الخَروف المُجَنَّح

تأمُّل نقدي في حِكَايَة طّفلة

الجديد  عبد الرحمن بسيسو [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(32)]

لوحة: عدي أتاسي
حِكَاية خُرافِيَّة تستلهمُ التُّراثَ الحيَّ لتَرى المُسْتَقْبَل

فازت طفلة فلسطينية لم تكن قد تجاوزت الرَّابعةَ عَشْرَةَ من عمرها، بجائزة هانز كريستان أندرسون الدَّوليَّة للحكاية الخياليَّة. كان ذلك قبل بضع سنوات، ولم تكن هذه الطفلة إلا واحدة من بين ما يربو على ألف ومئتي طفلة وطفل تتراوح أعمارهم ما بين الحَادِيَة عَشْرَة والسَّادسة عَشْرَة، وينتسبون: ثقافاتٍ وأوطاناً وأحوالَ عيش وتطلُّعاتٍ وآمالاً، إلى أحيازٍ مكانيَّة عديدة ومتنوِّعة من عالمنا الواحد، كانوا قد شاركوا في هذه المُسَابقة (1) بـ”حكايات خياليَّة” أبدعوها لِتُفْصِحَ عن شيء من مكنونات أنفسهم، ولتقولَ جانباً من جوانب رؤياتهم الواقعيَّة إلى الواقع القائم في أحيازهم المجتمعيَّة، أو لتفصحَ عن رؤاهم المستقبلية لهذا الواقع، وذلك عبرَ قصِّ حكاياتهم الخاصَّة مع الحيِّز الذي فيه يُمارسون حيواتهم اليوميَّة، والذي في رحَابهِ، وليسَ خارجَهُ، يَسْعَى كُلٌّ منهم إلى بناء مستقبلٍ يليقُ بإنسانيته المفتوحة على تجلِية نفسها في أعماقِ وجدانهِ الفَتِيِّ، وفي مسارات خطوه الحيويِّ، النَّاشئ للتَّوِ، في مدارات الحياة، وفي مُمْكِناتِ قُدْرَتِهِ على إدراك مستقبلٍ يَفْضُلُ الواقعَ القائمَ الآن في حيِّزه المكاني، أو يغايرهُ، أو يُناقضهُ تماماً؛ مستقبلٍ يتوقُ كُلٌ منهم إليه، ويراهُ قابلاً للإدراك في مقبل الزَّمن القريب.

وما الحكايةُ الخُرافيَّة التي أبدعها خيال الطّفلة الفلسطينيَّة الأعرابيَّة، صالحة حمدين، التي تعيش على تخوم القدس في مجتمع بدويٍّ فقير (مضارب عرب الجهالين في وادي أبوهندي)، إلا قصَّةً حياةٍ يوميَّةٍ واقعيَّةٍ، قاسيةٍ ومريرةٍ (2)؛ يفرزُ أدقَّ تفاصيلها، وَيَحْكُمُهَا، قابضاً على خِنَاقها، احتلالٌ أجنبيٌ عنصريٌ إحلاليٌ بغيض، فيسعى الخيالُ الإنسانيُّ الطَّليق إلى جعلها ممكنةً عبرَ اجتراحِ واقع بديل يتأسَّسُ على استكشاف مُمْكِنَاتٍ مُتخيَّلةٍ لِتَجَاوز هذه الحياة التي تُطَابِقُ الْعَدَمَ، وصولاً إلى مشارف حياةٍ أُخرى قد تكون جديرةً بأنْ تُسَمَّى “حياةً”.

***

وها هي حكاية “صالحة”، أو لنقل قصّتها و صديقها “الخَرُوف المُجَنَّح” الذي أسمتهُ “حَنْتُوش“:

“اسمي “صَالحة”، أَنَا مِنْ مَدْرَسَةِ (عَرَبِ الْجَهَالين)، أعيشُ في خيمةٍ صغيرةٍ في (وادي أبوهِنْدِي)، عمري 14 سنة. في النَّهار أدرسُ في مدرسة القَصَبْ، وقد صَنَعُوهَا مِنَ القصب لأنَّ الجُنُودَ أَعْلَنُوا أَنَّ أَرْضَنَا منطقةٌ عسكريةٌ مُغْلَقَةٌ، حيث يَتَدَرَّبُونَ على إطلاق النَّار في منطقة الزِّراعة.

يَعِيشُ مَعَنَا في الْخَيمَةِ سَبْعُونَ نَعْجَةً، وأقومُ أَنَا بحلبها بعدَ أنْ أعودَ مِنَ الْمَدْرَسَةِ، وأَصْنَعُ الْجُبْنَ ثُمَّ أَبِيعُهُ لأهلِ الْمَدِينةِ.

الطَّريق هُنَا وَعرَةٌ لأنَّ الْجُنُودَ يَمْنَعُونَا مِنْ تَعْبِيدِ الطَّريق، ويَتَدَرَّبُونَ على إطلاق النَّار في اللَّيل، وأنا أَكْرَهُ صوتَ الرَّصاصِ، أَكَادُ أُجَنُّ مِنْهُ، فَأَهْربُ، نَعَمْ أَهْرُبُ.

لا يُوجَدُ لديَّ درَّاجةً هَوائِيَّةً، لأنَّ الطَّريقَ وَعرَةٌ، ولا سَيَّارةَ عِنْدِي ولا طَيَّارةْ، لكنْ عِنْديِ شِيءٌ أستخدمهُ لِلْهُروب. اقْتَرِبُوا، اقْتَرِبُوا، سِأُوَشْوِشُكُمْ سِرَّاً، عِنْدي خَرُوفٌ يَطِيرُ، اسْمُهُ “حَنْتُوش“، لَونُهُ أَسْوَدُ، وَأُذُنَاهُ طَويلَتَانِ، لَهُ جَنَاحَانِ سِرِّيَّانِ يُخَبِّئهُمَا دَاِخلَ الصُّوفِ، ويُخْرِجهُمَا حِيَن أَهْمِسُ فِي أُذُنَيهِ: “يَا حَنْتُوشْ يَا خَرُوفْ أَطْلِعْ جَنَاحَيكَ مِنْ تَحْتِ الصُّوفْ”.

أُغَنِّي في أُذُنَيهِ، فيما يبدأُ الْجُنُودُ بالتَّدَرُّبِ عَلَى إِطْلَاقِ الرَّصَاص، وَأَرْكَبُهُ، فيَطِيرُ بِي. والْبَارِحَةَ هَرَبْنَا إلى “بَرْشَلُونَة“. سَنَقُولُ لَكُمْ شَيئَاً، ِفي (وَادِي أَبُوهِنْدِي) لا يُوجد مَلاعبُ أَصْلَاً، لِأَنَّ الْأَرْضَ مَزْرُوعَةٌ بِالْأَلْغَامْ.

وفِي (بَرْشَلُونَة) قَابَلْنَا “مِيْسِي” صَاحِبَ الأَهْدَافِ الْكَبِيرةِ، لَعِبْنَا مَعَهُ لِسَاعَاتٍ طَويلَةٍ. خَرُوفِي “حنتوش” كَانَ واقِفَاً حَارِساً لِلْمَرْمَى، وأَنَا أُهَاجِمُ “ميسي” وَفَرِيقِهِ. أَدْخَلْنَا فِي مَرْمَاهُم خَمْسَةَ أَهْدَافْ.

أَرَادَ “مِيسِي” أَنْ يَضُمَّنَا، أَنَا و”حَنْتُوشْ”، إلى فَرِيقِ (بَرْشَلُونَة)، لَكِنَّنَا رَفَضْنَا، نُرِيدُ أَنْ نَعُودَ إِلى (أَبُوهِنْدِي) لِأَنَّ الْأَغْنَامُ هُنَاكَ تَنْتَظِرُنِي، فَلَا يَذْهَبُ أَحَدٌ غَيري لِيَحْلِبَهَا؛ فَأَبِي فِي السَّجْن مُنْذُ سِتِّ سَنَوَاتٍ، وَبَقِيَ لَهُ تِسْعَ عَشْرةَ سَنَةٍ.

سَأَقُولُ لَكُمْ سِرَّاً: أَخْبَرَنِي “ميسي” أَنَّهُ سَيَزُورُ (وَادِي أَبُوهِنْدي) بَعْد سَنَتَين.

سَنُقِيمُ مُونْديَال 2014 فِي (وَادِي أَبُوهِنْدي)، سَنُنَظِّفُ مَعَاً الْأَرْضَ مِنَ الْأَلْغَامِ، وسَنَبْنِي أَكْبَرَ مَلْعَبٍ فِي الْعَالَمِ، وَسَنُسَمِّيهِ “مَلْعَبَ حَنْتُوشْ”، وسَيَكُونُ الْخَرُوفُ شِعَارَ الْمُونْديَال.

فَأَهْلاً وَسَهْلَاً بِكُمْ جَمِيعَاً فِي (وَادِي أَبُوهِنْدي)، نَحْنُ جَمِيعَاً بِانْتِظَارِكُمْ”.

تُدرك صالحة أنَّها لا تعيشُ وحدها في هذا الحيِّز الْوَعرِ الضَّيِّق، المُغْلَقِ، والمحكوم بأوامر عسكريَّة، أي في “الخيمة” ومحيطها المُحوَّل إلى “منطقةٍ عسكريَّةٍ مُغلقةٍ” تحتوي “حُقُولَ رماية” و”حقولَ ألغامٍ” استُبدلت ببيَّاراتٍ ومزارعَ، وجُنُوداً مُدَجَّحِينَ بأسلحةٍ فاتكةٍ اسْتُبْدِلوا بمزارعين يحرثون الأرض ويغرسونها ويتعهدونها بالرِّعاية

***

سِرُّ صَالِحَة ورُؤيَتِهَا لِلْعَالمْ

تقولُ صَالحة حَمدين حكايتها الواقعيَّة عبر قصَّة واقعيَّة تبدو خياليَّةً، أو ربَّما خُرافيَّة مُفْعَمةً بالوهم، غير أنَّ التَّدقيق الأوَّلي في مكونات هذه الحكاية يُبيَّنَ حقيقة أنَّها “حكاية واقعيَّة بامتياز″، فليس فيها ما يجعلنا، نحنُ القرَّاء من الفلسطينيين والعرب، نُقرُّ بانتمائها إلى الوهم التَّخييلي المسكون بالخُرافة، إلَّا وجود “حَنْتُوش” ذلك “الخَرُوف المُجَنَّح” القادم من “الخيمة” التي تتقاسم أسرةُ “صالحة” الْعَيشَ فيها مع قطيع كبير من النِّعاج ينتمي “حَنتوش” إليه بقدر انتمائه إلى آخَريِهِ من قاطني الخيمة التي يقطنها.

وهذا الـ”حَنْتُوشُ”، القَادمُ من الخيمة المشتركة التي هي بيتُ حياةٍ يتقاسمهُ بشرٌ وقطيعُ خِرافٍ ونِعَاج وكائناتٍ وأشياءَ أُخرى؛ والمنتمي إلى قطيعٍ تملكه “صالحة” فترعاهُ وتحدبُ عليه لتفيدُ منه؛ والقادرُ، فَوْرَ أنْ تهمسَ صالحةُ في أُذُنيه الطَّويلتين، على إخراج جناحيه السِّريين من تحت الصُّوف الأسود ليَطِيرَ بها بعيداً، بعيداً صوبَ مداراتِ فضاءاتٍ حُرَّة، ومفتوحةٍ، تُبْعِدُهَا، ولو قليلاً، عن انغلاقات الواقع الاستبداديِّ المُرِّ الذي تُعانيه؛ هذا الـ”حنتوشُ” هُو سِرُّ صالحة الوحيد، وعلى جناحيه، مهيَّأين للطَّيرانِ أو رَفْرافينِ في فضاءٍ مفتوح، تتشكُّلُ رؤيتها المستقبليَّة للعالم وتتجلَّى، وما ذلك إلا لكونه قادراً على نقلها من “وَاِقعٍ قَاتِمٍ قَائِمٍ” تُعاني عقابيله وترفضُ استمراره، إلى “واقعٍ مُنيرٍ مُمكن” تتوقُ إليه، وتعملُ، بِدأبٍ، على إدراكه!

هُوِيَةٌ مُتَمَاسِكَةٌ وانفتاحٌ طَلِيق

تبدأُ صَالحة قَوْلَ الحكاية، المحمولة على صوتها مُباشرةً وبلا وسيط غير الكلمات والأصوات، بتعريف قُرَّاء قصَّتها وسامعيها بنفسها كما تعرفها، فهي تعرفُ أنَّ اسمها هو “صالحة”، وأنَّها في الرَّابعة عَشْرَة من عُمرها، وأَنَّها تنتسبُ إلى مدرسة “عرب الجَهَالين” التي تتابعُ الدراسة فيها، والَّتي جُعِلَتْ مدرسةً من قَصَب لأنَّ “الجُنُودَ أعلنوا أنَّ أَرْضَنَا منطقةٌ عسكريةٌ مُغْلَقَة”، كما أنَّها تُدرك أنَّ هذا الإعلان قد أفضى، ضمن ما أفضى إليه من ممارساتٍ استبداديَّة، إلى تحويل المناطق الزِّراعية إلى حقولٍ للرِّماية والتَّدرُّب المتواصل على إطلاق النَّار، أي إلى استبدال النشاط الإنسان الخَيِّر المُخْصِبْ الذي هو الزِّراعة التي يُمارسها أصحاب الأرض: حَرثاً وغرساً وسقايةً ورعايةً وحصاداً ومواسمَ حياةٍ مُفْعَمَة بالحياة، بنقيضه المهلك الذي هو الرِّمايةُ والتَّدرُبُ على إطلاق النَّارِ اللذين يُمارسهما جُنودُ الاحتلال تهيُّئاً لخوض حروبٍ عُدوانيَّة مُتوحِّشَةٍ وجدباءَ لا تحملُ في أطوائها غير الخراب والدَّمار والموت لمن يُسْتَهدفُ بها من الآخرين والأغيار من الأشياء والكائنات والنَّاس!

هكذا لا تُدرك صالحة مكونات هُويَّتها، كإنسانٍ فردٍ، بمعزل عن إدراك المكونات الأخرى التي تجعلها عضواً في جماعة إنسانيَّة مفتوحة على التَّفاعل مع آخَرِيهَا من الكائنات والأشياء والنَّاس، بمن فيهم الأغنام والخراف ومكونات الطبيعة المحيطة، فهي تُلِحُّ على انتسابها، أوَّلاً، إلى جماعتها البدويَّة “عرب الجهالين” العريقة، والتي يبلغُ عدد أفرادها، في هذه المنطقة من فلسطين، نحو الثلاثمئة شخص، كما تُلحُّ على كونها ابنةً لأبٍ شَابٍّ اسمهُ “سليمان”، رفضَ الواقعَ الاحتلالي الإحلاليِّ الإسرائيليِّ القائم في وطنه “فلسطين”؛ فتمرَّد عليه وانخرطَ في مقاومته، فكانت عقوبتهُ هدم بيته الأسرى، والحكم عليه بالسَّجن خمسةً وعشرينَ عاماً لم يمضِ منها، حتَّى الآن، سوى ما يربو، قليلاً، على ثلثها، فاضْطُّرت، منذُ اعتقاله وهي طفلة صغيرة لمَّا تبلغُ السَّابعة من عمرها، إلى تَغْطِّيةِ غيابه بتوليَّ رعاية “قطيع الخِراف والنَّعاج”، وصناعة الجُبن وبيعه، لتتمكَّن، عبر العمل المُنْتِجِ، من الإسهام في تأمين متطلبات عيش أفراد أسرتها، ورعايتهم، وتوفير ما يتطلَّبهُ التَّعَلُّم في مدرسة القَصَب من لوازم ونفقاتٍ.

وليس لمكونات المحيط وسماته العامَّة، ولا سيما خصائصه الطُّوبوغرافيَّة، والجيوسياسيَّة، والضَّرورات الطبيعيَّة والشُّروط الاجتماعيَّة، والتَّصوُّرات الثَّقافة والموروثات المتراكمة التي تحكمه فتعكسُ نفسها على حياة قاطنيه وعلى ظروف عيشهم وعملهم وآفاق مُستقبلهم، إلا أنْ تُشكِّل، في تَضَافرٍ لا يُمْكِنُ إغفالُ تأثيراته الحاسمة، عناصر مُكوِّناتٍ أساسيَّة، بل جَوهريَّة، للهُويَّة الفرديَّة والجماعيَّة على نحو قد يسمها بالانغلاق التَّام، أو بالانفتاح النِّسبي، أو بالمراوحة ما بين هاتين المنزلتين على هذه الدَّرجة أو تلك.

وإنِّي لأتساءلُ، هُنَا، عن السِّر الكامن وراءَ عَجزِ هذا المُحِيط الاستعماريِّ الاستبدادي القَاسي، المحكومِ بأعتى شروط الحَياةِ وضروراتها الضَّاغطة، وبممارساتٍ عنصريَّةٍ تُضاهي الوحشية المُطلقة وانتهاكات جسيمة لأبسط حقوق الإنسان يُمعنُ الاحتلال الإسرائيلي في اقترافها بحقِّ فلسطين وشعبها، عن وسم هُوِيَّة صالحة بالانغلاقِ، أو بالتَّقوقع المَرَضيِّ على الذّات؛ فأينَ يكمنُ سِرُّ تماسك هُويَّة صَالحة وانفتاحها الطَّليق على العالم الذي تتوق إلى الإطلال عليه وإنْ عَلَى جَنَاحَي خَرُوفٍ مُجنَّحٍ؟

تقفُ الطَّفلة صالحة، كَمُؤَلِّفة كتبت قصَّةً مُتخيَّلةً، أو كحكواتيَّة أبدعَ خيالها حكاية خُرافيَّة أَسْمَتْهَا “حَنْتُوش”، وبَثُّتها في النَّاس عبر كلماتٍ وصورٍ محمولةٍ على نبراتِ صوتها وأجنحةِ خيالها الطِّفْلِيِّينِ الطَّليقين، في مركزِ شبكةِ العلاقاتٍ المُتشَعِّبة التي تربطها بآخريها من الأشياء والكائنات والنَّاس

انِتِسَابٌ جُذُوريٌّ وشَبَكةُ عَلاقَات

تُدرك صالحة أنَّها لا تعيشُ وحدها في هذا الحيِّز الْوَعرِ الضَّيِّق، المُغْلَقِ، والمحكوم بأوامر عسكريَّة، أي في “الخيمة” ومحيطها المُحوَّل إلى “منطقةٍ عسكريَّةٍ مُغلقةٍ” تحتوي “حُقُولَ رماية” و”حقولَ ألغامٍ” استُبدلت ببيَّاراتٍ ومزارعَ، وجُنُوداً مُدَجَّحِينَ بأسلحةٍ فاتكةٍ اسْتُبْدِلوا بمزارعين يحرثون الأرض ويغرسونها ويتعهدونها بالرِّعاية مُنْتَظِرِينَ مواسمَ خُصُوبةٍ ونَمَاءٍ وغِنَاءْ، وخياماً أُخرى استعيضَ بها عن البيوت، وطُرقاً وعرةً مَنعَ الجنودُ النَّاسَ من تَعْبِيَدها، وأصواتَ إطلاق نارٍ هيمنَ ضجيجهُ الكَرِيهُ، ليلاً ونهاراً، على أجواء المكان وأسماع النَّاس، فَشرَّدَ الطُّيور المُجنَّحة وأرسلها بعيداً عن موطنها الأصليِّ، وسَوَّد عَيشَ أهل البلاد وأصحابها الأصليين إذْ احتجز تطوُّرهم الطبيعي، وكبح ممكنات تواصل علاقتهم التاريخيَّة مع حيِّزهم المكاني الأوَّل الذي جعلوه وطناً، وذلك بتحويل الحقول الزِّراعية الخصبة إلى حقول رماية، والمشاهد الطبيعيَّة الخلاَّبة إلى قبوٍ مُغْلَقٍ لا تُطلُّ منه، أو عليه، إلا منزلقاتُ مَهاوىٍّ وَعرةٍ وفوَّهاتُ بنادقَ مَحْشُوَّةٍ بالرَّصاص، ولا يُبرقُ في سَقْفه الواطِئ المُتكلِّس الرَّطب بصيصُ ضوءِ نجمةٍ خافت، أو يرفرفُ في فضائه المُعتم جناحُ طائرٍ كَسِيرْ.

ولأنَّها تَحُسُّ، بطبيعة فِطْرتها الإنسانيَّة وإنْ على نحو غامض، بِوُجود الآخرَ الذي لا يَكْتَمِلُ وجودها كـ”ذاتٍ” إنسانيَّة إلا بِوجودهِ، تشرعُ صالحة، التي جلست لتكتب حكاية خُرافيَّة أسمتها “حَنْتُوش”، في استجلاءِ ذاتها، وملامسةِ مكوناتها العميقة واكتشافِهَا والكشفِ، لنفسها، عنها، وذلك عبر استقراءِ ما تبثُّهُ شبكةُ العَلاقات التي تربطها بآخريها من تَصوُّراتٍ وقيمٍ ومعان ودلالات؛ إذْ عبر هذا الاسْتِقْراءِ الذي يبدو، في حكاية صالحة، أمراً عفويّاً تُمْلِيه فِطْرةُ العقل الإنسانيِّ وتُحفِّزُ انبثاقَهُ وتوالِي حُضُورِهِ مُعطياتُ عمليَّةِ الكتابةِ الإبداعيَّة وآلياتها الأوَّليَّة، تتحدَّدُ مكونات شبكة العلاقات التي تتحرَّكُ حياةُ صالحة على محورها الرَّئيس، والتي تُسْهِمُ نتائجُ تفاعلها بقدر ما تسهمُ إفرازات كبحها عن التَّفاعل، في تحديد طبيعة العلاقة التي تربط صالحة بأيّ آخر من الآخرين الذين تتكوَّنُ منهم هذه الشَّبكة كأطرافَ مُنْخَرِطِينَ، أو غيرَ مُنْخَرِطِينَ، في علاقةٍ تفاعُلِّيةٍ مع صالحة، ومع بعضهم بعضاً، ومع آخرين مُحتملينَ يقطنونَ، تحت ظروفٍ حياتيَّةٍ وشُروط عيشٍ ومستوياتٍ مجتمعيَّة وحضاريَّةٍ مُتَغَايرةٍ، أحيازاً أخرى من مساحات عالم واسع ذي مداراتٍ حيويَّة متباينة.

تقفُ الطَّفلة صالحة، كَمُؤَلِّفة كتبت قصَّةً مُتخيَّلةً، أو كحكواتيَّة أبدعَ خيالها حكاية خُرافيَّة أَسْمَتْهَا “حَنْتُوش”، وبَثُّتها في النَّاس عبر كلماتٍ وصورٍ محمولةٍ على نبراتِ صوتها وأجنحةِ خيالها الطِّفْلِيِّينِ الطَّليقين، في مركزِ شبكةِ العلاقاتٍ المُتشَعِّبة التي تربطها بآخريها من الأشياء والكائنات والنَّاس، أي بِمُكوِّنات الحيِّزَ الصَّغير الذي تقطنهُ، وبما يحضرُ في تصَوُّرها، وعياً أو تخيُّلاً، من مكوِّنات أَحْيَاز المجال المكاني الأوسع التي يتواصلُ الحيِّز الذي تقطنه معها ومع قاطنيها، ويلتحمُ بها عبر انتسابٍ سُلاليٍّ جذوريٍّ يتأصَّلُ في المكان ويرسخُ متوغلاً في الأزمنة ومُنْفَتِحاً على تَوالي الأجيال، ليتَوَحَّدَ معها ومع قاطنيها في نطاق كينونة إنسانيَّة يتجلَّى وجُودُها الحيُّ في كينونة وجوديَّة تتوافرُ، اجتماعياً وحضاريَّاً وثقافيَّا وسياسيَّاً وإنسانيَّاً، على امتداد تاريخيِّ راسخٍ وآفاق مستقبل مفتوح، وعلى كُلِّ ما يُؤهِّلها لأنْ تضفرَ في إهابِ هُويَّة واحدةٍ، متماسكة وملتحمة، ما بينَ “شَعْبٍ” و”وطن” ينفتحان، في مجرى صيرورتهما التفاعليَّة المشتركة، على مساحات العالم الواسع المتنوِّع الأحياز والثَّقافات والشُّعوب والهُويَّات، وعلى آفاق الوجود الحيِّ وممكنات المستقبل، فلا يصير “الوطنُ” إلا اسماً آخر لـ”الشَّعب” الذي جعله وطناً، وذلك بالمعنى الاجتماعيِّ والحضاريِّ والثَّقافي الذي يتكفَّلُ وحدهُ، وعن جدارةٍ إنسانيَّةٍ عاليةٍ، بتسمية الشُّعوب والأوطان ونسبتهما، معاً، إلى قيمٍ إنسانيَّة سامية وجامعة، هي وحدها الكفيلة بتحويل الكائن المنسوب إلى عالم الحيوان من “كائن بشري” إلى “إنسان“، وجعل الكون بأسره مجالاً حيويِّاً يحتضن، بحميميَّةٍ وتوقٍ، جميع موجوداته وكائناته، ويُعلي من شأن الفاعلينَ الحَضاريين الإنسانيين من قاطنيه الذين يَعْمُرونه فَيُعْلون من شأنهِ، ويُرسِّخون وجودهم في مداراته جميعاً!

أنا كاتبة، ذاتٌ إنسانيَّةٌ، وتناقض جذريٌّ

تبدأُ صالحةُ، ككاتبةٍ، وكذاتٍ إنسانيَّةٍ ناطقةٍ لنصِّ مَكْتُوبٍ، وكابْنَةِ حَيَاةٍ، بوضع اسمها في مركز الدَّائرة التي على محورها تتحرَّكُ جميع أقطاب شبكة علاقاتها مع نفسها ومع آخريها من الكائنات والموجودات والأشياء والنَّاس: “اسمي صالحة”، ثُمَّ تشرعُ في الانتساب إلى أوَّل ما يبدو أنَّها تفخرُ بالانتساب إليه؛ أي إلى المعرفةَ منسوبةً إلى جماعة بشريَّة تُنْتِجُهَا وتُمَأْسِسُهَا وتتابعُ تنميتها وتطويرها: “أنا من مدرسة عرب الجهَّالين”، وإلى مكان عيشها: “أعيشُ في خيمة صغيرة”، وإلى الحيِّز المكانيِّ الأوسع الذي يضمُّها في رحابه الضَّيقة مع جماعتها البشريَّة “عرب الجهّالين”، والمدرسة المنسوبة إليها “مدرسة عرب الجهّالين”، والذي هو “وادي أبوهِندي”. وقبل أنَ تشرعَ في إطلاعنا على الشَّروط والأوضاع التي تحكم “الواقع القائم” في هذا الحَيِّز المكانيِّ، مُبَيَّنةً السَّبب الجذري الذي يُفْرِزُهَا؛ أي الاحتلال العسكريِّ الأجنبيِّ الذي يضمن بقاؤه ديمومة اتسام هذا الواقع بالاستبداد والقتامة، تُمَرِّرُ صالحةُ إلى أفهامنا معلومة تتصلُ بعمرها: “عمري 14 سنة”، وأخرى تتصلُ بمهمة دائمة في برنامج حياتها اليومي: “في النَّهار أدرسُ في مدرسة القَصَب”، ثُمَّ تُعرِّفنا بمهمات دائمة أخرى تنهض بها إلى جانب الدِّراسة والتَّحصيل المعرفيِّ، وذلك في سياق سَردٍ يُعرِّفنا أنَّها وأسرتها و”سبعون نعجة” يتقاسمون العيش “في الخيمة”، وأنها تقوم بِحَلْبِ النِّعَاجِ بعد أنْ تعود من المدرسة، وأنَّها تصنعُ من حليبها الْجُبْنَ لِتَبِيعَهُ إلى “أهل المدينة”.

هُنا يبدأ قُطْبا شبكة العلاقات المتناقضان تناقضاً جذريَّاً، واللذان يتنازعان حيّزاً مكانيَّاً واحداً تتوفَّرُ لِكُلٍّ منهما، وإنْ على نحو غير مُتعادلٍ، فُرَصُ أنْ يَسِمَهُ بسماتٍ تُساوق هُوِّيته ورؤيته للعالم وللدَّور الذي يراهُ لنفسه فيه، في التَّشكُّل عبر سردٍ يَصُوغُ حكاية تتكوَّن من نحو مئتين وثمانين كلمة فحسب. وهُنا، أيضاً، تَتَبدَّى صالحة وهي تنسجُ علاقاتٍ إنسانيَّةً تتسمُ بالأُلفة والحميمية، وتبثُّ مَشَاعِرَ مُتَغَايرة أُخْرَى، مع “وادي أبوهندي” ومع ما هو مبذولٌ أمامها من مكوناته التي هي بعضُ آخريها: المدرسة؛ القصب الذي بُنيت منه؛ المدرسون والمدرسات وزملاء الدراسة؛ الخيمة وأفراد الأسرة وقطيع النِّعاج والأغنام وعلى رأسها، جميعاً،الخَروفُ المُجَنَّحُ “حَنْتُوش“؛ الأواني والأوعية التي تستعملها في حَلْب النعاج ومعالجة الحليب وصُنْع الجبن؛ وكذلك مع من كانَ موجوداً مِنْ قَبْلُ في هذا الحيِّز وغاب ليسكن الذَّاكرة: مع أبيها القابعِ في السَّجن منذُ ستِّ سنوات؛ أو مع من يُتاحُ لها أنْ تتواصل معهُ من النَّاس القاطنين أحيازاً مكانيَّة قريبة لا يُمكن الوصول إليها إلا عبر سُلوك طُرق وَعرة مُنِعَ تعبيدها: “أهل المدينة” الذين إليهم تبيع ما تصنعهُ من جبن، أو الذين تزورهم في بيوتهم، لعمل أو لغرض آخر، فتعرفُ خلال هذه الزيارات ما لا يُمْكِنُهَا معرفته، أبداً، إنْ هي ظلَّت رهينة “وادي أبوهندي” المحكوم باحتلال استعماريٍّ عنصريٍّ، إحلاليٍّ بغيض، يُحِيلُهُ إلى مَحْضِ قَبْوٍ جحيميٍّ.

ثنائيَّةُ الخَيْر وَالشَرِّ: صِراعٌ أزّليٌّ

على نقيض القطب الإيجابيِّ الخَيِّر، مُتعدِّد الأطراف، وفي سياق نوعٍ من الاشتباك الدَّامي على أحقيَّة الوجود في هذا الحيِّز المكاني، يتبدَّى “الجنودُ الأشرارُ“، موسومينَ، هُويَّةً وسُلوكاً، بما يُصْدِرُونَهُ، أو يُنفِذُونه عَنتاً وقَسْراً، من أوامر إغلاق وإعلانات حظرٍ ومنعٍ: “أعلنوا أنَّ أرضَنَا منطقةٌ عسكريَّةٌ مُغْلَقةٌ“، وهم “يمنعوننا من تعبيد الطَّريق“؛ وما يقومون به من أعمال عُدوانية وممارسات قسريَّة كريهة؛ كأنْ يتدرَّبوا باستمرار على“إطلاق النَّار في منطقة الزِّراعة“، وأنْ يُمْعِنُوا في “إطلاق الرَّصاص في اللَّيل”، وفي زرع الأرض بالألغام، يتبدَّونَ كاستعارة دالَّةٍ على سلطة الاحتلال العسكري الأجنبي وممارساتها العنصرية الاستبدادية التي تُغْلِقُ أبواب الحياة لِتُسَيِّدَ القحط والشَّر وتنشرَ الموت، أي على القطب النَّقيض في شبكة علاقات صالحة التي يُجَسِّد القطب الذي تنتمي هي إليه فكرة الحياة ومبدأها المفتوح على الخصوبة والخير، وذلك على نَحْوٍ يضيءُ، منذُ البدء، المبدأ الفكري الإبداعي، المؤسَّس على ثنائيَّة الخير والشَّر، الذي حكم انبثاق حكاية الخرُوف المُجنَّح “حنتوش”، وأسهم، بفاعليَّة قصوى، في تشكيل نسيجها ونسج العلاقات الفنِّية، الظَّاهرة والخفيَّة، القائمة بين جميع مُكوناتها وبُناها، لينشر في سماوات فضائها النَّصيِّ، أو في أثير فضائها القوليِّ، خيوطَ شبكاتٍ دلاليَّة لا تني تَنْسُجُ، وتبثُّ، ما لا يتناهي من القيم والرُّؤى والمعاني والدلالات.

ولسنا في حاجةٍ لأنْ نُذكِّرَ، هُنَا، أنَّ هذه الثُّنائية الصِّراعِيَّة الحاسمة، أي ثُنائيَّة الخير والشَّر، هي الثُّنائيَّة التي تحكمُ صراع الحياة والحضارة مع نقائضهما، وهي التي حكمت ولم تزل تَحْكمُ، كمبدأ إبداعيٍّ، انبثاق المأثورات الشَّعبيَّة وتطوُّرها بجميع أنواعها وأنماطها متعددة الأشكال والتَّجلِّيات، وما ذلك إلا لما يُميِّز هذه الثُّنائيَّة الحياتيَّة التأسيسيَّة الكُبرى من قابليَّة للانشطار إلى ثنائيَّات تربو على الْحَصْر، وتظلُّ، مهما تعدَّدت وتغايرت أو تنوَّعت وتباينت، مسكونةً بجوهرِها العميق المسكون، دائماً وأبداً وعلى مدى الصَّيرورة، بشوق الحياة إلى تجلٍّ أعلى وتوق الإنسان إلى كمال وُجوديٍّ مُحْتَمَلْ.

نَحْنُ مِنْ عَالمٍ واحِد

إزاء واقعٍ قاتمٍ كهذا الذي لم تُسْهِبْ حكاية “حَنْتُوش” في توصيفه، وإنما ألمحت إليه على نحوٍ يُتيحُ للقارئ والسَّامع إمكانيَّة إدراك أبعاده وتقصِّي تأثيراته وعقابيلة المأساوية الفادحة، ولا سيما تلك التي تُهدِّد هُويَّة، بل وجود، جماعة بشرية تنتمي إلى هُويَّة وطنيَّة إنسانيَّة جامعة ذات حضارةٍ وثقافة وتراثٍ شعبيِّ زاخرٍ، وتواصلٍ تاريخيِّ راسخٍ وعميق مع أرضٍ صَيَّروها وطناً؛ لم تجد الطِّفلة صالحة، التي لم تعثر في فضاء الحيِّز المكاني الضَّيق الذي تقطنهُ الآن على طائرٍ ذي جناحين تَحْمِلُ نفسها عليه، أو تُحَمِّلهُ رسالتها إلى العالم، إلَّا مُخيِّلتها الطِّفليَّة الخلَّاقة المُخفَّزة بعلاقة حميميَّة خاصَّة تجمعها بــ”الخرُوف حنتوش” وسيلةً للهروب بعيداً عن هذا الواقع الكريه، باتجاه “برشلونة”؛ الحيِّز المكاني الذي أرادت أنْ تُوجِّه منه رسالتها إلى العَالمِ، بعدَ أنْ أكَّدتْ في رحابه تفوُّقها وجداراتها بالحياة: إنِّها تُشكِّلُ، مع الخروف المُجَنَّح “حَنْتُوش” الذي تَولَّى حراسة المرمى، فريقاً يُلاعبُ ميسي، صاحب الأهداف الكبيرة، وفريقه ذائع الصِّيت، لساعاتٍ طَويلةٍ، فَتُسَجِّلُ في مرماهم خمسة أهداف، فَيُعجبُ ميسى بها وبحنتوش ويعرض عليهما الانضمام إلى فريقه، فيرفضانِ، لا لسببٍ إلا لحرصهما على العودة إلى “وادي أبوهندي” الذي هو، بالنسبة إليهما، قلبُ الوطن، لأنَّه مسقطُ رأسيهما الذي يتوقان إلى تخليصه من الجنود الأشرار وممارساتهم السَّوداء، لجعله، كما كانَ منذُ بدء الزَّمان وعبر توالي الحضارات مجالاً حيويَّاً للحياة الحقَّة.

ثُنائيَّة الخير والشَّر، هي الثُّنائيَّة التي تحكمُ صراع الحياة والحضارة مع نقائضهما، وهي التي حكمت ولم تزل تَحْكمُ، كمبدأ إبداعيٍّ، انبثاق المأثورات الشَّعبيَّة وتطوُّرها بجميع أنواعها وأنماطها متعددة الأشكال والتَّجلِّيات، وما ذلك إلا لما يُميِّز هذه الثُّنائيَّة الحياتيَّة التأسيسيَّة الكُبرى من قابليَّة للانشطار إلى ثنائيَّات تربو على الْحَصْر

قبل أنْ تهمسَ في أُذُني “حَنْتُوش” أنْ اخْرِجْ جَنَاحَيكَ الخَفَّاقين من تحت الصُّوف، وافردهما لِتَحْمِلَنِي إلى أرض “الوطن”، تحرصُ “صالحة”، كما “حَنْتُوش”، على تبادل الوُعُود وتقاسم الرُّؤى مع “ميسي” وفريقه؛ وكأنَّما هما يتبادلان الوعود مع الإنسانيَّة الحقَّة في أسمى تجلياتها. أَوَ ليستْ الرِّياضةُ، في حقيقتها وجوهر رسالتها، منظومةُ مبادئَ وأخلاق وأنماطِ سُلوكٍ إنسانيَّةٍ نبيلةٍ وساميَّة؟!

وعلى هذا المعنى، يُحْمَلُ، فيما أحسبُ، وعد ميسي بأنْ “يزور (وادي أَبُوهندي) بعد سنتين” وعليه أيضاً يُحملُ وَعدُ صالحة وحنتوش متعدِّد المكونات والأبعاد، والمُؤسَّس على وعد ميسى مُتَضَافراً مع سعيهما الدؤوب لإدراك الهدف عبر مُقاومةٍ خلَّاقة ومبدعة للواقع الأسود القائم في هذا الوادي: “سَنُقِيمُ مُونْديَال 2014 فِي (وَادِي أَبُوهِنْدي)، سَنُنَظِّفُ مَعَاً الْأَرْضَ مِنَ الْأَلْغَامِ، وسَنَبْنِي أَكْبَرَ مَلْعَبٍ فِي الْعَالَمِ، وَسَنُسَمِّيهِ “مَلْعَبَ حَنْتُوش”، وسَيَكُونُ الْخَرُوفُ شِعَارَ الْمُونْديَال”، وعندها، سيستعيد الوادي حقيقته إذْ يتحوَّلُ من قبو مُعتمٍ إلى وادٍ مُجَنَّحٍ منفتحٍ على ابتكار الحياة، وسنكونُ “نَحْنُ جميعاً بانتظاركم” أيُها الإنسانيون في هذا العالم.

وإلى ذلك، لا تكونُ مكوِّنات القصَّة وشُخوصها الرئيسة، جميعاً، إلَّا رُموزاً مُتواشجةً تنبغي قراءة دلالاتها في سياق السَّعي الدَّؤوب لإنجاز هدف الحكاية الأسمى، وتأمين وصول رسالتها الفِلَسْطينيَّة الرَّاسخة في الإنسانيَّة إلى الإنسانيَّة الجوهريَّة بأسرها، تلك التي يتوجّبُ عليها أنْ تُسْهمَ في إنجاز هذا الهدفِ، تَجْلِيةً لحقيقتها، ولوضع حدٍّ لانحدارها، مع استمرار تقاعسها عن الإسهام الفعليِّ في إنجازه، نحو مهاوي تكسبها سمات نقيضها الفادح: التَّوحُّش الاستبداديِّ الظَّلامي الأعمى.

حِصنٌ نَفْسِيٌّ ومِعْراج رُؤْيَاويٌ

هكذا، لجأت صالحة إلى رحاب المأثورات الشَّعبية التي هي مكوِّنٌ رئيسٌ من مكونات ثقافة شعبها وأُمَّتها وأهل وطنها، فوجدت فيها، ولا سيما في جُزْءٍ صَغِير من بنية الحكاية الخُرافيَّة وفي جزئيَّة أصغرُ من طُقُوس السِّحْر، حصناً نفسيَّاً منيعاً يُمَكِّنها صُعُودُ أَدْرَاجِ أبْرَاجِهِ العَالِيَةِ مِنَ الإطلالِ، من خلف كُوَاها الخياليَّة، على واقعٍ قَبْوِيِّ قاتمٍ يَحْكُم حياتها ويفرضُ نفسهُ على مصيرها نقيضاً لإرادتها!

وهكذا، صَعَّدت صالحة عذاباتها الفادحة، وأزاحت، عبر المخيَّلة الطَّليقة، سَقْفَ الدِّيْمَاس وجدران القبو المتكلِّسة الرَّطبة، إذْ صار لِلْخَرُوفِ، هذا الحيوان المُسَالمُ المُهيَّأ للذَّبحِ قُرباناً لآلهة غضبى، أو لحماً شَهِيَّاً يُطْعِمُ أسيادَ النَّاس وميسوريهم، ويُفْتَرضُ أنْ تَسَدَّ رائحةُ شِوَائِهِ رمقَ المُعْوزين من جَوعى النَّاس، اسماً هو “حَنْتُوش“، وصارَ بمقدور هذا الحَنْتُوش، وقد تَأَنْسَنَ وصار ذاتاً تعي نفسها ولها آخرٌ تقيمُ علاقةً تفاعليَّةَ معه، أنْ يَطيرَ مُحلِّقاً بنفسه وآخره في فضاءاتٍ هي نقيضُ القبو الذي تطفئُ عتمته أنوارَ الرُّوح، وأنْ يَذهبَ مع آخَرِهِ إلى آخِر أرضٍ، وإلى أبعد مدى، بحثاً عن حُرِّيَّة متأصِّلة في وجود الكائنِ، وسعياً لاهباً نَحْوَ واقعٍ ممكنٍ موسومٍ بالحياة والحرِّية والكرامة الإنسانيَّة، وباحترام حُقُوق الإنسان والطَّبيعة والكائنات وجميع الموجودات، وبعدم استلاب الأجيال البشرية الآتية من المستقبل حقوقها الإنسانيَّة الطَّبيعيَّة المُتَأصِّلة في فِطرة الإنسان، وذات الدَّلالة على مَغْزَى الحَيَاة.

***

لا شيء في قصَّة صالحة والخروف المُجَنَّح “حَنْتُوش” مجانيٌّ بلا وظيفةٍ فنيَّةِ أو بلا دلالة رمزيّةٍ ومعنى. وليس في مكوناتها ما هو عصيٌّ على الإدراكِ، أو يُجافي واقع الحال الذي تقول القصَّة بعضَ ملامحه، كما ليس في رموزها ما هو غامضٌ، أو خُرافيٌّ، اللَّهم إلاً جَناحي “حَنْتُوش” السِّريين اللَّذين يُخَبِّئهُمَا دَاِخلَ الصُّوفِ الأسود، ولا يُخْرِجهُمَا إلا حِيَن تهمسُ صالحة فِي أُذُنَيهِ أنْ يَفْعَلَ. ولعلَّ في هذا ما يقول لنا، وإنْ على نَحْوٍ رمزيٍّ مُفْعَمٍ بالدَّلالات، إنَّ مقاومةَ الاستبدادِ لا تَذْوَى ولا تَزُولُ، أبداً، إنَّمَا قد تكمنُ داخل “الصُّوف الأسود” في انتظار نضوج اللَّحظة المواتية للشُّروع في تحليقٍ نبيلٍ يَنْشُدُ الحُريَّةَ إذْ يُدْرِكُ واقِعَ حَالِ الوطن، فيُلامسُ جوهرَ الهُويَّة الإنسانيَّة ويَسْعَى، بدأبٍ، لاجتيافها وترسيخ حضورها في رحابه.

ثمَّ ألا نقرأ في هذا التركيبِ المجازيِّ المُوَسَّعِ دلالةَ أنَّ “الخِرافَ والنِّعَاجَ البَشَرِيَّةَ“، التي تبدو مستسلمة لأقدارها السَّوداء تحت وطأة استبداد باهظ وجهلٍ عميم، لا تُفارق فطرتها الإنسانيَّة، وإنَّما هي تستجيبُ، في لحظة وعي مُضِيءٍ، إلى مقتضياتها، فَتَشْرَعُ في تفريخِ أجنحةٍ داخل الصُّوف الأسود الذي يُغطِّيها، وفي تغذية هذه الأجنحة الصَّغيرة، وتقويتها، وتعزيز صلابتها، وتدريبها على الطَّيران إلى أعلى عُلُوٍّ مُمْكِنٍ، لتكون قادرة على التَّحليق الحيويِّ، المُقَاوم للاستبداد، والمُثَابر على نُشْدَانِ الحريَّةِ والكرامةِ الإنسانيَّةِ وتوسيع مداراتهما إلى أبعد أرضٍ وأعلى سماء!

هَوامش وإشَارات

(1) تجرى هذه المُسابقة في البلدة الإيطاليَّة سيستري ليفانتي Sestri Levante على نحو سنويٍّ منتظم منذ العام 1967، وهي تمتاز بالتركيز على أدب الأطفال وحكاياتهم الخرافيَّة (المتخيَّلة) التي لم يسبق نشرها. وتتولَّى هذه البلدة الإيطاليَّة، عبر بلديتها، تنظيم المُسابقة والإشراف على جميع الأنشطة المتصلة بها، وإعلان نتائجها في “مهرجان أندرسون” الذي تنظِّمه سنوياً، احتفاءً بالفائزين من مُؤلِّفي الحكايات الخرافيَّة، جماعيَّاً أو فرديَّاً، ومن جميع الأعمار، وتكريماً مُتجدِّداً للكاتب الدنمركي “هانز كريستيان أندرسون” الشَّهير بالقصص والحكايات الخرافية التي كتبها للأطفال وصارت، مع مرور الزَّمن، ينابيع إلهام إبداعي متجدِّد. ويُذكرُ أنَّ أندرسون كان قد زار بلدة سيستري ليفانتي، في نحو العام 1883، ورأى فيها ما يُشبهُ “أرض الأساطير” التي استلهم ينابيعها في قصصه وحكاياتة.

(2) بعد فوزها بالجائزة، قالت صالحة حمدين: “الواقع الذي أعيشه ألهمني كتابة هذه القصَّة“، وقالت: “لقد اعتدتُ أنْ أُفَكِّرَ دائماً، وأنْ أحْلُم، في أنْ أعيش حياة أفضل في هذه المنطقة“. ويُذكر أنَّ “صالحة” قد شاهدت بأمِّ عينيها البلدوزارات الإسرائيلية وهي تهدم “بيت الأسرة” الكائن في “وادي أبوهندي” المُدرج ضمن المنطقة “سي” من مناطق الضِّفة الغربيَّة المُحتلَّة التي يُسيطر عليها الجيش الإسرائيلي على نحو مُطلق، والتي لا ماء للشُّرب فيها ولا كهرباء. وقبيل هدم البيت، كانت صالحة قد شاهدت، وهي في نحو السابعة من عمرها، اعتقال أبيها “سليمان حمدين” (البالغ 44 عاماً من العمر)، من قبل الجيش الإسرائيلي، ليقضي حكماً بالسَّجن لمدة خمسة وعشرين عاماً في سجون الاحتلال الإسرائيلي. وفي إشارةٍ إلى هاتين الواقعتين، تقول صالحة إنها تتوقُ إلى زيارة أبيها في سجنه لتخبره بشأن الجائزة التي فازت بها. وبشأن لقائها وحَنْتُوش لاعب كرة القدم البرشلونيِّ الشَّهير، ليونيل مِيْسِي، الذي هو الشَّخصيَّة الثالثة في الحكاية الخرافيَّة المُسمَّاة “حنتوش“، فإنَّ صالحة تقولُ إنَّها قد سمعت به، لأوَّل مرَّة، قبل وقتٍ قصيرٍ من كتابة هذه الحكاية، وذلك”عبر التلفزيون، وعبر قراءة الصُّحف اليوميَّة، أثناء زيارة لإحدى الأسر في مدينة “نابلس″ الواقعة في شمال الضِّفة الغربيَّة. ورغم حصولها على الجائزة، فإنَّ صالحة تؤكِّد أنها لا تُفكِّر في مغادرة بيتها (الخيمة) وذلك “على أمل أنْ يُصبح الخيال حقيقةً، وأنْ يتم الالتفات إلى هذا المكان، ليكون للأطفال مكانٌ يلعبون فيه؛ مكانٌ يحلُّ محلَّ الملاعب المُرتجلة، أو محلَّ حقول الألغام التي تملأُ المكان”، كما تقولُ الحكاية، وكما قالت صالحة، وكما قال عمُّها الفخور بها، مختار مُحمَّد حمدين، في سياق مقابلات منشورة في صحف ومجلات ومواقع إلكترونية عديدة، أنظر مثلاً:

(http://www.timesofmalta.com/articles/view/20120820/world/Tough-Bedouin-life-wins-teen-a-fairy-tale-award.433644)


ناقد‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬سلوفاكيا