قصائد الصيف

الجديد  مريم حيدري [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(22)]

تخطيط: حسين جمعان
الحمامات

صمتُك قبل الذهاب

ليكون أمسَ الضحكة

وموعدَها في الأبد

الذهابُ المنقوشُ بوهمٍ ناصعٍ

ليكون مُدنَ المصیر.

ومن أكون؟

إن لم أكن يدَكَ حين تقطع البعدَ بها، فارغةً وعاجزة

إن لم أكن صوتَك وهو يتقطّع بين المقاهي المزدحمةِ

والهواتفِ المحمولة.

ثم ينتهي “نوروزُ” أياما ساكنة في الطابقِ الرابع

-ككلّ عام-

ولستُ إلا من تضعُ في الحقيبة رجاءً طريّاً

وتعود إلى الشمس الكبيرة

تتبعني

وتتبعها شمسٌ أخرى

وأسير تحتهما خفيفةً ومنظورةً من بعيد

مثل نبتةٍ مبهمةٍ

ولا يعرف العابرون

إن كنتُ مقيمةً في المدينةِ

أم في الطريق.

————–

موسكو وسان بطرسبورغ

1

نهوض الذاكرة في الصباح الباكر

وهي أقلّ عتمة من أي وقت

مرورُ الذاكرة بالجسورِ والريح والأحصنة

وقوفُ الذاكرة لتقرأ رسالةً قصيرة أمام شبابيكِ “ناباكوف”

سقوط الذاكرة في نهر “نيفا”

مثل شراعٍ هزيل

وهي تردّد: “يداك تدخلان غيابي وأكون نبتةَ الزمن”.

والمدينة الكبيرة السامعة.

2

للتحية ظلٌّ

للوداع ظلال كثيرةٌ

تجلس معنا هادئةً في الطائرة والقطار

وحين نسير في الشوارع

تتبعنا

ويظنّها العابرون نقوشاً لاصقةً بجِلدِ الحياة

تمدُّ يدّك وفيها الكلمةُ

لتشطرَ النهارَ إلى نصفين ضاحكَيْن

أمسكها

أنظر في عينِك

فإذا بها هضبة من عشبٍ

وندم.

للفرحِ أشباحٌ كثيرة تحت الشمس.

وفي الظلّ،

تمدّ يدَك وفيها الكلمة

فتصعد نحو السحاب.

3

يترك ما لم يُلمَس

نائما في أزلٍ منسيٍّ في ركنِ البيت

يومٌ خارجٌ من شمسِهِ ليدخلَ يوما آخر

مع الصوت

وهو يتقصّف

ومع الضوء

وهو بقايا حياةٍ قصيرةٍ

تأتي من بعيد

وتندثر بين أوراقٍ متروكةٍ على الطاولة

ثيابٍ من رائحة وصوف

ورسائلَ غيرِ مفتوحةٍ

تدخل أياما أخرى

دون أن تُلمَس.

وإلى جانبي، في المقهى الصغير

أمام بيت “دوستويوفسكي”

أيامي، جالسة بليالٍ بيضاء

ومطرٍ أبيض، على رصيف بطرسبورغ

تنتظرك،

أن تأتي

لترسمَ هذا

على ورقِ الأبد.

4

الريح تصعد فارغةَ اليدين

الأصواتُ ترتقي الهواءَ

وتنهار

الأشجار تبتعد.

أناديك، لتكونَ قمرَ الصفحة الفارغة

وطالعَها ليومٍ واحد

أناديك ولستُ من تنادي

أقتربُ ولستُ من تقتربُ

لتفوزَ بالنظر.

انظُرْ كم كنتُ محضَ يدٍ تربط اليقينَ بحبلِ الوهمِ

وسلسلةِ الشوارعِ والجسور،

كم كنتُ محضَ إشارةٍ تركب الحافلةَ

لتبلغَ لوحَ وقوفِكَ.. منتظرا ومحبّا للهجرِ

وتبلغَ لوحَ وقوفي..

أمامَك.

انظُرْ كم كنتُ نجمةً راجفةً

فوق أرضٍ باردة

حين لمحتُكَ في الساحة الحمراء

حين لم ألمحْك في الساحةِ الحمراء.

تخطيط: حسين جمعان

—————-

طهران

بعد أن أكبر بيومين

يكبر الهواء

ويُخرج ألوانَه

نباتاتِه

قلبَه الكبير الذي لم يعرفه أحد

ويحلّ مكاني في البيت

لأخرجَ

وأبقى واقفة جنب ذاكرة العالم

وأنظر جسدي في الليل، مستلقيا،

وحيّا أبدا فوق ذراعك

والظلام، ضوؤنا النائم،

عائدا، ومستريحا عندنا

بعد أن أضاء حياة الأشياء في النهار.

———————–

إسطنبول 33

1

قليلا ما ملكَتْ حياتي كلَّ شيء

وملكَتْ مرآة لكلِّ شيء

فوضعتُها في حقيبة صغيرة

وركبتُ طائرة تسبح في عامٍ كالصيف

وفي ضوءِ عام.

2

الغرفةُ، قيامةُ كتابٍ وعطرٍ ومنشفةٍ وشبابيك خلف السجائر

وفي الساحة، في الليل،

ألم أَلمَسْ شيئا من قبلُ

ولم أُلمَس؟

يدُك ينهبها الرجاء.

3

هناك تقول اذهبي وتعالي

وأذهب وآتي

وبيدي ظهيرة فاتنةٌ كالهاوية

أهَبُها للأرجاءِ

لتسقطَ الأشياءُ

ولا تقع

وتقضي حياتَها مثلي في الهواء والطريق والورق.

4

صليبانِ فوق سريرٍ

في أزل الطوابقِ والغُرَف

تقع الأوراقُ في العالم

وعليهما يقع الليل مثل شمسٍ في الضحى

فيحملانِ الشهواتِ العشرَ ويخرجان

صليبان فوق سرٍّ

يتجاوزان الثالثةَ والثلاثين

مع العابرين في كلّ مكان

أنا والمسيح الذي ترك امرأة خلف البحر

وسار معي في أزقة الإمبراطور.

5

يومٌ وحيدٌ كخريفٍ في صحراء.


شاعرة ومترجمة من إيران