لا تشتم ذائقتي.. أعطني كتاباً كي أقرأ

هو المأزق! المأزق سبب الخوض في تجارب مختلفة بحثاً عن إنهائه، ومأزق الشتات الذي يمر به الكثير من السوريين جديد من نوعه، مأزق وربما تركة لا تبدو لها نهاية. ونحن، المتقدمين في العمر، تحتلنا انشغالات واهتمامات تتناسب مع أعمارنا وننسى أجيالاً من الأطفال الذين يشقون طريقهم في الحياة، ومن ثم لا نلبث أن نلوم الزمن على إنتاجاته من الأجيال الشابة الغريبة عنا وعن ثقافاتنا.

الجديد  آراء الجرماني [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(126)]

لوحة: نور بهجت المصري
استفقت مؤخراً بعد تجربة اللجوء إلى الغرب على مشكلة افتقار -وأصرّ على كلمة افتقار- مكاتب العربية لكتب تجذب الأطفال.

عين الطفل الناقدة التي ترى الحياة نقية تلتقط المشهد جميلا أم قبيحا، المشهد كما هو دون إضافات أو إعادة بلورة قيمية، كيف أقنع الطفل صاحب العين هذه أن يفتح كتاباً باللغة العربية، يتلمس ورقه يطالع صوره بشهية فيستمر بقراءته حتى نهايته؟

البحث أثناء مأزق شتاتي عن إجابة لسؤال كيف استطاعت بلاد الفرنجة تفعيل مفهوم إقرأ لدى الطفل قادني لمتابعة استجابة الأطفال السوريين لمنظومة القراءة لديهم، وقراءة مشاهدات تخص هذه المنظومة. أراقب أنواع كتب الفرنجة التي يحبذها الأطفال السوريون وكيف يتواصلون مع عالم القراءة. يقرؤون بشغف القارئ، يوفرون مصروفهم في الحصالة ليشتروا نسخة جديدة من أحد السلاسل الأميركية، يشترونها من متجر الكتب ويهرولون إلى غرفهم ليبدؤوا بقراءة كتابهم الجديد، الكتاب يصل عدد صفحاته إلى 250 صفحة أو أكثر، لكنهم لا يملونه.

إحياء قديم عمره يزيد عن المئة عام في أميركا “كل طفل هو قارئ”. تكرار سنوي في هولندا لنشاط “أسبوع كتاب الطفل”، ومبادرات أخرى كثيرة أوروبية لتحفيز القراء الأطفال على القراءة، من ضمن المشاهدات أن الأطفال السوريين لا يترددون عن منافسة الأطفال أبناء الثقافة الغربية في منافسات القراءة التي تطلقها المدارس حينها، أراهم في هولندا يشاركون أقرانهم نشاط “كتابي كتابك” أحد مبادرات برنامج أسبوع “كتاب الطفل ذاته”، والذي يجمع خلاله الطفل كتبه التي كان قد قرأها من مكتبته ويعرضها في بهو مدرسته بهدف مبادلتها بكتب زملائه التي لمَّا يقرأها بعد.

يعرض أطفالنا في المغترب عروضاً تقديمية لكتابهم المفضل في أحد مواد العروض التقديمية خلال العام الدراسي، يقفون أمام زملائهم يتحدثون عن حياة كاتبهم (الأوروبي/الأميركي) المفضل ويعرضون منتجاته الأدبية ومن ثم النقاط التي جذبتهم لقراءة كتابهم المفضل.

يضاف إلى تلك المشاهدات أنشطة القراءة الأهلية التي تنظمها المكتبات المحلية والمنتشرة في كل قرية ومدينة على هيئة حلقات قراءة للأطفال، مشرِكة الوالدين في قراءة القصة أو مستضيفة كتاب القصة ذاتها. لكن من هم كُتّاب أطفالنا المفضلين هؤلاء، وما هي دور النشر التي تطبع تلك الكتب التي تستحوذ على اهتمامهم؟ لا يمكننا رصد كل ما يقرؤونه ولكن يمكننا تقصي الشائع بينهم والذي يعرفه معظمهم ويقرؤونه.

Jiff Kinny أحد الكتاب الأميركيين الذين يشتغلون على الكتابة للطفل، لم يكن لمشروعه أن يأخذ شكله الحالي لولا دعم دار كتب Amulet Paperbacks التي وقعت معه عقداً على إصدار سلسلة دائمة من كتابه Diary of a Wimpy Kid بلغت 11 كتابا. كل كتاب من السلسلة حجمه لا يقل عن 300 صفحة ويباع في كل أنحاء العالم مترجما بعدد نسخ يصل إلى 180 مليون نسخة. لم يكن طريق هذا الكاتب معبّداً بالورود كما يُعتقد حتى يتوصل إلى عقدِ عقدٍ مع دار نشر تطبع وتنشر له مشروعه في الكتابة للأطفال. ففي البداية كان حلمه أن يكون رساما لرسوم الأطفال الكرتونية في التلفزيون، لكنه لم يحصل على فرصة فبدأ بمشروع رسم الرسوم الكرتونية بهدف قص قصة طفل فاشل اسمه ويمبي، بث مشروعه على أحد المواقع الإلكترونية وبلغت عدد مشاهدات قصصه 80 مليون مشاهدة، وبعد ست سنوات من الإصرار على مشروعه هذا اتفقت معه هذه الدار على طباعة رسومه وقصصه ونشرها في سلسلة من الكتب.

مثله ما تكتبه الكاتبة Rachel Renée Russell في سلسلة كتبها للأطفال Dork Diaries، بلغت 11 كتابا، وتجاوز عدد صفحات كل كتاب في السلسلة 300 صفحة والتي تقوم دار Aladdin Paperbacks الكندية بطباعتها وبيع 25 مليون نسخة مترجمة لـ 28 لغة. أما السلسلة الأكثر مبيعا Treehouse بحسب موقعThe Sunday Morning Herald، من إصدارات دار Pan Australia، فيقوم على كتابتها فريق من الكتاب والمحررين منهم: Andy Griffiths and Terry Denton والتي يتجاوز عدد صفحاتها 380 صفحة وعدد كتب السلسلة 6 كتب.

من الواضح أن هناك تناغماً بنائياً بين الجهد الحكومي والمدني، وبين الكتّاب ودور النشر ليشكلوا معا أساساً لتفعيل قراءة الطفل وجذبه بوصفه جهة تلقّ أولا وهدفا أيضاً. كتب متنوعة تتدرج بين القصص القصيرة والروايات والسير الذاتية إضافة إلى الاهتمام بجانب القص التاريخي. عوالم أطفال منظمة وحرة في آن، هناك تكمن خيالاته وأمنياته، هناك يجلس الطفل ليقرأ مطولا حيث تبنى سلوكاته وأفكاره عن الحياة. مئات ملايين الأطفال يقرؤونها ومن بينهم أطفالنا الذين باتوا في المهجر.

تجربة شخصية

ماذا لو قررنا تطعيم عقول أطفالنا بثقافة عربية أثناء تواجدهم في الشتات؟ ماذا لو أردنا أن نحافظ على لغتهم العربية. كنتُ أحد المهتمين بمشروع تعليم اللغة العربية لأطفال الجالية السورية الهاربين إلى هولندا من الحرب في سوريا، بهدف تعزيز ربطهم بثقافة الشرق ولا سيما السورية. البحث كان شاقاً، فالهدف تعلّم العربية وبث خطابات تتناسب مع الانفتاح على الآخر وجمالية ما هو لدى العرب من خصائص ثقافية، كانت الكتب المتواجدة على رفوف دور النشر العربية معظمها يتراوح بين الأدلجة الدينية وبين الخطاب التوعوي المباشر أما دور النشر المختصة بنشر كتاب الطفل فتُكثر من القصص المترجمة أو تطلق للأطفال العرب مشاريع قراءة أوروبية كمشروع “بيكسي” الألماني مثلاً. يضاف إلى ذلك ما يمكن أن تلمحه عند قراءة قصص الأطفال العربية من تساهل في طرح المعلومة واستبساط عقل الطفل وربما التكاسل عن بذل جهد يستقرئ ما الذي يريده الطفل العربي القارئ أولا قبل أن يطرح عليه ماذا يريد الكاتب تلقينه للطفل!

كما أن ثيمة كتابة اليوميات المنتشرة في كتب الغرب المشهورة والتي تجذب جميع الأطفال في العالم تكاد تكون غير موجودة في كتب الأطفال العربية وإن تطرق لها بعض الكتاب فهي لا تشبه يوميات أطفالنا.

كنت أقلب كتب الأطفال ولا أعرف كيف أخرج من هذا المأزق، كيف أقنع الأطفال في شتاتنا السوري بقراءة قصص الأطفال العربية؟ من المؤسف أن الكتب التي قمنا باستيرادها لاحقاً لدورات تعليم العربية ولمبادرة قصتي، والتي كانت طباعتها لا تقل عن جودة كتب الغرب، كانت حقيقة لكتاب غرب كتبوا بالعربية وطبعوا الكتب في مطابع غربية.

خطوات صغيرة

تعاضد أدوار كل من الحكومات والمنظمات المدنية (كما في هولندا مثلاً) مع دور النشر العربية، إضافة لتثمين الأدباء لموقع الطفل القارئ، سيخلق بيئة قراءة جاذبة للطفل تغاير ما تشهده البلاد العربية حالياً. وبعيداً عن أيّ الأدوار أكثر فاعلية وتأثيرا في خلق هذه البيئة، المنظمات والجهود الحكومية أم دور النشر والكتَّاب، لا بد لنا من مقاربة تحدد موقع الطفل العربي بصفته قارئاً بالنسبة إلى الأدب وفتح أبواب لقراءة المشهد الكتابي العربي، إضافة إلى محاولة التعرف إلى الإمكانيات المتاحة في حال الرغبة في التغيير وتوجيه مركب أدب الطفل إلى حجم الضرورة وليس الترف.

ينطوي العالم العربي على أنظمة عفنة تتوارثها دكتاتوريات متتالية آخذة بمحو كل ما هو حضاري وفني. دكتاتوريات لم تنفع معها الثورات الشعبية لأسباب سياسية وإشكاليات متأصلة في تاريخ المنطقة عامة لذا لا يمكننا التعويل على بناء نظام مشابه لما نطالعه في الغرب يكرّس فيه فعل القراءة، فما يمكن العمل عليه هو التركيز على جسمين أساسيين في عملية تثمين موقع القارئ الطفل هما الكاتب ودار النشر مع الحرص على فتح قنوات مع المنظمات العالمية الراعية للقراءة.

في الوقت ذاته هناك عمل ضخم يجب أن يوجه لحقل الكتابة للطفل، عمل يبدأ بالدراسات النفسية والاجتماعية ولا ينتهي بدراسات نقدية لأدب الآخر. فلا يمكننا تجاوز اختلاف المراحل العمرية للأطفال وتغير أمزجتهم في التلقي ففي الوقت الذي ينجذب الطفل ابن الخمسة أعوام إلى قصص أبطالها حيوانات ناطقة جملها قصيرة ولغتها شعرية بسيطة ذات إيقاع محبب، نجد أن طفلا في التاسعة بدأ يميل إلى القصص الواقعية التي تحاكي حياته اليومية فلا تبتعد تفاصيلها عمّا يضحكه أو يضايقه، تمتلئ بالمفارقات الذكية التي تحفز لديه حس الدعابة والاستمرار بالقراءة واكتشاف أخبار الآخرين واختبار الحياة وفهم منطق سيرها، بينما في سنوات المراهقة يذهب الأطفال إلى قراءة نصوص درامية فيها توتر نصيّ ملائم لحالات مشابهة يمرون بها.

وفي الوقت الذي يصر أدباؤنا على أن الطفل لا يمكنه قراءة صفحات طويلة تثبت له أرقام مبيع روايات من مثلTreehouse أن الأمر مختلف كلياً، وأن الأمر يتعلق بنجاح القصة وقدرتها على جذب الطفل لدرجة قراءة 380 صفحة خلال إجازة مدرسية من خمسة أيام مثلاً، وتعلقه بالقصة لدرجة أن يعيد قراءتها مرارا ويحلم بلقاء الكاتب.

فالكاتب الذي لا يقارب حقول مرجعية الطفل التي لا تبتعد كثيرا عن حقول الكبار إلا فيما يخص اهتمامات الطفولة لا يمكن لهذا الكاتب أن يقول إنه كتب للطفل، فالطفل ينتظر لغة كتابية تقارب حقل الذات وحقل الواقع وحقل الطبيعة وحقل السخرية وحقل الأسر وحقل جدارات الحرية وحقل الحلم وحقل الغرابة. لا أن تكون لغة متخشبة مواضيعها تعليمية وتهذيبية. ولو عدنا إلى طفولتنا لتذكرنا أن القصص التي أعجبتنا وقرأناها بشغف كانت قصصا تعتمد على النقل والترجمة والاقتباس. وأننا قرأنا روايات طويلة من مثل “أليس في بلاد العجائب” للويس كارول وقد شدّنا لقراءتها أنها نص مفعم بالدرامية والحركة.

للأسف إنّ حال الطفل العربي القارئ الحالي لا يثير إلا الشفقة، ويفتح التوقعات لامّحاء أيّ خصوصية لحضارة أو ثقافة عربية في الأجيال القادمة. لأن من الواضح أن البقاء على هذه الحال يعني أن أدب الطفل في الدول العربية سيبقى معتمداً على ترجمة منتج الغرب وهو ما يعني أن أطفالنا في الشتات أمام حل قراءة الكتب الغربية مترجمة للعربية، وهو أمر غير ممكن لأنهم يقرؤونها باللغات الأجنبية الأصلية، هذا بالإضافة إلى أن الكتب المترجمة للعربية تراعي حكم القيمة ومعايير التوعية المباشرة مما جعل بعضها مثاراً للتندر من قبل الأطفال ذاتهم، فالكتاب المتداول بين الأطفال في هولندا والمعنون بـ”حياة فاشل” ترجم للعربية باسم “مذكرات طالب”! يقول لي أحد الأطفال السوريين “لن أقرأ هذا الكتاب بنسخته العربية فهم يغيرون العنوان وهذا غير لطيف إنهم يسخرون منا، وأعتقد أن الجزء الخاص بالطفل الذي احتال على الكنيسة لينال المال وقصته مع الشرطة تعرض للحذف، إنهم لا يريدوننا أن نعرف أن الأطفال يمكن أن يحتالوا على الكبار!”.

كل ما سبق يستدعي خَطوات كبيرة من الهيئات والقامات الثقافية العربية وحث السعي لمشاركة صغارنا خُطواتهم ومنحهم كتاباً.


كاتبة من سوريا