غجر شارع الثلاثين

الجديد  أحمد سعيد نجم [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(28)]

لوحة: كمالا اسحق
وكان “شارع اليرموك”، حيث أسكُن، وبعد أن غادرته تظاهرة يوم السبت، 29 حزيران 2012 العارمة، التي انتهت نهايات مُرَوِّعة، قد أقفر تماماً، وراح يتردد في فضائه أزيز الرصاص، بحيث صار عبوره من هذا الطرف إلى ذاك محفوفاً بمخاطر كبرى.

ومع أزيز الرصاص وهسيس القذائف راحت تنتشر بين الناس شائعات تقول إن مجاميع بشرية هائجة هنا أو هناك، تَقتلُ بالجملة مجاميع بشرية أخرى. وكانت تلك الأنباء قد تضاربت، وتنوّعت رواياتها بحيث أثارت الفزع والرعب في قلوب الجميع،. وراح شبّان الحارات ينتشرون أمام مداخل حاراتهم، يحملون العصي والأدوات الحادّة كالشنتيانات، والسيوف، ويسدّون مداخل الحارات بقطع الخشب والبراميل وتَنَكات الزريعة تجهُّزاً للدفاع عن بيوتهم وأهاليهم.

وبعد عصر ذلك اليوم المريع انبعثت على نحوٍ فجعائيٍّ من قلب الصمت الهائل الذي ربخ على ذلك الشارع، وكان ذات أيام من أبهى شوارع مدينة دمشق، وأعجقها، وأغلاها فروغاً، صوت حشرجات، ونحيب، وعويل بشري، وجموع راكضة، مُشَعّثة، آتية من جهة “شارع الثلاثين”، الذي يرسم حدّاً فاصلاً بين “مخيم اليرموك” وبين حيّ “الحجر الأسود” المتاخم له.

وكان ذلك النحيب المرعب لـ”غَجَر” هاربين. ونحيبُهم، وحشرجاتهم اللذان ملآ الفضاء، والتفاتاتهم الفجائية خلف ظهورهم من حينٍ إلى آخر، وما كانوا يأتون به من إشارات بأيديهم، التي ترتفع إلى الأعلى ثم تهوي، في إشارة إلى أن هنالك مَن يحمل السيوف، ويُعْمِلُ الذبح في الرقاب.

وكان أولئك الغجر أو النَوَرْ أو القُرباط، وللاسم الذي يعرفون به أوّاتٌ كثيرةٌ يعيشون على “شارع الثلاثين”، عيشة استقرارٍ تامٍّ. لا خِيامٌ، ولا عرباتٌ، ولا كلابٌ سلوقية، ولا فِرَقَ رقصٍ بوهيميةٍ تلقاك في الشوارع أينما مشيت، كمثل ذاك الذي نراه في الأفلام السينمائية، التي أصْعدت الغجر إلى السماء، على حدّ قول “مكسيم غوركي” وأشعار “لوركا”.

كان نَوَرُنا يعيشون في بناياتٍ قريبةٍ بعضها من البعض الآخر، بعمق دخلةٍ أو دخلتين من سوق السيارات على “شارع الثلاثين”، وما كان هؤلاء وهم يختارون ذلك الحيّز الجغرافي، من أجل استقرارهم الدائم على أطراف اليرموك، إذ لطالما جرى توصيفهم بأنهم شعبٌ دائم الهيمان، ويمقتون فكرة الاستقرار في مكانٍ بعينه، ويمقتون بالتالي ما يتبعُ استقرار الإنسان في مكانٍ بعينه، من انتماءات، وولاءات، ومعتقدات، وأديان، وهويّات، ما كانوا يعلمون أن لهم ساعةً ستأتيهم، وها هي قد أتتهم، سيكونون فيها ضحايا الجغرافيا التي اختاروها، وليتهم كانوا واظبوا على مقتهم لها.

وصحيحٌ تماماً ما يُحكى من أنه جرى استخدام بعضٍ من هؤلاء النَوَر مع بداية الثورة في سوريا من أجل نَفْخِ وتضخيم المسيرات المؤيّدة للنظام، إلاّ أنهم على وجه العموم، هنا في مخيم اليرموك، أو..، أو… (ولوجودهم في هذا الكون الذي صار مثل خُرم إبرة أوّاتٌ كثيرة) في أيّ مكانٍ آخر، لا يشدّهم أي رابطٍ مهما ضؤلت ثخانته إلى أيٍّ من الأفكار السياسية، والعقائدية والدينيّة التي تؤرّق في العادة أشقاءهم من بني البشر. كما ولا يؤرّقهم ويربخ على أرواحهم ولا ينوّمهم الليل أن يكونوا مع هذا الطرف السياسيّ أو ذاك.

وبالنسبة إليهم، فقد كان عيشهم بالقطّاعي. كل يومٍ بيومه. وكلّ يوم بالنسبة إليهم كان يوماً جديداً، يحمل مستقبلاً جديداً. وبالتالي فما من أمنية للنّوَرْ إلاّ أن يستمرّ استمرار عيشهم بالكيفية ذاتها التي يعيشونها، وعاشها أسلافهم من قبلهم. وما يستهجنه الآخرون، ويأخذونه من جملة ما يأخذون على النَوَر من مآخذ، هو بالنسبة إلى النوَر مطمح الأنْفُسِ، وغاية ما يأملون في هذه الحياة.

والواقع أن عيشَهم المستمرّ على أطراف “مخيم اليرموك” لم يُقِم بينهم وبين سكانه أيّ علاقات جيرة تُذكر. فقد ظلّوا، بالرغم من أنّ قسماً لا بأس به منهم، كانوا قد استحصلوا بفضل علاقاتٍ ورِشىً غزيرة لبعض المتنفذين، فلسطينيين وسوريين، على هويّات فلسطينية سورية، بدعوى أنهم كانوا يوم نكبة عام 1948 يقيمون على أرض فلسطين، وعلى حوافّ مدنها وقراها، ظلّوا رغم ذلك الانتماء الاسمي للفلسطينيين في انعزال عن جوارهم الفلسطينيّ. ونمطُ معيشتهم هو الذي فرض عليهم تلك العزلة، ولم يفرضها عليهم أحدٌ من خارجهم. وكانوا قد ظلّوا وإلى اليوم الذي خرجوا فيه من “مخيم اليرموك” هاربين مذعورين، لا يلتقيهم المرء إلا في شهر رمضان، حين ينتشر أولادهم وصباياهم في حارات المخيم قبيل الإفطار، ساعة يكون إفطار الناس قد جَهِزَ، أو أوشك، يحملون في أيديهم سطولاً، يملأونها مما تجود به النفحات الرمضانية!

وكان الطعام الذي يُسْكَبُ لهم في السطول يهبط فوق بعضه البعض. وعندما يصلون إلى بيوتهم ويبدأون بأكله يكون قد صار خبيصة. ومن هنا كان المَثَلُ الذي يُقال لمن يصنعُ شيئاً لا يستبينُ له رأس من أساس:

“مثل طبيخ النور!”

وكنت تلقى النَوَرَ، أيضاً، في تُربتي اليرموك، القديمة والجديدة صباح العيد، يَلُمّون معظم الزّرَد، والمقروطة، وأقراص العجوة، والغريْبة، والبرازق، التي يكون أهل المخيم قد تعبوا الليلتين أو الثلاثة السابقة للعيد في تحضيرها لتُوزّع في التربة عن أرواح موتاهم.

ولم يكن للأحوال المادية لأولئك النَوَر مسيس حاجة إلى مثل ذلك السلوك المزري “الشحادة”. غير أنه كان قد صار، بالنسبة إليهم، أو بالنسبة إلينا على الأقل، طقساً، وفولكلوراً، ولم نتعامل معه طيلة حياتنا على أنه مِنْ نوع ذلك الاستجداء الذي يَعُضّ، ويَخِزُ “المستجدي” و”المستجدى منه”. بحيث بتنا نستغرب، وربما نقلق لو أتى رمضان، أو أتى صباح العيد ولم نر فيه النَوَر، ولا هم أتوا.

وربما عاد مثل ذلك النوع من الممارسات التي يمارسونها إلى رغبة من جانبهم في استمرار تقاليد عيشهم السالفة، وبالتالي فأينما التقيتهم في أرجاء المعمورة، تراهم يُربّون أولادهم، منذ نعومة أظفارهم، على تلك المهارة؛ مهارة التسوّل. وما عدا شهر رمضان لم يكن النَوَر يدخلون “مخيم اليرموك” قطُّ، ولا كان يعنيهم من أموره أمراً مهما عَظُم، رغم أن بينهم وبينه، كما يقولون في اللغة الدارجة ” قَطْعَةُ شارع “، وهو شارع الثلاثين.

ولو عدنا إلى الوراء، أربعين أو خمسين سنة خلت، لعلمنا أن الغجر كانوا قد رافقوا “مخيم اليرموك” منذ بدايات تشكّلِه. وكان آباء وأجداد هؤلاء الهاربين الآن ينصبون خيامهم في المنطقة الواقعة خلف معمل البسكويت، وفي الفسحة أمام ما راح يُعرف لاحقاً بـ”حارة السهليّة”، وصولاً إلى بساتين يلدا.

وكان ذلك الحيّز المكانيّ الكبير، الذي لم يكن سرطان العمران قد طاله بعد، ملاعبَ طفولتنا. وكان يمتد من أطراف بلدة يلدا وصولاً إلى ما يُسمى الآن حيَّ “دفّ الشوك” على المتحلق الجنوبي لمدينة دمشق. وقديماً كانت تنعقد في ذلك الفراغ الشاسع مواسمُ الحصاد صيفاً. وفي الخريف تستريح فيه أسراب “أبو سعد” المهاجرة. وفي فصل الربيع تقام فيه سباقات الخيل لأهل الشام، والبطل المحلّي فيها كان فارساً غريب الشكل، بهيّ الطلعة يدعى “أبوعلي الكلاّوي”. وفي أوقات الشتاء، ساعة تنتفي حاجة أيّ أحد في الكون لذلك الحيّز الجغرافي الفسيح، ويكون قد امتلأ بالأوحال وبُقع الماء كان الغجر يأتون، لا أحد يعرف من أين أتوا، ويخيّمون فيه.

وكانت فترة تخييمهم عند ذلك التُخم من تخوم “مخيّم اليرموك” من أمتع فترات العام بالنسبة إلينا كأولاد. فنروح نمضي كثيراً من أوقاتنا بين خيامهم. نتفرّج على كلابهم السلوقيّة التي لا تُشبه الكلاب الجعاريّة التي كان المرء يشاهدها تملأ حارات المخيّم. ذلك أنّ لكلابهم منظراً بَهِيّاً مدهشاً. ولكأنها بسيقانها العالية وخصورها الضامرة شابهت مصاهرةً فريدة وفتّانة بين الكلاب والغِزْلان. وكانوا مع غياب الشمس حين يستريحون من الشحاذة يشرعون في لعب الكلل، الكريّات الزجاجية، يصفّونها، أو يصفّون قطع نقود معدنية، وراء بعضها البعض. وكانوا قادرين بمهارة عجيبة على إصابة ما صفّوه على الأرض من مسافات بعيدة، بدقّة متناهية.

ويومها كانت أُسَرُهم بمجموع أفرادها، ولم يكن أصحاب الكازينوهات المحيطة بدمشق قد اكتشفوا بعد أن لنساء هؤلاء مهاراتٍ أخرى، كانت تمارس الشحاذة والطرق على أبواب الناس صباحاً في ساعات النهار. وكانوا في كثيرٍ من الأحيان يسيرون في الشوارع، يعزفون على الدُربكّات والشُبّيبات، والصبايا يرقصن، والرجال يُغنّون. وبعضهن يفترشن الأرض ويرحن يقرأن طوالع الناس، بعد إلقاء الوَدَع! كما وكان مِن بين رجالهم مَنْ كان برع في صنع أطقُم الأسنان، وإن أردت أن يتلألأ لك سنٌّ ببريق الذهب فعليك بالغجر.

واشتهار الغجر بالرقص والغناء قديمٌ قِدَم التاريخ. وكلُّ الروايات التي بحثت حتى الآن في تاريخهم وفي تَرْكِهم لموطنهم الأصلي في الهند وتفرّقهم في أقطار الأرض، بما في ذلك أبحاث المستشرقين الأجانب تتّخذ كنقطة ابتداءٍ لها تلك الرواية الأسطورية التي أوردها المؤرّخ الإسلامي أبو عبدالله حمزة بن حسن الأصفهاني في كتابه “تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء”، وأخذها عنه الفردوسي في شاهنامته، مِنْ “أنّ الملك الفارسي ‘بهرام جور’ أمَرَ رعاياه بأن يكدحوا نصف اليوم، ويقضوا سائرَه في تناول الطعام والشراب والاستماع إلى الموسيقى، فالتقى ذات يومٍ بجماعةٍ منهم لديهم نبيذٌ ولكن ليس لديهم موسيقى، وعندما عابَ عليهم ذلك طرحوا أنفسهم أرضاً، وقالوا إنهم بذلوا ما لديهم من جهد كي يقفوا على عازفٍ واحدٍ، ولكن حَبِطت مساعيهم…عندئذٍ أقنع ‘بهرام جور’ ملكَ الهند بأن يبعث إليه باثني عشر ألفاً من العازفين، وفرّقهم على بلدان مملكته، فتناسلوا فيها، وأولادُها باقون وإنْ قَلّوا، وهم الزُطُّ” (“الغجر”، السير أنجوس فريزر، طبعة مصر 2002).

وما أزال أتذكّر وحتّى الآن، بأيّ سرعة سريعة وبأيّ فرح غامرٍ، ركضت ذات يوم، وأنا ابن تسع سنوات، صوب تلك الخيام، أنادي على النَوري “جميل”، والفتيات اللواتي كُنّ يرافقنه في الرقص في الشوارع، ليأتي إلى بيتنا، ويرقص هو وهنَّ احتفالاً بنجاح والدي في انتخابات “الاتحاد القومي”، وهو الحزب الذي اصطنعه نظام الوحدة بديلاً عن الأحزاب السورية قاطبةً. ونجاح والدنا في تلك الانتخابات، كان سيمنحه فرصة الفوز بمَخْتَرة اليرموك، التي كانت تجرى للمرة الأولى منذ إنشائه. ويومها ضاعت الفرصة عليه وعلينا بفارق صوتٍ واحد.

ومن بعد ذلك، كنتُ كلما تذكرتُ تلك الواقعة الغريبة أتعجّب من المقدرة الهائلة لأولئك الغجر على اجتراح الفرح من لا شيء. فقد راحوا يرقصون ويغنّون طوال الطريق من خيامهم وصولاً إلى بيتنا، وذلك من قبل أن يعرفوا من أجل ماذا كان قد طُلِبَ منهم أن يغنّوا ويرقصوا. وما كانت معرفة السبب تعني لهم شيئاً. كان يكفي أن تقول لهم: تعالوا غنّوا وارقصوا، حتى يأتوا ليغنوا ويرقصوا.

وأبناء وأحفاد أولئك الغجر الرُحّل، الذين رقصوا وغنّوا يوم نجاح والدي في انتخابات الاتحاد القومي، والذين كان استقرّ قسمٌ واسعٌ منهم فيما بعد في حيّ التجارة، وهو حيٌّ بارزٌ من أحياء دمشق، وفي فيلات فخيمة على طريق الكسوة وقرب بلدة الحسينية، وهنا في “مخيم اليرموك”، عند سوق السيارات على شارع الثلاثين، أبناء وأحفاد هؤلاء الغجر يركضون الآن مذعورين في شارع اليرموك، ويأتون بإشارات تدلّ على أنّ ثمّة مَنْ يريد ذبحهم.

وهم لن يستقرّوا خلال الشهور التي كانت تبقّت من عُمر “مخيم اليرموك” في “مخيم اليرموك” بل سيظلّون راكضين مذعورين في شوارعه إلى أن يخرجوا منه، و”بوشّهم عَ الشام “. ومُنْذ لحظتها ما عاد أحدٌ يرى النَّور في “تربة اليرموك”، إذ ما عاد في الأصل بمقدور أحد أن يصل إلى تلك التربة بعد أن غدت ساحة حرب. وما عاد أحدٌ يتوقّع أن يسمع طَرَقاتهم، وسطولَهم، في شهر رمضان، لأن رمضان الذي أتى على الناس بعد نحو أسبوع من تلك الحادثة لم يكن مثل رمضانات أيام زمان.

ولسوف نلقاهم، حين نتهجّرَ مثلما تهجّروا، في ساحات دمشق وشوارعها، وبالأخصّ في الحديقة التي أقيمت مكان “سوق القرماني”، خلف “جامع ومُجمّع يلبغا”، وفي “ساحة المرجة” و”سوق العتيق” وساحات دمشق الأخرى. ومِنْ جموع هؤلاء الهاربين بأرواحهم ستمتلئ غُرف الفنادق الرخيصة في دمشق، وتنتعش أحوالها.

ولكن وبعد أن كان هروب هؤلاء من “مخيم اليرموك” إلى الشام بمثابة حلٍّ هبط من السماء، على أصحاب تلك الفنادق الذين كانوا يكُشّون الدّبان، كما يُقال باللهجة الدارجة، ولا يجدون من يطرق أبواب فنادقهم، راح هؤلاء الغجر وبمرور الأيام، وبالأخصّ بعد أن فاضت “دمشق” بغيرهم من النازحين من هنا وهناك، يشكلون رعباً وضيقاً ما بعده ضيق لأصحاب الفنادق، بضجيجهم، وبما يُخلّفونه وراءهم من أوساخ، وقاذورات، وصُراخٍ وشتائم تُخجلُ النزلاء الآخرين وتخدشُ حياءهم. وتعال ساعتها طَلِّع النَوَر من الغرف التي يشغلونها في فنادق البلد.

وما أزال أذكر بنوعٍ من الأسى، وقد صرنا بعد أن تهجّرنا من “مخيّم اليرموك”، أنا أسكن في مشروع دمّر، وصديقي “أبو احميد” يسكن غرفةً في واحدٍ من الفنادق المتواضعة التي يشغل النَّوَرُ معظم غُرَفها، وكان في حارة قريبة من ثانوية التجهيز. وكنتُ مرّةً هاتفتُهُ بأنني سأنزل إلى الشام بعد قليل، وأنني سأمرّ عليه في فندقهِ. فردّ عليّ:

“أهلين أبو احميد. ياالله. خلّينا نلتقي تحت في جنينة الجلاء أحسن”.

وجنينة الجلاء التي أشار لها صديقي حديقة صغيرة تحت ثانوية التجهيز، تحتضن نُصب الجندي السوريّ المجهول. وعندما وصلت بعد نحوٍ من ساعة إليها وجدتُه في انتظاري، وشنطةٌ من شنطات السفر تَرْتكي قريباً منه. وكانت تلك الشنطة الملأى بالثياب هي كل ما خرج معه من “مخيم اليرموك” مما كان له.

وسألتُه أستفسره عن سِرّ وجود الشنطة بجانبه، ثم عن السر في أنه لم يستقبلني في غرفته في الفندق على جَري عادته فقال لي:

- أصحاب الفندق طلبوا مِنّا إخلاءه لإجراء تصليحاتٍ فيه.

وكانوا قد همسوا في أذنه (كما أخبرني) بأن تلك كانت خدعة من جانبهم، أرادوا من ورائها التخلُّص من النوّر الذين يملأون كثيراً من غرف الفندق، وطلبوا منه أن يحزم حقيبته، ويأخذ كل ما له من متعلقاتٍ، على أنه قد ترك الفندق نهائياً، ثم يعود بعد ساعتين أو بالكتير تلات ساعات، ويكونوا قد تخلّصوا من النوَرِ، ومتاعبهم، وأهلاً به ساعتها!

وكان “أبو احميد” هو الآخر قد ضاق ذرعاً بجيرة النَوَر، الملأى بـ”الصخب والعنف”، وبعد أن عاد إلى الفندق بعد ساعتين أو تلات ساعات، كما وشوشَهُ أصحاب الفندق، وجد النَوَر مايزالون يملأون غُرَفَ الفندق كمثلما كانوا من قبل، وأنه كان الوحيد الذي امتثل لأوامر أصحاب الفندق.

