي تخطر في ذهني.. أعتقد من غير المنطقي أن يطلب الإنسان السعادة على الدوام. أحياناً أشعر بأنني لا أحب أن أفرح كثيراً.. ربما.. ليس من حقي؟

أحلام البشر

أحسّ بأنني تحدثت في كل ما كتبته في ما سبق بنوع من التعالي وبنوع من الموهبة. إذا كنت أدرك الكثير من الأشياء عليّ إذن أن أقدم فائدة عملية أكثر من الذين لا يعرفون، وإلا سأكون مجرد ثرثار متعالٍ.

عندما أكون في الطائرة، في السماء، وتكون العمارات كرأس إبرة والغيوم تسبح في الفضاء أعرف حجم الروعة المكتنزة في هذا العالم، هذا العالم هو نفسه الذي كانت الديناصورات ترجّه منذ الملايين. بالفعل ثمة جمال لا يصدق في هذا الكوكب، ثمة نفوس تتعب من جمال هذا العالم، أنا أحد هؤلاء.

من المحزن ألا تتحقق بعض أحلامنا، أحلام الآخرين، أعرف أشخاصاً قرويين بسطاء تمنوا رؤية البحر وماتوا دون أن يروه، أشخاصاً تمنوا رؤية الطائرة وماتوا دون أن يركبوا الطائرة، أشخاصاً يعيشون في مناطق حدودية وتمنوا رؤية العاصمة. أفكّر بالأمر ماذا سأعني أنا وأحاديثي لأولئك الناس البعيدين عن الأحلام-الأمنيات العادية. بالفعل هذا العالم مبني على أحلام تتحقق وأحلام تأبى.

إن العالم الهائل هو الحظ السعيد لإنسانيّة كانت سترتجف َبرداً من دونه.

الغرابة الحياتية

أصعد الحافلة وأراقب الوجوه، أتساءل عن السعيد منهم والتعيس، من سيعيش حتى العام المقبل، أو أكثر من الآخر، كيف سيكون شكل المسن الذي أمامي بعد عشر سنوات، والطريف الذي لا أستغربه أن كل من في الحافلة ينظر إليّ ويفكر بنفس الطريقة. هذه التساؤلات الصامتة البسيطة هي سبب تشابك العالم ببعضه بعضاً، وقُبلات الاشتياق المحمومة بين الناس هي التعبير الجارح عن تفاصيل الشرود الصامت. ثم رجال الأعمال والأثرياء والسياسيون الكبار وقتهم محسوب بالدقيقة، كيف يمكنهم العيش بهذه الطريقة كالآلات، هذا سبب ثرائهم ونجاحهم، ولكن كيف ذلك؟ إنهم دنيويون جداً لكي يفعلوا ذلك، أعتقد مثلاً أن رجل الأعمال العالمي يمضي أكثر من ثلث حياته بين السيارة والطيارة والمكتب (غريبون هؤلاء القوم). حتى نجوم الغناء والتمثيل، لا أستغرب سبب انتحار البعض منهم، إنهم ملاحقون في كل دقيقة من الإعلام، هذا الأمر سيؤدي بهم إلى الهاوية ما لم يكونوا سفاحين أو تجار مخدرات.

بالنسبة إلى أمثالي قدرنا هو العالم الذي نعيشه وهو الذي ّيتبناه قلقنا وكذلك محاولتنا الولوج نحو جمال مطلق، هذا ليس وهماً، وليس ثمة خيار آخر، الخروج من هذا العالم يعني دخولنا في تفاصيل مشوشة غريبة عنّا إلى حد بعيد، بينما نفضل أن نبقى في البقعة التي تجعلنا نرى من خلالها الجَمع الذي يدفعنا إلى الإلهام، ليس تحدّياً بالنسبة إليّ الانخراط في الغرابة الحياتية، إذا كنت مخطئاً في تقييم أمر ما يخص رؤيتي المستقبلية الفكرية فعلى الجهة المصيبة أن تضمني إليها وأن لا تنتظر وعيي بها.

غزال وتمساح

أحيانا أشعر أن جسدي عبء عليّ وبأني أريد النوم في سبات ثلاثة أو أربعة أشهر كحيوانات القطب الشمالي. يتملكني الغوص في ظروف الحيوانات ومغامراتهم وحياتهم بالغة الصعوبة والقسوة.

بالأمس (فيلم وثائقي) تمساح يستهدف غزالا في مستنقع موحل شبه جاف تتجمع حوله الحيوانات كي تشرب، هناك في أفريقيا. بادئ الأمر قاوم الغزال عضة التمساح ذي الفك الكبير، لحظات ويتراخى فك التمساح عن عنق الغزال ويفلته، وبينما يدور الغزال حول نفسه لاستعادة توازنه في ثانية أو أكثر بقليل، ينقض التمساح مرة أخرى ويجهز عليه. لحظة العودة للتوازن لم تسعف الغزال، لم يكن محظوظاً.

أحيانا وبينما تمضي ثلاثين عاماً محاولاً الحفاظ على توازنك يحدث شيء ما ينزل بك إلى الهاوية من جديد بينما اللحظة الفاصلة لم تكن كافية للتماسك من جديد.

شيء من السادية

دائما أصدّر إحساساً قمعياً للذين من حولي بأنهم لا يستطيعون خداعي، هذا دفاعي لما أملكه من لذة رومانسية تجاه أشخاص ليسوا أشراراً، ولكنهم ماكرون أكثر من اللازم، لست ذكيّاً لكن يجب أن يعرفوا أنهم أقل مني نقاءً عندما يحاولون الاستهتار بعقلي ومشاعري بأساليب رخيصة وخصوصاً عندما يلجأوون إلى التملق والمجاملة كوسيلة ناجعة للمرور،…. أحيانا يحتاج الأمر إلى القليل من السادية إذ أقول في نفسي يجب أن يخسروا ويتألموا لأنهم فكروا بهذا، وتدريجياً يغدون أكثر وعياً بطبيعة النقاء رويداً رويداً.

الوحدة غير الأليمة

كل منّا سيذهب حيث تمنّى طوال عمره..حيث رغبته المديدة وفضاؤه الصامت.. إلى حيث ينام نوماً طويلاً، إلى الوحدة غير الأليمة.

أشتمّ العطور والروائح مثل ذئب هناك في (المولات) الكبيرة المغلقة، هناك حيث تأكل المجاميع بعضها البعض دون معاشرة عبر مئات من أقلام الحمرة والملطفات والسيقان والنهود، في اللحظة عينها ألتفت فأرى عشرات الأشخاص يصعدون السلالم الكهربائية خلفي مثل جرذان..

هذه الغابة المتحضرة الأنيقة لا آخر لها.

أشعر بالإثارة بينما أراقب الناس تمشي وتوتوت وتلهو وتبكي، وأحس أحياناً بأني ألفت نظرهم، إذ في اللحظة التي أختلس خلالها النظرات نحو الجميع سيكون ثمة من ينظر إليّ، لطالما مدتني هذه الإثارة بالدافع وبالوحدة غير الأليمة، لطالما زودتني هذه الأحاسيس بالمعرفة، ومع أنني -من وجهة معينة- لست جزءاً أو جزءاً من هذه المنظومة إلا أن خلف تلك الضجّة المريبة تعشش الأشياء الغريبة فالتأثير يولّد التأثير.

أحياناً أرفع رأسي إلى الأعلى وأنصت لأصوات البشر والقطط والكلاب و(لمزامير) السيارات البعيدة فأشعر بالغرابة والفراغ، وأحياناً بالهزيمة، الشيء الذي يثير حفيظتي في الدنيا هو شعوري المزمن بالهشاشة واللامعنى حيال الجدوى الكامنة في وجود الإنسان من عدمه -وجود المخلوقات- سَعيهاً خلف المسيرة الطويلة لهذا العمار المنظّم الجبار.

ليس ثمة قضية أعمق من مواجهة الإنسان لوحدته، تلك المعركة التي تدور رحاها بين المرء وظلّه، بينما يواصل العالم بحثه المضني عن تآلفه المنسجم الخاص.

يتبنى الناس قضايا عديدة في الحياة كي لا يضطروا إلى مواجهة قضيتهم المتجذرة ألا وهي وحدتهم.

أحياناً أفرح لكوني الذئب الوحيد هناك عند التجمعات، أفهم وأرى وأشعر على نحو لا يعيشه الآخرون. وأحياناً أشعر بالخيبة لأنني لا أستطيع أن أصحب تلك الجميلة معي في هذه اللحظة بالذات كي نلهو. لماذا الجسد، هذا اللباس، أهذا هو الأكثر أناقة والذي يليق بنفس الإنسان وطاقته؟

الجسد من أجل الحب، من أجل عيني الإنسان. ما أجمل عينا الإنسان.

لا تستهويني فكرة الهوس بالاختلاف أو التميّز على طريقة مُثقفي الحالات الخاصة هذا وَهم أكثر منه حقيقة، إذ أن غالبيتهم ينتمون للصنف المتعالي الذي يستخف بالغير.

في شخصية كل إنسان يكمن جانب سخيف، ربما صبياني يجهد الغالبية لإخفائه، وهل ثمة أسخف من الشعور بالغيرة مثلاً أحد أسخف المشاعر البعيدة عن التحكم داخلنا، بالمقابل يحاول المرء إظهار أمجاده وتوازنه في محاولته تجاوز ونسيان ما هو سخيف فيه.

أعرف العديد من الأذكياء الموهوبين لكنهم غيورون بشكل يجعلك لا ترى إلا غيرتهم السخيفة، عندما تسعى غيرتي لجعلي لا أرى من هو أفضل مني فعليّاً، وبالتالي عدم الاعتراف بالآخر، في هذه الحالة لن أكون إلا مدعٍ صغير، لكن الحقيقة أن الجوانب السخيفة النائية المتعددة تمثل نسبة كبيرة من حقيقة المرء البلّورية.

نحنا لسنا أكثر من أطفال شهوانيين في هذا العالم المباح الكبير.

فطرة الاستبداد

هؤلاء الدكتاتوريين الساديون أصحاب الجموح الدموي المفرط، لطالما جعلوني أتساءل عن الفرق بين إنسان عادي في هذا العالم وبين دكتاتور دموي شهده التاريخ؟ ثمة فارق سلوكي.

بقدر ما هو سهل أن نفهم بعضنا بقدر ما هو صعب وعقيم. صعب جداً أن يصل عقلان إلى بعضهما، من أجل ذلك يتشاجر الأزواج حتى لو بعد مرور خمسين سنة على ارتباطهم، من أجل ذلك تذبح الشعوب بعضها، من أجل ذلك يذبح دكتاتور ما الآلاف. لا يطيق ألا يفهمه الآخرون، إنه انتصار الفكرة على الفكرة، بعد ذلك سأشعر بأن الموروث الجيني يتفوق على الجانب المعرفي بأخذ قرار التصفية تصفية أحدهم لوجود آخر. مع العقول السابحة والنفوس النهّاشة الجانب المعرفي لن يهدي إلى الخير والتراجع عن القتل، بقدر ما سيبرر الإثم والإقدام على فعله.

إن المعرفة في تلك الحالة ستبرر للفكرة الأقوى شكلياً زوال الفكرة الأدنى شكلياً -الفكرة الإنسان- بشكل نهائي ومن غير ما ندم.

نحن البشر العاديون ساديون، بدورنا، مع من نحبه ونرتاح له. نعذّبه نفسياً بأساليب صبيانية كي يظل يفكر بنا وينظر إلينا باهتمام وشفقة. من يحبنا هو ليس الصنف الذي يؤذينا ونحن نثق بعدم أذيته لنا. الآخر الغريب لا نجرؤ على استفزازه، بالنسبة إلينا هو مؤذٍ لأننا لسنا على بيّنة من ردود أفعاله.

لو نظرنا من هذه الزاوية لدواخل الإنسان سوف نكتشف كم نحن مختالون وكم نحتاج للحماية.

من غير الملائم مقارنة التحضر والتمدّن الشكلي للإنسان بالتداخل العجيب القائم على المفارقات الذاتية لتعقيدات الدواخل الإنسانية، هذا سيؤدي لضياع الفكرة المبدعة بصورتها البرّاقة الموحية.

دائما الشكل سهل وواضح مقارنة بالمضمون، فشل المقارنة وعدم صلاحيتها للتعبير عن ذاك التناقض المسبب للفعل الإنساني الكبير هو الذي يجعل من الإنسان أعجوبة من أعاجيب الطبيعة.

عندما تبدأ محاولة المقارنة سنكتشف بأن كل الناس لديهم موهبة التمثيل، وبأنهم مخادعون لطفاء.

نحن لا نقتل الشاة أو نمزقها بأظافرنا كي نأكلها بل نشتري اللحم مذبوحاً جاهزاً كي نطبخه ونأكله نظيفاً دون مشاهد مؤذية تُزعج شهيتنا وهكذا نأكل الذبيحة وسط جو متمدّن وحضاري بين عائلاتنا.

تقول لي بأني أتحدث عن نفسي أُجِيبَك بأن غالبية الناس كذلك، أستثني القلة القليلة.

الطبيعي والوحشي

شاهدت اليوم فيلماً قصيراً عن دفن عائلة أمازونية بدائية عارية تماماً لأطفال صغار في سن السابعة أو الثامنة بينما هم أحياء، كان الفيلم قصيراً ولم يوضّح سبب الدفن، وكان بين الجمع نساء لا يبدو عليهن التأثر، وفي مشهد آخر بضعة أفراد من قبيلة بدائية رأوا مصوراً متمدّناً فأصيبوا بدهشة اللقاء الأول بين طرزانين ، كانوا كمن يرى إنساناً من نوع آخر وبعد لحظات تَردُّد جلسوا حوله على شكل نصف دائري مبتسمين بصمت.

هذه المشاهد وما يشبهها تكرّس الإحساس المرير بين إنجازات الحضارة وحقيقة صانعيها وهشاشتها أمام واقع الغريزة الفتّاك، أولئك الذين مارسوا ويمارسون في بقع مختلفة من العالم ما مارسته العائلة الأمازونية مع أولئك الأطفال وبطرق لا تقل فظاعة عنها.

فمثلاً في خضم أحداث ما يُسمى الثورة الثقافية في الصين في ستينات القرن الماضي (1966) والتي راح ضحيتها مئات الآلاف، وحسب ما ذكر مسؤول حزبي صيني سابق لإحدى وكالات الأنباء فقد وصلت الممارسات في مقاطعة غوانغشي إلى حد نزع وشَي الأكباد والقلوب وحتى الأعضاء التناسلية ومن ثم أكلها، وفي حادثة أخرى تم ضرب أستاذ مدرسة حتى الموت من قبل فتيين -الحرس الأحمر- ليأكلوا بعدها أعضاءً من جسده، تلك الوحشية كانت بذريعة تطهير النظام الشيوعي نفسه من الحرس القديم، كل ذلك الجنون السريالي كان يحدث بين أناس يتبنون الأيديولوجية التي كانت عبر تجارب سلطتها خلال القرن العشرين رائدة في اختراع أساليب الترويع والتنكيل بحق الشعوب التي حكمتها.

ولدينا أيضاً ما جرى في خضم الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) من حرق واغتصاب وذبح متبادل بين الميليشيات المتقاتلة.

الأمثلة لا تنتهي على هذا المستوى المتعلق بغرائبية السلوك الدموي لدى البشر، إنّي لا أجد أيّ فارق جوهري بين ما يمكن تسميته حالة الرقي عند إنسان العالم المتحضر الغربي مثلاً وبين شخص (طرزاني) شبه عار ينتمي لإحدى قبائل الغابات القاطنة قرب مستنقعات الأمازون. الفارق الشكلي للتحضر لا يعكس أي حقيقة خلافية على مستوى عمق الطبع الإنساني المتضارب، الأمر البدهي أنه في ظرف معين ممكن أن يتم تبادل الأدوار فما بين البشر، أو بينهم وبين الحيوانات،

ممكن أن تقتل حصانك وتأكله عندما توشك على الموت جوعاً، أن تبتُر قطعة من جسدك لم تعد قادراً على احتمال ألمها.

في بادئ الأمر كنت أتألم لرؤية مشهد دموي عنيف نسبياً، اليوم وبسبب ظرف القتال في سوريا بتُّ أرى الكثير من المشاهد الدموية في المحطات التلفزيونية، بقايا العائلات تُنتشل من تحت الأنقاض دون أن يرف لي جفن. صحيح أن الأمر مختلف عن الواقع مقارنة بحدوث الأمر أمام عينيك مباشرة، ومع ذلك لا يمكن لمثل هذه الأحداث العنيفة أن تبدو طبيعية حتى يمكن لنا أن نألفها. إن التشوه يسكن الأعماق ومن ثَم ّيخرج دفعة واحدة مخلفاً أضراراً جسيمة، إذن أنا أصبح وحشياً عندما لا تعود رؤية المذابح تهزني.

مثل كافة الأشياء المتعلقة بنزعات الإنسان، ثمة خيط رفيع يفصل الطبيعي عن الوحشي، وفي عديد الأحيان يكون الطبيعي هو الوحشي والوحشي هو الطبيعي.

والهدف العملي للحضارة الإنسانية في كل الأزمان هي ألا تسمح للظروف المختلفة كثيرة الاحتمالات أن تدفع التصرف الغريزي الصرف ليطفو على السطح، وبالتالي تتبدل حالة المرء من الطبيعي إلى الوحشي الذي يدرج بكونه طبيعياً للأشخاص المحيطين به في أوقات ظرفية معينة كالحروب الأهلية التي هي أبشع الحروب.

عندما يحاول الجسد مقاومة حالة فنائه لن يكون للوعي أيّ معنى، فالإنسان سيقوم بذلك بدافع غريزي للحفاظ على وجوده.

ورغم ذلك من غير المجدي إلقاء اللوم دائماً على الإنسان فلا يعقل أن يكون ذلك قراره على الدوام، لا أحد يرغب بالفناء الجسدي على تلك الشاكلة.

وإنما توجد حضارة تختزن في بئرها النائي نزعة الفناء البطيء (السادي المازوخي) إنها تشبه إلى حدٍ ما (لو تذكرون) فضولنا ودهشتنا وانسياقنا عندما كنا صغاراً لحظة الفرجة على الشاة وهي تُذبح.

الجمال الهدف

عندما أسأل عن هدفي في الحياة، أصمت، لا يتبادر إلى ذهني أيّ إجابة مباشرة، هل الهدف أن أتخصص في الدراسة الجامعية أن أصبح طبيباً أو مهندساً؟ أو أن أعمل مديراً في مؤسسة محترمة؟ أم ماذا؟ هذه أعمال يحتاجها المرء بلا شك كي يعيش، وهي غطاء حماية كبير في وجه الضرر المتخفي لاحقاً، أُدرك أن العديد يجهد للوصول إلى هذه الامتيازات.

الهدف الحقيقي، عندي، هو الحلم الذي لا يتوقف والذي يغير شيئاً في الحياة، هو القدرة على إنجاز الفكرة، ورؤية الأشياء المختلفة البعيدة، هو الذي من الصعب الوصول إليه.

إنه يتعلق بالبحث عن الجمال. الجمال هو هدف الحياة.

ما أراه أن هدف الحياة يجب أن يكون أسيراً لحالة جمالية تجعل من الهدف عينه قيمة لاحقة وطويلة الأمد إلى أن يختفي الهدف ويبقى ظل جماله. والمعرفة جزء من هذا الجمال.

ومع أن الحديث عن فكرة الهدف ضمن السياق الجمالي يبدو استعراضاً نظريّاً، إلا أني أفضّل القول أن بإمكان أيّ إنسان رسم أهداف مادية أو أكاديمية ليصل إليها ولكن ليس بإمكان كل إنسان أن يغدو مشروعاً بحد ذاته، وميضاً يلمع فجأة وبسرعة قبل أن يختفي وسط العيون المندهشة، وهذا المشروع لا يتحقق بالعمل العادي وإنما بالقدرة الاستثنائية والفن، إن الذين كانوا عباقرة في عملٍ ما، فنّ ما، ربما كانوا فاشلين في سواه.

وفي النهاية، يبدو لي أن الهدف العظيم هو الهدف الذي لا يتحقق، والذي لا ينتهي.

الطاقة والعنف

كان من الممكن لو اكتملت الظروف أن أكون لاعب كرة قدم محترفا، أو ربما صانع أفلام، أجواء الكرة سحرية مفعمة بالعاطفة والصِبا، وعندما أتابع نقلات الكرة السلسة بين أقدام اللاعبين أشعر بتناغم الحركة الجسدية التي تبث في النفس الحماسة والتشجيع، ثم أفكر بالدموع التي يذرفها المشجعون عند خسارة لاعبهم أو فريقهم، أفكر بالدموع التي يذرفها اللاعب بسبب الخسارة، هذه الدموع ليست كذباً إنها دموع حقيقية، دموع رجال تبكي لأنهم خسروا مباراة في كرة القدم، خسروا حُلماً، بطولة، خسروا دافعاً يمنح شعوراً بالامتلاء والثقة والسعادة لعدة أشهر إضافية، هذه ليست مشاعر سخيفة، كرة القدم في أفضل حالاتها تحمل الكثير من الحسابات النفسية وجمال القُدرة الجسدية، وأنت تشعر بذلك في لحظة من عمر المباراة، وهي تحمل عشرات التفاصيل الذهنية على شكل تحد بين العقلية والعقلية.

لعبة التنس كذلك إذ ثمة لقاءات تمثّل مواجهات ملحمية بين الذهن والذهن، بين الوثبة والوثبة، بين التركيز والتركيز، أنت تشجع أحداً ما لسبب تجهله لكنه يحاكي شيئاً يدور في عمقك، شيئاً حلواً، مغرياً.

الذي أشجعه يحقق حلماً نيابة عني، يحقق إرادة، هي القوة التي أرغب بها والتي تمثل حاجزاً صعباً وبعيداً أمامي بينما تكون أَيسَر عليه.

وحدة الاهتمام التي يتبناها الجسد عبر الرياضة لدى الناس شيءٌ رائع، كلما عبّر الجسد عن نفسه أكثر كلما كان الفكر أكثر قوة وسطوة.

ثم أفكر في الملاكمة بذلك التصادم الجسدي الممتلئ عنفاً وطاقة، إن رغبة تحطيم الخصم والفوز ليست كل الحكاية، أنا أفهم الملاكمة بأنها حركة نفسية تتعامل مع الشعور العدواني في لحظته المناسبة، فالنزعة العدوانية موجودة في داخلنا جميعاً، والملاكمة المحترفة تتعاطى جيدا مع التفريغ العنفي المنظّم، الملاكم لا يعتدي على رجل يسير مسالماً في الشارع ولا على شاب جالس يقرأ كتاباً في حديقة، إنما يواجه خصما على استعداد هو الآخر أن يجهز على خصمه ويشوه وجهه كي يفوز ويحرز اللقب، إنه حلم بالنسبة إليهما معا.

هي مواجهة بين وحشين متشابهين يعلمان تماما لماذا يتقاتلان في هذه اللحظة بالذات.

كثير من الأشخاص يكرهون الملاكمة بسبب العنف وهم أنفسهم يتمنون أن يلكموا أشخاصا لا يروقون لهم بنفس الطريقة التي تعبّر عنها الملاكمة.

سيكون من الرائع أن يكون ثمة ملاكمون لديهم من الفهم لذواتهم ما يجعلهم يسمعون الموسيقى الهادئة ويهتمون بعلم النفس، ويقرأون كتب الفكر.


شاعر وكاتب من سوريا