الرَّجُل الذي اشترى حُلماً

الجديد  عبدالهادي شعلان [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(118)]

لوحة: عمر الأخرس
(1)

(حازم ومنير في الغابة)

حازم: الجو اليوم طيب للغاية، هيا نسْتَرح قليلاً.

منير: ما رأيك يا لو نجلس تحت هذه الشَّجَرة؟

حازم: هذه فكرة جيدة، هل جمعتَ كثيراً من الحطب اليوم؟

منير: نعم، لقد بذلتُ قصارى جهدي حتى جمعتُ كمية كبيرة من الحطب.

حازم: وأنا أيضاً استطعت جمع كمية رائعة.

منير: ما رأيك لو نأكل الآن.

حازم: الجو رائع ويدعو للنوم هيا بنا ننم أولاً ثم نأكل حين نستيقظ.

منير: فكرة جيدة، لنسْتَريح وننتعش قليلاً تحت ظلال الأشجار ثم نقوم ونأكل.

(ينامان قليلاً. يستيقظ منير وحده قلقاً ويظل حازم نائماً يشخر بصوت مرتفع)

منير: (يتقلب على جانبه) ما هذا القلق، لماذا لا أستطيع النَّوم؟

حازم: أخ خ خ خ.

منير: كيف استطاع حازم أن ينام هكذا سريعاً؟

حازم: أ خ خ خ خ.

منير: فلأحاول أنْ أنام مرة أخرى (يستلقي) لا أستطيع.

حازم: أخ خ خ خ.

منير: ليتني أستطيع النَّوم مثله، إنَّها نعمة لا يشعر بها إلا من يفتقدها (سارحاً) نعم النَّوم نعمة.

حازم: أخ خ خ خ.

منير: الإنسان لا يمكنه أن يطلب النَّوم فيجده، لو أننا نستطيع أن ننام في الوقت الذي نريد فيه النَّوم، النَّوم معجزة.

حازم: أخ خ خ خ.

منير: أنا في غاية الأرق وهو نائم يشخر كالرعد ولا يشعر بي.

حازم: أخ خ خ خ.

منير: لن أستطيع النَّوم، هل أوقظه؟ لا، سأتركه يستمتع باللحظات التي لا أستطيع أنْ أحصل عليها، إنه يبتسم وهو نائم.

حازم: أخ خ خ خ.

منير: الذبابة وقعت على وجهه وطارت ولم يشعر بها (يهش الذبابة من على وجه حازم).

حازم: أخ خ خ خ.

منير: ماذا أفعل الآن؟ ينبغي أنْ أحاول النَّوم، إنه يستيقظ.

حازم: يا لها من غفوة رائعة ولذيذة.

منير: لقد نمت يا حازم نوماً عميقا حتى طرد صوت شخيرك العصافير.

حازم: يا له من حُلم جميل وطيب.

منير: وحَلمت أيضاً؟

حازم: حُلم غريب ورائع.

منير: بماذا حلمت وأنت نائم في مكان كهذا؟ أظن أنَّ الأحلام الجميلة لا تأتي تحت الشَّجَرة، الأحلام اللذيذة لا تأتي إلا فوق السَّرير النَّاعم.

حازم: الحُلم الرائع يأتي في أيّ وقت، إنه حُلم متميز.

منير: حُلم متميز في منتصف النَّهار، ترى ما هو الحُلم؟

حازم: لقد حلمت بالذهب.

منير: لقد ضربتك أشعة الشمس الذهبية في رأسك.

حازم: حلمت أن هناك جَرَّة محشوة بالذهب.

منير: بدأت تُخرّف.

حازم: إما أن تسمع الحُلم أو أسكت ولا أحكيه لك.

منير: أنا مستمع إليك، احك.

حازم: حَلمت أن هناك جَرَّة محشوة بالذهب ومدفونة أسفل جبل صغير.

منير: جَرَّة محشوة بالذهب ومدفونة أسفل جبل صغير.

حازم: أجل، في حديقة منزل لأغنى رجل في بغداد.

منير: جَرَّة محشوة بالذهب ومدفونة أسفل جبل صغير في حديقة لأغنى رجل في بغداد، ترى ما اسم هذا الرَّجُل؟.

حازم: اسمه، طبعاً لا أعرف اسمه، ومن يخبرني في الحُلم، كل ما ظهر لي أنه أغنى رجل في بغداد.

منير: حاول أن تتذكر اسم الرَّجُل.

حازم: أقول لك لقد كان مجرد حُلم، ولهذا لم أتمكن من السؤال عن اسم الرَّجُل أو شيء كهذا.

منير: ألا تتذكر شيئاً آخر حدث في الحُلم.

حازم: كل ما رأيته أنَه أغنى رجل في بغداد، وفي الحديقة الملحقة بخلفية المنزل، هناك جبل صغير تنمو بجواره شجَرَّة ضخمة من شجيرات الغابة.

منير: هيا أكمل وأخبرني بالتفصيل.

حازم: بجوار الشَّجَرة الضخمة من شجيرات الغابة جَرَّة مدفونة تحت هذه الشُّجيرات.

منير: هل هذا هو كل ما تعرفه؟

حازم: هذا هو كل الحُلم الذي حلمته.

منير: كيف تحلم مثل هذا الحُلم في هذا المكان؟

حازم: الأحلام لا تحدّها حدود.

منير: هل لي أن أطلب منك شيئاً؟

حازم: لو كان في استطاعتي، لن أردّك.

منير: ماذا لو بِعتَ لي هذا الحُلم؟

حازم: هل أنت جاد؟

منير: كل الجدية.

حازم: كيف لإنسان أن يشترى حُلما؟

منير: هذا ما خطر لي، أريد أن أشترى هذا الحُلم.

حازم: وماذا تنوي أن تفعل بهذا الحُلم؟

منير: لا أدري ماذا سأفعل بحُلمك هذا.

حازم: لا تدري؟ كيف تشترى شيئاً لا تدري ماذا ستفعل به؟

منير: ومع ذلك ما قولك في أن تبيع لي حُلمك؟

حازم: أنا لم يسبق لي أن سمعتُ عن شراء حُلم، ولكن لا بد أن يكون هناك سبب ما لرغبتك في شرائه.

منير: ليس في رأسي سبب محدد لشراء حُلمك الآن، كل ما في الأمر أن هذا خطر لي فأحببت الفكرة، هيا بع لي حُلمك.

حازم: أنا أكره أن أكون بائع أحلام.

منير: لماذا؟

حازم: أشعر أنه أمر مضحك أنْ آخذ منك نقوداً مقابل حُلم حلمته.

منير: كلامك معقول ومع ذلك أنا تتمَلكني الرغبة في شراء هذا الحُلم، من فضلك بعه لي.

حازم: لا أعرف ماذا أقول لك بعد هذا الإلحاح.

منير: خذ هذا المبلغ مقابل الحُلم.

حازم: هذا مبلغ كبير.

منير: إنه ثمن الحُلم.

حازم: لو أن الأحلام تباع بمثل هذا المبلغ لحلمت كل يوم وبعت أحلامي.

منير: الآن أصبح الحُلم مِلْكا لي.

حازم: وأنا كسبت مالاً ثمناً لحُلم حلمته.

منير: شكراً لك.

حازم: هيا بنا نأكل طعامنا.

منير: هيا بنا.

(2)

(منير مع زوجته في بيتهما)

منير: مساء الخير يا زوجتي العزيزة.

الزَّوْجة: بارك الله فيكَ يا زوجي، مالي أراك فَرِحاً هكذا؟

منير: لقد حدث اليوم شيء غريب وأنا مع جاري في الغابة.

الزَّوْجة: قبل أن تحكي لي، هل تريد أن أضع لك الطعام؟

منير: أنا شبعان.

الزَّوْجة: إِذَنْ قل لي ما هذا الشيء الغريب الذي حدث لك.

منير: خرجتُ مع جاري نجمع بعض الأخشاب من الغابة، وفي وقت الظهيرة جلسنا لنأكل.

الزَّوْجة: لذلك أنت شبعان، أكيد أكلت معه أكلة دسمة.

منير: لماذا لا تصبري حتى أكمل لك الحكاية؟

الزَّوْجة: قل يا زوجي أنا أستمع إليك.

منير: رقدنا لنستريح تحت الشَّجَرة، وفي الحال راح جاري في نوم عميق.

الزَّوْجة: وأنت طبعاً غرقت في النَّوم.

منير: أنا لم أستطع النَّوم.

الزَّوْجة: لماذا؟

منير: حاولت أنْ أنام ولكن بلا جدوى.

الزَّوْجة: هذا يوتّر الأعصاب.

منير: حاولت أنْ أنام ولكني لم أستطع، فظللت أستمع لشخيره المرتفع كصوت الرَّعد.

الزَّوْجة: أكيد أنت كنت في غاية الغيظ، إذْ كيف تريد أنْ تنام ولا تستطيع وأمامك شخص غارق في النَّوم؟!

منير: تخيلي كَمّ القلق والأرق الذي كان عندي وأنا أحاول النَّوم وأمامي شخص يشخر في النَّوم.

الزَّوْجة: يا ليتك أيقظته.

منير: لقد استيقظ من نفسه وراح يقول إنه كان يحلم.

الزَّوْجة: يا له من رجل رائق البال، يحلم تحت الشَّجَرة وفي الظَّهيرة وهو نائم على الأرض.

منير: لقد حلم الرَّجُل حُلما غريباً.

الزَّوْجة: هل حكى لك الحُلم؟

منير: لقد حلم أنَّ هناك جَرَّة محشوة بالذَّهب، ومدفونة أسفل جبل صغير في حديقة خلف منزل لأغنى رجل في بغداد.

الزَّوْجة: يا له من حُلم غريب.

منير: لقد اشتريته.

الزَّوْجة: ما هذا الذي اشتريته؟ أنا لم أرك وأنت قادم تحمل شيئاً.

منير: لقد اشتريت الحُلم.

الزَّوْجة: ماذا؟

منير: اشتريتُ حُلم الرَّجُل.

الزَّوْجة: اشتريتَ حُلماً حلمه شخص غيرك.

منير: نعم.

الزَّوْجة: لماذا فعلت ذلك؟

منير: سأقول لك فأنت زوجتي ولا ينبغي أن أخفي عنك شيئاً.

الزَّوْجة: قل يا زوجي.. يا من اشتريت الحُلم.

منير: ستعودين مرة أخرى وتسخرين مني، لن أخبرك.

الزَّوْجة: قل، أنا لا أسخر منك، فقط أنا في غاية الغرابة، اشتريت حُلما؟

منير: أنا أنوي السفر لأبحث عن جَرَّة الذهب.

الزَّوْجة: (تصرخ) يا للمصيبة، ماذا تقول؟

منير: سأذهب للبحث عن جَرَّة الذهب وأستخرجها.

الزَّوْجة: أنتَ تتحدث وكأنك متأكد أنَّ هناك جَرَّة مملوءة بالذهب.

منير: أشعر كأنِّي أنا المقصود بهذا الحُلم، وأنَّني الموعود بهذه الجَرَّة.

الزَّوْجة: يا رجل هذا حُلم رجل غيرك.

منير: لكنّني اشتريته.

الزَّوْجة: (باستنكار) نسيت أنك اشتريت الحُلم.

منير: اسمعي يا زوجتي، لقد قررت أن أسافر إلى بغداد وأبحث عن الجَرَّة، أنا على يقين أنَّني سأجدها.

الزَّوْجة: افعل ما تريد يا زوجي.

منير: أنا في حاجة إليك.

الزَّوْجة: أنا لن أسافر معك للبحث عن حُلم حلمه شخص آخر.

منير: لقد أعطيت كل المال الذي أمتلكه للرجل الذي اشتريت منه الحُلم.

الزَّوْجة: (تصرخ) يا للمصيبة أضعت كل المال؟

منير: أنا في حاجة إليك يا زوجتي، أنا ليس لديّ مال لأسافر.

الزَّوْجة: وماذا يمكنني أن أفعل لك؟

منير: هل يمكنك أن تساعديني في الحصول على بعض المال؟

الزَّوْجة: نحن لا نملك مالا وأنت تشترى أحلام النَّاس.

منير: يمكنك أن تساعدينني.

الزَّوْجة: كيف يمكنك أنْ تتأكد أنَّ هناك فائدة تعود عليك من الحُلم الذي اشتريته، إنه مجرد حُلم.

منير: يمكننا أنْ نقترض مالاً.

الزَّوْجة: وها أنت تفكر في اقتراض المال، بعد أنْ ضيعت كل المال لتسافر إلى بغداد بحثاً عمّا رآه شخص آخر.

منير: أودّ أنْ أسافر لأرى ما إذا كان هناك جَرَّة مملوءة بالذهب أم لا، من فضلك أقرضيني بعض المال.

الزَّوْجة: ماذا أفعل لك، ليس لديّ مال، لقد ضيعت أنت كل ما لدينا من مال.

منير: أعرف أنَه يمكنك أنْ تجدي حلاً وأنا لن أرتاح إلا إذا سافرت وبحثت عن الحُلم الذي اشتريته.

الزَّوْجة: من أين أجيء بالمال؟

منير: اقترضي بعض المال من والدك وعندما نجد جَرَّة الذهب سنعيد إليه المال.

الزَّوْجة: أنت تتحدث وكأن الأمر حقيقة وكأنك ستجد جَرَّة الذهب.

منير: أنا لن يهدأ لي بال إلا إذا سافرت بحثاً عن الحُلم.

الزَّوْجة: تقصد حُلم غيرك.

منير: لقد اشتريته.

الزَّوْجة: إَذَنْ أنت مصمّم.

منير: نعم، لن أرتاح ولن يهدأ لي بال حتى أسافر إلى بغداد.

الزَّوْجة: سأذهب إلى أبي وأعرض عليه الأمر، فربما يقرضني بعض المال.

منير: لا بد أن يوافق، لا بد.

الزَّوْجة: سأحاول.

(3)

(الزَّوْجة ووالدها في بيت الوالد)

الزَّوْجة: هذا ما حدث يا أبي.

الأب: إنَّ زوجك مغفّل حتّى يشترى أحلام النَّاس.

الزَّوْجة: لقد تعبتُ من الكلام معه، لكنه فعلاً دفع أمواله مقابل هذا الحُلم.

الأب: كيف يمكنك التأكد من أنَه سيحقق فائدة من رحلته الطويلة؟

الزَّوْجة: إنه مُصر إصراراً غريباً على السَّفر.

الأب: هذا مجرّد وهم.

الزَّوْجة: لقد حاولت أن أبعده عن التفكير في هذا الموضوع لكنه لن يرتاح إلا إذا سافر.

الأب: يقترض مالاً ليسافر مسافة طويلة لبغداد من أجل حُلم حلمه شخص آخر!!

الزَّوْجة: لقد قلت له ذلك يا أبي، لكنه ظل يقول لي (تقلد زوجها) يجب أنْ أسافر لأرى، لن أرتاح حتى أذهب.

الأب: اسمعي يا ابنتي، لو أن أحدكما قد أصابه شيء، لو أن زوجك مريض مثلاً، واحتجتم إلى المال لأقرضتكم، لكن الأمر مختلف، كيف أقرضكم مالا من أجل حُلم؟

الزَّوْجة: يا أبي إن حالته النفسية ستسوء إذا لم يسافر.

الأب: أنا لا أستطيع أن أرمي أموالي مقابل حُلم حلمه شخص غريب.

الزَّوْجة: أموالك لن تضيع، فور عودته بالجَرَّة المملوءة بالذهب سنعطيك أموالك.

الأب: يعود بالجَرَّة، هل أنت مقتنعة أنه سيعود بالجَرَّة ؟

الزَّوْجة: ماذا أفعل يا أبي؟ زوجي يريد المال وإنْ لم يحصل عليه ربما ينهار.

الأب: يا ابنتي، فكّري في الأمر بعقل.

الزَّوْجة: الموضوع كله ليس به أيّ عقل، لقد اشترى زوجي حُلما بكل أمواله، أين العقل في ذلك؟

الأب: إِذَنْ لا تساعديه على إهدار أموال أخرى.

الزَّوْجة: لن يرتاح حتى يسافر.

الأب: أنا سأقرضه المال من أجلك أنت فقط.

الزَّوْجة: شكراً لك يا أبي.

(4)

لوحة: عمر الأخرس

(منير وحده في الطريق)

منير: أخيراً وصلتُ إلى بغداد بعد عناء طويل، لقد قضيتُ الليالي في الفنادق وسرتُ على قدميّ طويلاً، لولا المال الذي جاءت به زوجتي من والدها، لم أكن لأصل أبداً، أوه يا بغداد، أين سأذهب؟ أنا لا أعرف اسم الرَّجُل الغني، كل ما أعرفه أنه أغنى رجل في بغداد، سأظل أبحث عنه حتى أصل إليه مهما حدث، لن أيأس أبداً، لا بد أن أجد أغنى رجل في بغداد، إنَّ هناك رجلاً قادماً سأسأله.

(يدخل الشَّاب)

منير: مساء الخير أيها الشَّاب.

الشَّاب: مساء الخير.

منير: أنا رجل غريب وأبحث عن أغنى رجل في بغداد.

الشَّاب: أغنى رجل في بغداد!؟

منير: نعم.

الشَّاب: لا يكون غير المنصوري، فهو أغنى رجل على الإطلاق في بغداد.

منير: وأين بيت المنصوري؟

الشَّاب: إنه هنا، قريب جداً.

منير: وهل يوجد في الحديقة الخلفية لهذا البيت جبل صغير؟

الشَّاب: أجل، هناك جبل صغير.

منير: وهل هناك شجَرَّة ضخمة بجوار هذا البيت؟

الشَّاب: نعم هناك شجَرة ضخمة.

منير: (لنفسه) إنه البيت المقصود، سأذهب وأنام هناك جانب هذا البيت هذه الليلة.

الشَّاب: أنت سألت أسئلة كثيرة عن الجبل الصغير والحديقة والشَّجَرة الضخمة هل لك أنْ تصارحني لماذا سألتني كل هذه الأسئلة؟

منير: إنَّ هناك جَرَّة مملوءة بالذهب، تحت الشَّجَرة التي بجوار الجبل.

الشَّاب: ماذا تقول؟

منير: ولهذا يجب علىَّ أنْ أحفر وأستخرج جَرَّة الذهب من مدفنها فهل تسمح أنْ تساعدني في الحفر وسأعطيك جزءًا من الذهب الذي في الجَرَّة.

الشَّاب: نعم سأساعدك، ولكن في الصباح.

منير: سأنتظرك عند الجبل غداً في الصباح.

الشَّاب: إلى اللقاء.

منير: إلى اللقاء.

(5)

(الشَّاب مع المنصوري)

الشَّاب: هذا ما سمعته يا مولاي المنصوري.

المنصوري: إذا كان الأمر هكذا، فينبغي أن نحفر نحن أولاً ونستخرج الجَرَّة قبل أن يأتي هذا الرَّجُل ويأخذها.

الشَّاب: معك حق، يا سيدي ينبغي أن نأخذ الجَرَّة قبل أن يصل إليها هذا الغريب.

المنصوري: أنت تقول إنه قطع مسافة طويلة حتى وصل إلى بغداد، كيف عرف أن هنا جَرَّة مملوءة بالذهب ونحن الذين نعيش هنا لم نعرف ذلك؟

الشَّاب: الرَّجُل متأكد مما يقول، فهو يتكلم ببساطة من يعلم أنَّ الموضوع حقيقة، لقد وعدني بجزءٍ من الذهب الموجود في الجَرَّة، وقد كان يتحدث وهو واثق من كلامه.

المنصوري: اسمع، هيا بنا نحفر تحت الشَّجَرة حتى نحصل على الجَرَّة.

الشَّاب: ونتقاسم الذهب الذي فيها.

المنصوري: نتقاسم الذهب؟! إنَّ الأرض أرضي.

الشَّاب: وأنا أرشدتك.

المنصوري: (بمكر) هيا بنا نجد الذهب أولاً وبعده نتحدث عن قسمته.

(تتغيَّر الإضاءة بما يوحي بتغير الزمن)

(الشَّاب مع المنصوري عند الشَّجَرة، تظهر حفرة عميقة)

المنصوري: احفر أعمق من هذا.

الشَّاب: انتظر لقد وجدتُ شيئاً.

المنصوري: (بفرح شديد) وجدتَ شيئاً.

الشَّاب: إنَّها الجَرَّة، الجَرَّة.

المنصوري: أخرجها بسرعة.

(يُخْرِجان الجَرَّة، وفي أثناء ذلك تتغيَّر حالة الجو وكأن شيئاً سماوياً يحدث في الفضاء. يتحول المكان لخليط رائع مع الموسيقى والإضاءة الناعمة ويُسمع صوت حركة سلسلة الجَرَّة وتخرج من الحفرة جَرَّة كبيرة ملونة بألوان غريبة وزاهية)

الشَّاب: هل سنفتحها؟

المنصوري: أكيد.

(يفتح المنصوري الجَرَّة، ينطلق منها طائر أصفر كبير كأنه مدهون بالذهب)

المنصوري: هل رأيتَ هذا؟

الشَّاب: لقد طار شيء من الجَرَّة، كأنه طائر من ذهب.

المنصوري: المهم، ماذا داخل الجَرَّة ؟

الشَّاب: (ينظر في الجَرَّة) الجَرَّة فارغة.

المنصوري: فارغة.. كيف؟

الشَّاب: انظر، إنَّها فارغة تماماً، لقد طار ما كان فيها.

المنصوري: كيف نجد الجَرَّة ونجدها فارغة؟! كيف عرف الرَّجُل أن هنا جَرَّة؟ ينبغي أن نعيد الجَرَّة مكانها حتى يأتي الرَّجُل ويحفر فيجدها، ربما كان في الأمر شيء.

الشَّاب: ماذا سنستفيد من ذلك؟

المنصوري: سنأخذ كل أمواله مقابل الحَفر لا بد أنه رجل مخبول.

الشَّاب: فكرة.

(6)

(منير وحده)

منير: ماذا أفعل الآن، لقد حفرتُ ووجدتُ الجَرَّة، لكني وجدتها فارغة، أكيد سبقني أحد وأخذ ما فيها، لقد ضحيتُ بكل مالي من أجل استخراج الجَرَّة. لقد جُعت واقترضت المال وسرت في الطرقات لأيام وأيام وأصبحت مُفلساً، كل هذا من أجل لا شيء!! لم تتبقّ معي نقود، لقد أنفقتها كلها في رحلتي الطويلة من أجل الوصول إلى بغداد، والآن فلأعد إلى قريتي، لم يعد لديَّ شيء، سأتسوّل الطعام لأعيش، سأعود سيراً على قدمي، يا ليتني سمعت كلام زوجتي، لقد حذّرتني من أنْ أصبح غبياً لدرجة شراء حُلم حَلمه شخص آخر، شيء غير حقيقي، ومع ذلك كان لا بد أنْ اشترى الحُلم، لقد كان هناك هاتف داخلي وأنا سرتُ وراء هذا الهاتف، والآن أعود خائباً، لقد ظللتُ ألحّ على زوجتي حتى اقترضتْ المال من والدها إنَّني أشعر بالخزِّي من مواجهة زوجتي وجهاً لوجه.

(7)

(منير وزوجته في المنزل)

منير: مساء الخير يا زوجتي.

الزَّوْجة: مساء الخير، حمداً لله على سلامتك.

منير: لم أجد الجَرَّة.

الزَّوْجة: لا يهم، سأحكي لك شيئاً عجيباً حدث.

منير: أقول لك ضاعت الأموال والحُلم الذي اشتريته لم يكن حقيقة، لقد سرتُ وراء سراب.

الزَّوْجة: لا يهم، ما عندي أهم مما تقول.

منير: ما زلتِ تستخفِّين بي، أقول لك كل شيء ضاع، وتقولين لا يهم.

الزَّوْجة: لقد حدث شيء عجيب في البيت.

منير: ماذا حدث؟

الزَّوْجة: أوه يا زوجي، في منتصف إحدى الليالي الماضية، وأنت في بغداد، اندفع إلى منزلنا طائر ذهبي غريب، ودخل البيت وظلت النقود والجواهر تتطاير من جسده وجناحيه وتُحْدث أصواتاً أثناء هبوطها على الأرض، ذهب، جواهر، من جميع الأنواع، فأصبحتْ الأرض تبرق، ولقد جمعتها ولم أفعل بها شيئاً حتى تعود وتراها كما ألقاها الطائر.

منير: ماذا تقولين؟

الزَّوْجة: هذا ما حدث.

منير: هل يعقل أن تطير الجواهر التي في الجَرَّة وتأتي إلى بيتي؟!

الزَّوْجة: هل وجدت الجَرَّة ؟

منير: وجدتها فارغة.

الزَّوْجة: الأمر بسيط يا زوجي، أنت تستحق الكنز، وذهبت لتحصل عليه، لكنه جاءك بنفسه.

منير: نعم، الذَّهب مُقَدَّر لي أنا، فقد كان شيء ما يدفعني لشراء الحُلم، وكأنَّني كنت متأكداً من وجود الجَرَّة.

الزَّوْجة: وقد حقق الله لك الحُلم.

منير: شكراً لله.

الزَّوْجة: شكراً لله.

ستـــــــار


كاتب من مصر

مقالات أخرى للكاتب:

  • العاجز المقدس