وبما أن جيرانه كانوا ما يزالون هم هم، و”الصخب والعنف” هما هما، عندها قرر ألاّ يعود إلى غرفته في ذلك الفندق قطّ. وحمل شنطة سفره، وانطلق يبحث له عن بيتٍ يستأجره. فبعد يومين أو ثلاثة أيام، وكنتُ احتجتُ أن أنزل من مشروع دمّر، حيث سكنتُ بعد أن تهجّرتُ من اليرموك، وكنتُ صِرْتُ لا أنزل إلى الشام إلا مرة كلّ أسبوع أو كل أسبوعين، لكثرة ما كان يلاقيك على الطرقات من حواجز، ومِنْ سينٍ وجيم، فقلتُ لنفسي:

أَمُرُّ على الفندق، أرى صديقي “أبو احميد”، فاتصلت به على الموبايل أقول:

- ها ” أبو احميد ” عزيزي. ياالله هه. شي ساعة أو ساعة ونص بالكثير وبأكون عندك في الفندق. ولاّ بتحب نلتقي في جنينة الجلاء مثل هديك المرّة؟

وعندها فقط علمت أن “أبو احميد” كان قد ترك الأوتيل بعد الساعتين أو التلات ساعات التي طُلب منه أن يُمَغْيِبَ خلالها عن الفندق. وقال يَرُدّ على اتصالي به:

– والله يا صاحبي أنا صرت هلأّ ساكن في “قُدسيّا البَلَد”. طيب. مَرّ. تعال إنت إذا كنت فاضي عَ “قدسيّا البلد”.

***

وأذكر مرّةً، عام 1985، وكنتُ انتظمت مع مجموعة من العاملين في الإعلام الفلسطيني، في دورة في “مدرسة اتحاد الصحفيين العالميين” في “بودابست”. وكانت الدروس تنتهي في الساعة الثالثة من بعد ظهر كلّ يوم، وبعدها مسموحٌ لنا أن نَطُشّ في شوارع المدينة، على أن نعود إلى المدرسة قبل الحادية عشرة ليلاً.

وكان راعنا أن السكيورتي في أماكن اللهو، ومرابع الديسكو في المدينة كثيراً ما كانوا يعرقلون دخولنا إلى تلك الأماكن، ثم ومن بعد أن يكشتفوا هويّتنا يعتذرون ويسمحون لنا بدخولها. واستفسرنا عن ذلك الوضع الشاذّ الذي بات يُعَكّر صَفوَ إقامتنا في تلك المدينة الخلاّبة، فقيل لنا إن الذين يمنعونكم من دخول تلك الأمكنة يظنّونكم للوهلة الأولى من غجر هنغاريا، وهؤلاء إن دخلوا مكاناً أفسدوه، وجعلوا عاليه واطيه.

وكان لدورتنا برنامج زياراتٍ مترافق مع الدروس النظرية، نجول خلاله على معظم أرجاء هنغاريا، المجر، طولاً وعرضاً، فطلبنا، ولم يكن ذلك وارداً أصلاً في برنامجنا، أن يتضمن ذلك البرنامج زيارةً لإحدى قرى الغجر، هؤلاء القُساة المفسدين، الذين يحرموننا هنيء التمتع بمباهج “بودابست”. وجرى اختيار قرية للغجر نزورها في أقاصي هنغاريا، فتوجّهنا إليها ليلاً، وما وصلناها إلاّ مع “شقوق الضوّ”.

ونزلنا في ساحة القرية، وتوجّهنا من فورنا إلى بارٍ في طرف تلك الساحة، نستريح ونصلح من أشكالنا التي تشعّثت بفعل النوم في طريقنا الطويل والمضني. وكانت الطاولة التي تصطفّ خلفها المشاريب الروحيّة على أنواعها، تكتظّ ساعتها بالغجر الذين كانوا يحتسون البيرة من وِشّ الصبح، يا فتّاح يا عليم. وانتبهنا إلى أنهم راحوا ومنذ أن دخلنا يتهامسون، ويؤشّرون نحونا، ويضحكون. فطلبنا من مترجمٍ معنا أن يذهب إليهم ويستفسرهم عن سبب سلوكهم ذاك. وبعد أن عاد المترجم سألناه قائلين:

– ها شو قالوا لك؟

فطلب أن نعفيه من الإجابة. فألححنا عليه أكثر من ذي قبل. وعندها قال:

- يقولون: غجر جاؤوا يتفرجّون على غجر.

أي والله. هكذا ترجم لنا المترجمُ.

***

ولكن، ما الذي قصده “إخوات الشلّيته” غجر هنغاريا بما قالوه عنّا؟


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات