سيمياء الكتابة ومسالك المعنى

عن داري مسكلياني ومسعى صدرت مؤخرا الطبعة الثانية من رواية “آخر الرّعيّة” لأبي بكر العيّادي التي نشرت أول مرة في باريس عام 2002 عن دار “لارماتان في 272 صفحة من الحجم المتوسّط، وقد كُتبت في الفترة الفاصلة بين 1995 و2001، وكان مطمح مؤلّفها نشرها بإحدى دور النّشر العربيّة إلاّ أنّ توجّهها السّياسي جعل المشرفين على النّشر والتوزيع لا يتجرّؤون على ذلك في فترة لم تكن فيها حريّة التعبير مكفولة مثلما تعيشه بعض الأقطار العربيّة في الوقت الحالي، نظرا لتناولها الجريء صور الاستبداد في بلاد لا يُسمّيها المؤلّف بصريح العبارة، ولكنّ القارئ يُدرك أنّها يمكن أن تنطبق على سائر البلدان العربية في تلك الفترة، وبطلها “الكبير” يمكن أن يكون صورة رمزيّة لأيّ قائد أو حاكم مستبدّ من قادة العرب. أمّا في تونس فكان “نشرها مستحيلا” كما يقول مؤلّفها، فقد مُنعت أيضا بعض قصصه حتّى من قبل “مجلّة اتحاد الكتّاب التّونسيين” في ذلك الوقت.

الجديد  مراد علوي [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(130)]

لم تَرِد من هذه الرّواية إلى تونس إلاّ بعض النّسخ التي كان “يهرّبها” الكاتب لأصدقائه المقرّبين من نادي القصة أو ممّن ينتمون إلى السّاحة الثقافية. كما لم يجرؤ على الكتابة عنها في تلك الفترة سوى النّاقد السّوري نبيل سليمان.

البناء اللغوي أو سيمياء الكتابة

إنّ اللّافت للانتباه في التشكيل الفني لهذه الرّواية اتّصالها بروح السّرديّة العربيّة القديمة وانشداد بعض جوانبها سيميائيّا إلى التراث الأدبي القديم، فمنذ بداية الحكي يفتتح المؤلّف نصّه بمقدّمة استهلاليّة كلاسيكيّة، نحسّ عند قراءتها أنّنا نتابع استهلالا لإحدى مقدّمات كتب الخطابة في النثر العربي القديم، أو يخيّل إلينا أنّنا نقرأ سجع كُهّان، لكن سرعان ما نجد أنفسنا إزاء نصّ يحاور أسلوب المعرّي في رسالة الغفران دون شروحه أو استطراداته. فلغة هذه الرّواية تسافر بك إلى التّراث اللّغوي للسّرد العربي القديم، ويقتبس مؤلّفها تضمينا وتناصّا عدّة صيغ من متون تراثيّة مختلفة؛ من القرآن، إلى كتب الخطابة، إلى المصنّفات والرّسائل الأدبيّة، إلى الشّعر القديم، إلى النّصوص الصّوفيّة…إلخ. فهو يحاورها ويعارضها ويقتبس منها، دون أن يقيم فيها أو يغرق في تفاصيلها أو حذلقتها اللغويّة، ويحرص في المقابل على صياغة تشكيل سردي يصل الرّواية بحركتها الزمنية المعاصرة ويشدّها إلى واقعها الثّقافي وتداولها اللغوي. لذلك تتعدّد المناويل اللغويّة، فلا تحافظ حركة السّرد على وحدة لغويّة معيّنة بقدر ما تتنوّع تلاوين العبارة ومعاجم الصّور التّخييليّة وحقولها الدّلاليّة. ولعلّ هذا ما أومأ إليه الكاتب السّوري نبيل سليمان بقوله “تميّزت إضافة هذه الرّواية خاصّة باللغة الروائية التي استطاعت أن تتعدّد، وهي تفجّر نسبها التراثي الذي وسم قصص العيّادي ورواياته”، فالتعدّد اللغوي يحيل على بعد رؤيوي ودلالة رمزيّة وليس مجرّد تنويع للسّجلّات اللغويّة على مستوى البناء السّردي.

كما بوّب المؤلّف روايته إلى ثلاثة أقسام؛ باب أوّل بعنوان “الباش كاتب” وقد صدّره بقول لابن خَلدون “اعلم أنّ السّيف والقلم، كلاهما آلة لصاحب الدّولة يستعين بهما على أمره”، وباب ثان بعنوان “الكبير الأعظم” وقد صدّره بقول مأثور لابن المقفّع:”إنّ الوحيد في نفسه والمنفرد برأيه حيثما كان، هو ضائع ولا ناصر له”. وباب ثالث بعنوان “آخر الرعيّة” صدّره بقول للكاتب الرّوسي ميخائيل شولوخوفMikhaïl Cholokhov (1905- 1984) “لا تظنّنّ أن ذلك النّهرَ تحت الجسر نائم”، ولعلّه بذلك يذكّرنا بقول أبي القاسم الشّابي في قصيدته “إلى طغاة العالم”، “حذار فتحت الرّماد اللّهيب”. هذه العتبات تمثّل عناصر نصيّة تساعدنا على استقراء الفضاء السّردي في الرّواية وإطاره التّخييلي، وتؤكّد صلة الكتابة من ناحية البناء الفني بذاكرتها الأدبيّة، وهو ما يدعم رأينا الذي ذهبنا إليه في إشارتنا إلى البنية اللغويّة، وعلاقتها بالتراث السّردي العربي القديم.

تنخرط هذه الرّواية ضمن سياق التّجريب الفنّي في الأدب، ذلك الذي شمل مختلف أجناس الكتابة في الإبداع العربي الحديث، وهو بناء فنيّ يتناقض مع البنية الأدبيّة الكلاسيكيّة التي تقوم على الفصل بين الأنواع، منذ أرسطو ومن تلاه من تلامذته ومن نحا نحوهم. رغم أنّ توظيف الشّعر في الكتابة السّرديّة والنثرية لم يكن حكرا على الرّواية الحديثة، فقد سبقت حركة الإبداع العربيّة القديمة إلى الجمع بين هذين النّوعين منذ رسالة الغفران لأبي العلاء وكتاب المقامات للهمذاني وغيرهما. وقد أنتجت هذه البنية في الرّواية تماهيا بين مستويات الخطاب رغم تباينها، فإذا كان الشّعر يرتبط بالغنائيّة فإنّ السّرد يبني عالما دراميّا، وبالجمع بين هذين النّوعين في الكتابة يحاول المؤلّف تشكيل ألفة سرديّة تجمع بين صورتين متنافرتين في الكتابة، وهي رؤية فنيّة ترتبط دلاليّا بالسّياق الفكري والاجتماعي الذي تعيشه الذّات الكاتبة، ومن خلال نظام الإحالة نقف عند التناقض الكبير الذي يميّز عصر الكاتب وزمن الكتابة.

والنّماذج الشّعريّة في روايتنا كثيرة التّواتر وهي متنوّعة الحضور وتحيل على مصادر تراثية مختلفة، ويمكن تصنيفها إلى شواهد تقع الإحالة عليها سياقيّا مثل الإشارة إلى أبيات شعريّة للخنساء (ص 33) أو الشّاعر الصّوفي التّراب السّوسي، كذلك نجد حضورا لأبيات شعرية ينظمها المؤلّف في شكل معارضات شعريّة لشعراء مشهورين مثل أبي الطيّب المتنبي (ص 45)، كما يوظّف أبياتا شعريّة عموديّة أو على شاكلة الموشّحات في غرض معيّن خدمة لنسق القصّ وطبيعة الحدث الرّوائي، كأن ينظمها في غرض المدح (ص 34- 35) فتعيد بنية المدح إلى أذهاننا صور الحاكم السّياسي في عهود التسلّط. وفي مواطن أخرى يستلهم المؤلّف من التّراث الشّعبي التونسي مقاطع غنائيّة ينظمها في شكل عمودي (ص 41- 42).

ساهم توظيف عدّة مقاطع شعريّة في الرّواية في إنتاج صور متعدّدة للتناصّ مع مجموعة من النّصوص الشّعريّة التّراثيّة، وكذلك الإحالة على مجموعة من أعلام الشّعر العربي في أزمنة متباينة وفي أنماط شعريّة مختلفة. وهذه البنية الفنيّة أغنت عناصر الكتابة ومنحت عالم السّرد توهّجا دلاليّا، عبر تناظر الصّور الرّمزيّة خياليّا، كما أنتج توظيف الشّعر في الرّواية تعدّد الأصوات وتباين مستويات التّلفظ فضلا عن منح البناء السّردي طابعا شعريا، وهو ما أغنى درجات التّخييل في النصّ السّردي وفتح مساحات الرّؤية على أبنية دلاليّة مختلفة.

هذه الرّواية تنتمي إلى فترة مهمّة في تاريخ الرّواية العربيّة، فبالعودة إلى تاريخ كتابتها، أي مرحلة التّسعينات من القرن العشرين، نرى أنّها تندرج ضمن تيار تأصيل الرّواية العربيّة ضمن إطارها المرجعي والثّقافي والفكري وفصلها عن نظيرتها الرّواية الغربيّة. والعودة إلى الشّكل التّراثي ليس الغرض منه الإقامة فيه أو هدفه الارتداد إلى تلك المرحلة، بقدر ما يحاول كتّابها إعادة توظيف التّراث والإفادة منه (راجع محمّد رياض وتّار، توظيف التّراث في الرّواية العربيّة المعاصرة، دمشق، منشورات اتّحاد الكتّاب العرب، ط. 1، 2002، ص 10)، وذلك التوجّه تفسّره بواعث عدّة، منها ما هو واقعيّ، ومنها ما هو فنيّ وثقافيّ، ولعلّ هذا البحث يُجلي بعض العناصر في رواية أبي بكر العيّادي، رغم أنّها تختلف عن التوجّه الذي سلكته الكتابات الرّوائيّة العربيّة، من ناحية مضامين الحكي وطريقة البناء وجرأة الطّرح الفكريّ والسّياسي، قياسا بالفترة التاريخيّة التي كُتبت خلالها ونُشرت.

الكتابة موقف وقضية

الكتابة الرّوائيّة عمليّة تبئير سرديّ موسّعة يوجّه من خلالها المؤلّف الذّات المتلفّظة أو الرّاوية في الخطاب إلى مجموعة من الصّور، ويثير كذلك جملة من المواقف والقضايا من خلال ما تنتجه العمليّة الحواريّة بين شخصيّات الحكاية. والكتابة كذلك موقف من العالم ومن الإنسان، من الوجود، ومن المجتمع، وهي أيضا موقف ضدّ السّلطة والجهل والقبح، فأن تكتب هو أن توجَدَ، وأن توجَدَ لا يعني ذلك حضورا سلبيّا وإنّما حضور فاعل وخلاّق (انظر جابر عصفور، سرّ نجيب محفوظ، جريدة الأهرام، 20 ديسمبر 2015، http://www.ahram.org.eg) يتبنّى موقفا.

وهنا نتساءل ألا يمكن أن تكون الكتابة حيادا؟ إنّ الحياد في الكتابة الأدبيّة ينتج نصّا ضعيفا فكريّا يقع إدراجُه ضمن الهامش الثّقافي والأدبي لأنّه لا يربك آفاق التقبّل ولا يحرّكها. ربّما يكون الحياد في الدّراسات العلميّة انطلاقا من الموضوعيّة العلميّة، وقد نجده في الآداب المقارنة، ولكنّه أبعد ما يكون عن النصّ الإبداعي، فالإبداعُ في مجالات الأدب المختلفة موقف يُصاغُ فنيّا ولغويّا، ويُمارس من خلاله مبدعه فعلا من أفعال الكينونة، “أكون أو لا أكون” بعبارة شكسبير، فالعمليّة الإبداعيّة تنشأ نتيجة عدّة دواع من بينها مواقف المبدع من قضاياه الوجوديّة، ولكنّها تتشكّل في سياق لغويّ جماليّ وتخييليّ.

والنّاظر في الرّواية يلاحظ في عدّة مواضع منها أنّ مؤلّفها يتبنّى عدّة مواقف مثل تفضيل فكرة “الشّعب” عن مفهوم “الرّعيّة”، لأنّ ذلك الوسم لصورة الإنسان يرسّخ الاستسلام والانهزاميّة والخنوع، بل رفض الحريّة، وهو ما نفهمه مثلا ممّا يتداوله العامّة في الرّواية بقولهم “مولانا هو الذي يحكمنا، سواء بصوتك في الانتخاب أو من دونه” (ص 59). كما ينتقد المؤلّف على لسان راويه مواقف بعض المؤسّسات السّياسيّة بخصوص قضيّة الحريّة في علاقة الحاكم بالمحكومين (ص 113- 114)، ويبيّن موقفه من “رأس السّلطة الحاكمة” في لغة أقرب إلى العاميّة، إذ يقول “ومن كان رأسا أدركته الأوجاع ثم صار رأسه مطلوبا” (ص 129) . ومن مواقف الكاتب أيضا إثارة قضيّة الهويّة وفضح جوانب من العوالم النّفسيّة لبعض الشّخصيّات في الرّواية التي تتجاوز صورها الخياليّة إلى إثارة صور رمزية أعلق بواقع الإنسان، من خلال نموذج شخصيّة “الشّيخ زبير” الذي أصبح يحسّ بغربة كبيرة بعد انفصاله عن موطنه وسفره إلى الغرب، فبعد شرب الخمر تقع تعرية العالم الحقيقي لتلك الصّورة التي تمثّل نمذجة مزيّفة لواقع الإنسان العربي. كما أنّ تبنّي خطاب السّخريّة في رصد حركة الشّخصيّات في الرّواية، أو من خلال نقل أقوالها ومواقفها، أو كذلك تسميتها وتمييزها بألقاب رمزيّة مثل شخصيّة الرّئيس التي وسمها بـ “الكبير”، لهو دليل على موقف المؤلّف. ومن خلال هذا الطّرح الفنّي لصورة الواقع روائيّا، نرى أنّه لا ينقله أو يحاكيه أو يصوّر تفاصيله، بقدر ما يفجّر أبنيته الدّاخليّة ويكشف هناته وفظاعاته بشكل ساخر، وهذه من أهمّ مآثر الأدب الرّوائي، لأنّ الأدب كما يقول نجيب محفوظ “ثورة على الواقع لا تصوير له”، ودلائل هذه الثّورة تعبّر عنها سمة الاحتجاج المبطّنة ضمن أسلوب السّخرية، فالسّخرية في الأدب أفحش أنواع النّقد وأهمّ دلائل الرّفض والثّورة.

القضية السياسية

تمارس هذه الرّواية عبر السّرد فعل تعرية ونقد لمجتمعاتنا العربيّة المعاصرة، بصفة عامّة، فكما أشار الكاتب في عتبات الرّواية قائلا “عُربانيا بلد مُنفلتٌ عن الجغرافيا” (ص 7)، فإنّه مهما كانت امتدادات الجغرافيا فـ”عربانيا” اسم مشتق من الجذر (ع. ر. ب)، لذلك فامتداداته عربيّة ولغته عربيّة وهويّته عربيّة في وطن عربيّ. ولكن طرائق التّعرية تقوم على بناء تخييليّ رمزيّ دون أن تكون خطابا موجّها أو مباشرا. وأهمّ ما يثيرنا في هذا الكشف صورة الإنسان في مجتمعاتنا العربيّة المعاصرة باعتباره “حيوانا سياسيا” (Zoon Politikon)، ولكنّه ليس حيوانا سياسيا بذلك المفهوم الأرسطي الذي يؤكّد حاجة الإنسان إلى العيش ضمن اجتماع بشريّ تحكمه شرائع وقوانين. فنموذج الحاكم الذي تطرحه الرّواية ليس إلاّ تلك السّلطة البشريّة اللّامتناهية والمهيمنة، وقد أشار إليها أفلاطون في كتابه “الجمهوريّة” عند حديثه عن “ديونيسوس″ حاكم “سيراقوصة”(راجع أفلاطون، كتاب الجمهوريّة، (د. ن)، مصر (د. ت)، ص. ص. 567- 568.)، وتتأكّد هذه الصّورة في الباب الثالث من الرّواية، إذ يرسم المؤلّف صورة السّلطة السّياسيّة في “عربانيا” بشكل طريف راوح فيه بين الهزل والسّخرية والانتقاد، سواء عبر السّرد أو البنية الحواريّة. فتتسرّب إلى مخيال القارئ العربيّ بعض مرايا حكامه، فيكتشف أفكارهم وصورهم ومواقفهم وأدوارهم… إلخ، دون أن يتحسّس ملامحهم أو شخوصهم. وهذا السّمة تبيّن قدرة الخطاب الرّوائي على تحويل الحقيقي إلى متخيّل وتمكين المتخيّل من أن يرتدّ صورا حقيقيّة دون تطابق بينهما.

ومن مظاهر الطّرح السّياسي في الرّواية ما نفهمه من خلال موقف الرّاوي المتكلّم في عدّة مواطن من السّرد، إذ يقول “لم يفهم الناس معنى الاقتراع ولا الانتخاب ولا حتّى التّصويت (ص 58)، ولعلّ الرّاوي في هذا السّياق يتلوّن بلَبوس الذات الكاتبة فينقل بطريقة غير مباشرة مواقفها. كما يشير إلى استفسار “الرّعيّة” حول معنى الدّيمقراطيّة وجهلها هذا المفهوم فكرة وممارسة. ومن أشكال الصّلة بين الأدب الرّوائي والواقع الإنساني محاكاة بعض الممارسات الاجتماعيّة والسّياسيّة التي تميّز واقع المؤلّف، ونقتطف هذا المقطع السّردي لتوضيح ذلك، يقول الرّاوي “تنافست الخلايا الحزبيّة والبلديّات والولايات والمؤسّسات والمنظّمات بأصنافها والمعاهد الصّغرى والكبرى في انتقاء شعارات اكتسحت مداخل المُدُن وممرّاتها وساحات القرى ودروبها”، وهي تصرّ على التّصويت لصالح “الكبير” بوصفه حقّا من الحقوق المقدّسة. فأوّل ما يخامر أذهاننا تلك الصّورة الطّاغية للأحزاب المهيمنة في جميع بلدان العالم التي تتميّز أنظمتها الحاكمة بهيمنة الحزب الواحد والحاكم الأوحد، والأمثلة على ذلك كثيرة لا يمكن إحصاؤها.

أمّا شخوص الرّواية في علاقتهم بالـ”كبير” (الشّخصيّة المهيمنة في الرّواية) فهم من يصنعون هذه “الأسطورة المهيمنة” في وعيهم ولا وعيهم بتسويدها ودعم حضورها، حتّى أصبحت تملأ الوجود المادي والفكريّ للمجتمعات التي تحكمها. ومقارنة بالمفهوم الإغريقي للسّياسة والمفهوم السّائد في المجتمعات العربيّة، تفضح الرّواية كيف تحوّل هذا المفهوم عن طابعه “الإيطيقي” المثالي إلى طابعه الحاكمي التّسلطي والنّرجسي، من خلال المدح والتّضليل الفكري والثّقافي وعبر تسويد صورة الحاكم إعلاميا وثقافيّا وفكريّا، ومن أجل استبدال فكرة خدمة المجتمعات الإنسانيّة بفكرة حُكمهم حكما رعويّا. ويتحقّق هذا الفعل السّياسي عبر مجموعة من القيود الفكريّة والأيديولوجيّة التي تدعم هيمنة حاكميّة “الكبير” على المسحوقين. وفي المقابل نجد استسلاما من طرف المحكومين، إذ أنّ غريزة الخضوع في سلوك الشخصيّات تنقلها سجلّات الكلام من قبل قوله “سيحكمنا الكبير شئت أم أبيتَ”. وبهذا المعنى يتحوّل الـBios Politikos الأرسطي، أي النّظام السّياسي، من مراهنته على الشّرائع والقوانين والدّيمقراطيّة إلى صورة جديدة غيّرت مفهوم الإنسان وصورته تغييرا جذريّا. وما يُمارس السّرد القائم على سجلّات لغويّة متنافرة فعل الدّهشة، بالإشارة إلى تناقض عالم الإنسان الحديث، بين حُلمه وواقعه، بين طموحه وخيباته، بين أمله وألمه… إلخ. فسجلاّت الكلام تمثّل سمات لسانيّة وعلامات رامزة تحيل على كينونات لغويّة مُعتَمَة ومُظلّلة في الآن نفسه، لأنّها تتجاوز البعد الإشاريّ والمنهج التّعبيريّ المباشر لتراهن على عمق كينونة أخرى مُضمَرة أو يُوحي بها الخطاب الرّوائي. هي كينونة الذّات في سياق وجودها الفكري والثّقافي.

الصوت السردي وصورة الذات

إنّ قارئ الرّواية لا يستطيع لأوّل وهلة استساغة بنيتها اللغوية، ولا يفهم علاقة اللغة المتوغلة في متون التّراث بسياقنا الثّقافي الرّاهن، فعادة ما يراهن كتّاب الرّواية المعاصرون على اللغة السّهلة وسلاسة العبارة ووضوح الفكرة لشدّ أكثر عدد ممكن من القرّاء، أو ارتياد لغة شعريّة توسّع عوالم الخيال وتزيد طاقات الترميز. ولكنّ هذه الرّواية لا تراهن على نفس المسار لدى عامّة من ألِفوا طرازا لغويّا بعينه، بقدر ما تراهن على مشروع كتابة يتبنّاه مؤلّفها المُهاجر لأنها تنخرط في سياق توظيف التّراث في الرّواية العربيّة، كما أنّ كتابة المهجر تختلف عن كتابة الدّاخل أحيانا كثيرة، لأنّ الكاتب المهاجر يعيش غربات كثيرة ومضاعفة. وفضلا عن غربة المكان والزّمان والغربة الوجوديّة والفكريّة فإنّه يعيش غربة ثقافيّة وحضاريّة، ولكنّ أهمّها جميعا هي الغربة اللغويّة. فالذّات التي فُصِلَتْ عن واقعها الحضاري والنّفسي والثّقافي، تحاول عن طريق اللغة إثبات ميراثها الفكري والفنّي وحفظه. وهذا ما نحسّه عند قراءتنا رواية أبي بكر العيّادي ينفصل فيها الشّخص عن الذّات المتلفّظة أو الرّاوي “المتكلّم” أو ما يمكن تسميته بالضّمير السّردي، فتصبح هذه الذّات في حالة مقاومة، تحاول عبر فعل الكتابة إثبات هويّتها اللغويّة، في مواجهة فضاء لغويّ جديد، كان ولا يزال ممثّلا لتك الصّورة القديمة، صورة الاستعمار الذي يمارس فعلا استيطانيا مقيتا، ومسخا حضاريّا، وتحريفا ثقافيّا. فليست اللغة التّراثيّة في الرّواية إلاّ إحدى العناصر المشكّلة لهويّة الكاتب والمكتوب معا يقاوم من خلالها مظاهر المحو التي ترسّخها الخلفيّة الاستعماريّة للغة والثّقافة، وهذا ما يفسّر إصراره على البحث في التّراث الأدبي اللغوي والثّقافي عن عناصر وجود، ليؤصّل من خلالها مشروعه الفكريّ والأدبي. تؤكّد هذه الرّواية أن الكتابة شكل من أشكال المقاومة، مقاومة الاغتراب الثّقافي واللغوي، وهو خطر الخارج، ومقاومة وحشيّة الفعل السّياسي وسذاجة الإنسان العربي وعجزه على أن يكون مواطنا حرّا، وهذه مخاطر الدّاخل.

ولمواجهة الغربة وعناصر المحو يرتحل المؤلّف في متون التراث الأدبي يستلهم منه عناصر إيناع لإنعاش ذاكرته اللغويّة والثقافيّة، كما تمثّل الرّموز الأدبيّة واللغويّة التي يستحضرها عند الكتابة عناصر هويّة وروابط انتماء يراهن عليها الكاتب لصياغة عوالمه السّرديّة. وهذا التّشكيل الفنّي لا يتّصل بنوع أدبيّ مخصوص، وإنما يمثّل ذلك البناء علامات سيميائيّة ودلاليّة مائزة تبيّن طرافة البناء في الرّواية، باعتبارها نصّا يستند إلى عمق ثقافي ولغويّ لصياغة رؤية روائيّة تعبّر عن راهن الإنسان وشواغله وقضاياه، ورؤية كاتبها الذي لا ينفصل عن هذا السّياق الفكري بقدر ما يقيم فيه ويحاوره. فيكشف النّقاب عن طبائع الاستبداد ويحلّل أبنيته أدبيا وجماليّا، إذ تعرض الرّواية سيرة طاغية يسعى إلى تحقيق ذاته المجبولة على التسلّط، ويتآلف في أعطافها الخيال والواقع، والجدّ والسّخرية اللّاذعة، وتتوسّل بالشّعر وجماليّاته إغناء بنيتها السّرديّة، وتستحضر التّراث بشكل مدروس ينزّلها ضمن سياق فنيّ يكشف جوانب من حياة الإنسان الحديث وهواجسه.


باحث من تونس