العرب وسؤال المستقبل؟

يعرف المعجم المستقبل: الآتي من الزمان. إذن هو مفهوم فارغ من التعين، فمن ذَا الذي باستطاعته أن يحدد الآتي من الزمان. غير أن الزمان التاريخي، زمان الإنسان، متعين في ماضٍ وفي حاضر. والزمان التاريخي الآتي لا وجود مادياً له، وإنما هو موجود بوصفه تصوراً. ولا يمكن لأي زمان تاريخي متصور أن ينشأ إلا اتكاءً على الزمان الماضي والزمان الحاضر.

الجديد  أحمد برقاوي [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(50)]

لوحة: دينو أحمد علي
إذن التعين هنا للتصور وليس للواقع الموجود. وبذا يكون سؤال العرب عن المستقبل سؤالا عن تصورهم للمستقبل في علاقة بماضيهم وبحاضرهم. وبحيث يتحول تصورهم للمستقبل زماناً تاريخياً حاضراً.

ولا ينشأ سؤال المستقبل في عقل أفراد أمة أو شعب أو لدى عقول نخبها، ويغدو هاجساً أساساً للوعي إلا إذا كان هناك رفض للزمن التاريخي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والمعرفي المعيش.

في علاقة كهذه بالمعيش تولد كل تصورات المستقبل الأيديولوجية والعلمية، الممكنة والمستحيلة، الواقعية والأسطورية، الوهمية والعقلية.

وهنا تبرز مشكلة المشكلات الناتجة عن المستقبل من حيث هو تصور في عقلٍ ما، سواء كان العقل عقلاً جمعياً أو عقلاً فردياً.وبخاصة حين تتحول التصورات إلى موضوع صراع مادي.

والحق إن سؤال العرب عن المستقبل يجري في حقل الصراع بين التصورات، صراع يصل حد الحروب بين القوى الحاملة في رأسها هذه التصورات.

ولو دققنا في جميع الصراعات بين البشر لوجدنا بأن جوهر الصراع وأسبابه هو صراع على المستقبل، على تصور المستقبل، سواء كانت هذه الصراعات سلمية أم كانت عنفية. وكل الثورات والتمردات والإصلاحات والاستنقاعات وأصحابها مظاهر متعددة للتصورات حول المستقبل المتعينة في الإرادة البشرية العاكسة للعقل.

صور المستقبل المتصورة

قلنا بأن تصور المستقبل مرتبط برفض الواقع المعيش. إذا هو محاولة لفرض تصور لواقع غير معيش، لزمن تاريخي آخر. من أين يستمد العرب صور مستقبلهم؟

تقول لنا الحركة الواقعية لنشأة تصورات العرب للمستقبل جواباً عن سؤال المستقبل ما يأتي:

أولاً: المستقبل الساكن في الماضي. وهو تصور المستقبل لدى جميع الحركات الإسلاموية الشيعية والسنية السلمية منها والعنفية. وهذا التصور ناتج عن ثقافة تؤمن بأن الإسلام هو الحل وهو البديل عن الواقع المعيش، ثقافة تتعزّز بزمان تاريخي مضى، ينظر إليه بأنه أحسن العوالم التي تليق بعرب اليوم من حيث القوة والمنعة، فضلاً عن أن هذا التصور للمستقبل ذو ارتباط بأمر إلهي كما يعتقد أصحابه.

يظهر تصور المستقبل هنا على صورة (النكوص التاريخي). ويستمد هذا النكوص التاريخي قوته من سهولة التحول من الدين الشعبي إلى اللاهوت السياسي. تحول تساهم الأرض التعيسة في منحه قوة الخلاص الروحية، التي يسهل عليها أن تتحول إلى قوة خلاص عنفية.

وليس مصادفة بأن هذا التصور للمستقبل موجود في كل أرجاء العالم العربي بلا استثناء وبكل صوره العملية المختلفة.

والسمة الأبرز لهذا التصور هي أنه رد فعل على واقع وليس ثمرة إمكانية يختزنها الواقع.

هذا التصور الذهني من حيث هو نكوص تاريخي، كما قلنا، يعوّل فقط على وحدة التصور والإرادة، دون السؤال عن واقعية التصور. لأن واقعية التصور تستمد قوتها من منبع غير أرضي.

الإرادة، هنا، تستمد قوتها من فكرة الجهاد في سبيل الله بكل ما تنطوي عليها هذه الفكرة من معنى الشهادة والتضحية والثواب وفوز الشهيد العظيم بالجنة التي تزخر بكل ما ينجب السعادة الأبدية. والخطاب المتعلق بتصور كهذا خطاب يتردد منذ عشرات العقود.

والحق بأن فورة هذا النمط من التصور المستقبلي في السنوات الأخيرة قد أبرزت عقم هذا النكوص التاريخي. وليس النكوص التاريخي إلا حالة مرضية أصيبت فيها جميع المجتمعات الإسلامية.

ثانياً: تصور المستقبل بوصفه استمراراً للواقع المعيش. ينحصر هذا التصور في أذهان القوى والجماعات الحاكمة التي لا يسمح لها حبها السلطة عموماً بتصور مستقبل آخر غير الواقع الذي صنعته. تسلح قوى التصور هذا للمستقبل نفسها بكل أسباب العنف الضروري لمقاومة كل أنماط تصورات المستقبل.

ففي الوقت الذي ينجح فيه خطاب اللاهوت السياسي الغيبي وتصوره للمستقبل، لأنه يستند إلى إرث ثقافي أنتروبولوجي، فإن خطاب الجماعة الحاكمة لا ينجب أي تعاطف. إن جماعة هذا التصور للمستقبل تدرك جملة من الحقائق الواقعية: الرفض الشعبي لها، الخوف على ضياع السلطة، الإصلاح الشكلي. ولهذا يحملها خوفها من المستقبل الذي يتناقض مع واقعها المعيش على إخافة كل القوى المجتمعية التي يمكن أن تصير قادرة على زعزعة استقرارها. فتصورها المستنقعي للمستقبل هو الذي يجعلها تخاف من المستقبل. وهو الذي يحولها إلى قوة همجية في تدمير الحياة عند الضرورة المصلحية.

لا شك بأن أصحاب التصور المستنقعي للمستقبل هم أنفسهم من يتصورن الزمن التاريخي راكداً أو قابلاً لأن يُحمل على الركود. ولهذا تغدو علاقتهم بالتاريخ الواقعي وبالتاريخ الممكن علاقة عدوانية بامتياز. فالتاريخ الواقعي هو تاريخ بشر رافضين للواقع، ورافضين للجماعة الساعية لتأبيد الواقع، جماعة ترى المستقبل في واقعة سيطرتها فقط.

ولقد أظهر الربيع العربي درجة العنف اللامعقولة التي وصلت إليها السلط الحاكمة.

ولعل أخطر ما تمخض عن انهيار الواقع الآسن الذي تكوّن عبر عقود من الزمن هو الصراع بين أصحاب المستقبل القائم في النكوص التاريخي إلى الماضي وأصحاب جعل واقع الحال هو صورة المستقبل الدائمة. ولأن هذين النمطين من الوعي يعولان على العنف لتحقيق ما لا يمكن تحقيقه فإن العنف اللاعقلاني هو الشكل المطابق للاّعقلانية المميزة لهما. إذ لا يمكن أن يكون الصراع ذَا معنى إذا كان بين مستنقع جف ومستنقع قائم.

صورة المستقبل العالمي

شكلت أوروبا ومن ثم أميركا صورة التقدم الذي وصف بأنه معيار التقدم التاريخي العالمي، وهو في حقيقته تاريخ الحداثة الأوروبية القائمة على مركزية الإنسان والعقل، مركزية الحرية والديمقراطية، ومركزية العلم. وإذا كان صحيحاً بأن هذه الحداثة قد ارتبطت بالإمبريالية وحروبها واستعمارها للبلدان الآسيوية والأفريقية وبعض دول أميركا اللاتينية، وإذا كان صحيحاً بأن هذه الدول مازالت تتحكم بمصائر شعوب كثيرة فإن وقوع جزء كبير من النخبة الفكرية العربية تحت إغراء نموذج الحداثة الأوروبية مازال حاضراً، ومازالت أوروبا في عالمها الداخلي صورة المستقبل المنشود لبلادنا عند هذه النخب.

وليس في الأمر ما يدهش، فقدرة الحضارة الأوروبية على اختراق عالم العرب قويّ إلى حد كبير وبخاصة اختراق الثقافة الأوروبية الحياتية للمدن العربية. فالأشكال الخارجية للحداثة الأوروبية تكاد تكون هي الأشكال السائدة في بلاد العرب. فالعلوم الغربية المتقدمة حاضرة في المؤسسات العلمية والطبية والمؤسسات الخدمية دون حضور الوعي العلمي بالعالم من حيث أنه وعي سائد. وعادات الطعام والأعراس الأوروبية تكاد تكون عامة في المدينة العربية، حتى الأزياء هي أزياء في الغالب أوروبية، فضلاً عن عمل المؤسسات والوزارات التقنية.

لكن هذا كله لم يعن بعد انتصار روح الحداثة الأوروبية في بلاد العرب.

فمازالت العرب تستورد العلم دون انتصار الوعي العلمي وإنتاج المعرفة، وتستورد الأشكال الخارجية للمؤسسة دون روح المواطنة، وتستورد أشكال الحكم دون روح الديمقراطية والحرية، وتدخل عالم العلاقات الرأسمالية دون إنجازات البرجوازية التاريخية.

أخطر ما تمخض عن انهيار الواقع الآسن الذي تكوّن عبر عقود من الزمن هو الصراع بين أصحاب المستقبل القائم في النكوص التاريخي إلى الماضي وأصحاب جعل واقع الحال هو صورة المستقبل الدائمة. ولأن هذين النمطين من الوعي يعولان على العنف لتحقيق ما لا يمكن تحقيقه فإن العنف اللاعقلاني هو الشكل المطابق للاّعقلانية المميزة لهما

ولهذا كله فإن النخبة الممتلئة بروح الحداثة، بوصفها معيار التقدم التاريخي، لا ترى المستقبل العربي إلى بإعادة إنتاج الحداثة الأوروبية في عالمنا العربي المعيش. وبالتالي إن الجواب عن سؤال المستقبل حاضر في واقع معيش ومتعين في حضارة ماثلة أمامنا، حضارة لا تسأل عن مستقبلها، بل يجري مستقبلها على نحو مسار متصل من التقدم.

والمستقبل القائم في واقع آخر، بكل ما يزخر به هذا الواقع من تحرر لا يحتاج إلا إلى إرادة تنقله إلى واقع محلي. هذا المستقبل الجاهز ونقله إلى حقل التصور في عقل النخبة قلما يخضع للمساءلة، المساءلة حول الشروط الموضوعية والذاتية التي تجعله واقعاً.

لا شك عندي بأن مفاهيم الحرية والعدالة والإنصاف والمواطنة وتحرر المرأة والديمقراطية والحق والقانون والمعرفة والعلم هي المفاهيم التي يجب أن يغتني بها معجم المستقبل العربي، ولكنها تغدو نمطاً من الأوتوبيا إذا لم تطرح في إطار فكرة المستقبل الذي يكون ثمرة علاقة الإمكانية بالواقع والترابط بينهما.

المستقبل الممكن

المسقبل الممكن، عندي، يتأسس على فكرة كلية نعتقد بصحتها ألا وهي:

لا يمكن لعالم جديد أن ينتصر ويرى النور على أنقاض العالم القديم إلا إذا كان هو نفسه عالما ولد ونشأ في أحشاء العالم القديم بوصفه إمكانية قابلة للتحقق. وهي فكرة مستمدة من قول ماركس الشهير “لا يمكن لأسلوب إنتاج أن ينتصر إلا إذا ولد في قلب أسلوب الإنتاج القديم”.

إذن المستقبل الحقيقي هو الممكن الحقيقي، والممكن الحقيقي هو جنين في رحم التاريخ لم ير النور بعد.

لا يمكن النظر إلى التاريخ بوصفه حركة عفوية فحسب، لكنه وبعفويته يخلق ممكناته، الممكنات التي يخلقها البشر في عملية تغيير عالمهم، إن الممكنات هي المستقبل الذي يصبح أفكاراً في الرأس أيضاً، أفكارا تطرح ما يجب أن يكون عليه العالم بناء على الممكن، وفِي عملية تحقيق الممكن على أنه هو المستقبل تبرز الإرادة، الإرادة التي هي القابلة القانونية للتاريخ، وبدورها تبرز التراجيديا التاريخية، التراجيديا التي تقوم في التناقض بين إرادة تلعب دور المشنقة لأعناق الإمكانات، وللحيلولة دون ولادتها في الواقع، وتخوض صراعاً مصيرياً مع الإرادة التي هي، كما قلنا، القابلة القانونية للاّمكانية-المستقبل. وهناك فرق كبير، تراجيديا تاريخية تحقق في الواقع ما كان في رحم التاريخ، وهي التراجيديا الحقيقية، وتراجيديا الحمل الكاذب، الذي تكون ضحيته الإرادة.

يضاف إلى هذين النمطين من التراجيديا وهم الإرادة الحمقاء التي تعتقد بأنها قد تكون سداً أبدياً أمام مجرى التاريخ، وبخاصة حين يكون المجرى في حال الطوفان. إن الخراب الذي تولده الإرادة الحمقاء، قد يفضي إلى نمط من الانحطاط الكلي، إذا ما كانت تمتلك فضلات قوة متبقية من إرث عنفها الطويل في قتل أجنة التاريخ.

والإرادة الحمقاء نمط من الاغتراب الجماعي التخريبي، الاغتراب الذي يزين لهذه الإرادة تجميد العالم عبر القوة، في الوقت الذي لا تكون مهمة القوة هذه سوى تأخير انفجار الحياة.

لذلك فإن الإرادة-العقل في اكتشافها المستقبل الممكن أو الممكن التاريخي الذي هو بمثابة المستقبل فإنها تصبح قادرة على تحقيق الممكن بأقل الأتاوات التي تدفعها للتاريخ.

وإرادة-عقل المستقبل الممكن الواقعي، وهو ممكن لأنه واقعي، هي نخبة وفئات اجتماعية صاعدة قادرة على صناعة التاريخ.

ها نحن قد وصلنا إلى نتيجة مفادها: إن سؤال المستقبل العربي هو سؤال الممكن العربي.

فما هو الممكن العربي؟ ما هو المستقبل الممكن الذي يجب أن تنهض به الإرادة المجتمعية، وما هي هذه الإرادة؟

يجب القول بكل وضوح، دون أيّ لبس أو تورية، وبخاصة بعد تجربة الربيع العربي في سوريا ومصر وليبيا وتونس واليمن وما يجري في العراق وما جرى في الجزائر أنه دون مشروع لقيام الدولة الوطنية-الديمقراطية بوصفه المستقبل المنشود لا مستقبل ممكن للعرب، بل هو الممكن الوحيد، أجل الدولة الوطنية الديمقراطية العلمانية، دولة العقد الوطني وسلطة العقد الاجتماعي. دون الدولة هذه التي هزمتها السلط لا مستقبل لمجتمعاتنا العربية.

ولعمري أن وجود أحزاب شيعية متعصبة في العراق يعني أكبر كارثة في تاريخ العراق الحديث. ووجود أحزاب إخوانية متعصبة عقبة كأداء أمام نشوء الدولة في كل المنطقة، ووجود سلطة طائفية في سوريا قد حطم أهم مشروع قومي عربي في تاريخ العرب المعاصر، كما حطم المجتمع السوري نفسه.

ليس هناك سوى خيار واحد وحيد الدولة الوطنية-الديمقراطية العلمانية. أجل يجب لقيام الدولة فصل الدين عن الدولة، في دولة ديمقراطية لا وجود فيها للصراعات الدينية أو الأحقاد الطائفية.

الطائفية سواء كانت حزباً أو سلطة أو خطاباً جريمة تاريخية كبرى وقتل للحياة وتدمير لإمكانية قيام الدولة، وأساس للحروب الداخلية ومدخل للولاءات الخارجية وتحطيم للسيادة الوطنية.

نعم للدولة أولاً والدولة ذات السلطة الديمقراطية-العلمانية.

وإذا كان بعض العلمانيين العرب أو الأحزاب الوطنية قد ألغوا شعار الدولة العلمانية من برامجهم إرضاء للتيارات الدينية فهذه مساومة فاجعة تاريخية لا تجوز إطلاقاً، والتاريخ الممكن لا يجب المساومات لأنها الإمكانية التي تموت وتميتنا معها.

أما ما هي الكتلة التاريخية القادرة على إنجاز هذا المستقبل فهي تحالف البرجوازية الوطنية مع الفئات الوسطى الممثلة الحقيقية الفاعلة للميل التاريخي.

والتفكير يجب أن ينصبّ الآن على جدل العلاقة الترابطية بين الممكن التاريخي-المستقبل المتمثل بالدولة الوطنية الديمقراطية العلمانية الناتجة عن العقدين الوطني والاجتماعي، والفئات البرجوازية الوطنية والوسطى.

وهنا تبرز أهمية مثقف الممكن التاريخي، مثقف المستقبل، الذي يحوّل الأفكار إلى قوة مادية تزود الإرادة بالعقل الذي يتعين تاريخاً.


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات