واقع الأمة وآفاق الانعتاق من الاستبداد

انشغل المثقف العربي عبر العصور بما يتهدد الجماعة من أخطار محدقة وما يستجد في واقعها من أحداث طارئة، ومن جملة القضايا التي شغلت باله قديما وحديثا قضايا السلطة والاستبداد لصلتها بحياة الناس ومصيرهم وأمنهم وتقدمهم أو تقهقر حضارتهم، فقد طرحت قضية الاستبداد للنقاش والجدل من قبل كثير من الفلاسفة في الثقافات القديمة، اليونانية والرومانية وغيرها من الحضارات الشرقية، وغالبا ما كانت طموحات وأفكار المثقفين تصطدم بواقع الاستبداد السياسي والتخلف الثقافي للمجتمعات لتراوح مكانها من دون أن تتوقف مسيرة التقدم الفكري أو تنكص الرغبات في التحرر من هيمنة الفكر السلطوي.

الجديد  سالم الفائدة [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(62)]

لوحة: محمد خياطة
هكذا يعثر الباحث في الثقافة العربية على الكثير من التصورات والمذاهب السياسية والفلسفية التي شيّدت وقُدّمت بديلا لواقع الاستبداد وتناقضاته، ولعل ما قدمه المعتزلة وغيرهم من الفرق الكلامية وما خلفه مفكرون وعلماء مثل أبي الوليد بن رشد وابن خلدون ومفكري عصر النهضة العربية جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي يبرز هذا الانهمام العميق بالاستبداد ومظاهره وسبل الخلاص منه لإدراكهم أن الاستبداد يعد من أعظم الشرور التي تصيب الأمم والشعوب.

لا شك أن تجديد البحث والسؤال في قضية الاستبداد يرتبط باللحظة التاريخية التي تعيشها الأمة العربية التي استبد فيها حسب الشيخ عبدالرحمن الكواكبي “داء الجهل على العلم”. واشتد فيها الانحراف عن قيم العقلانية والتنوير إلى خيارات فكرية تنمّي الاستلاب والاستبداد والرجعية الثقافية، وترمي بالشباب الحالم في حضن الفكر الغيبي.

إن واقع الاستبداد الذي تعيشه المجتمعات العربية بتفاوت نسبي خلق حالة من الشلل والانكسار العام، فغياب الحرية الفكرية وضعف تطبيق القانون وسيادة التسلط وانحراف مسارات الثورات العربية تجاه الحروب الأهلية والطائفية وما أعقبها من ارتدادات واهتزازات وشك ويأس عند الأفراد والنخب السياسية والثقافية ساهم بشكل واضح في تعطيل طاقات الأمة في الخلق والبذل والإبداع وترسيخ قيم السلبية والاستسلام، خاصة في أوساط الفئات الشابة التي ارتبط جزء منها بخيارات فكرية تميل إلى التطرف الديني والعقائدي والطائفي والإثني، مما أهدر على الأمة فرصة تاريخية للتحرر والتقدم وتجاوز التخلف التاريخي المزمن.

فقد صاحب الثورات التي اندلعت في بدايتها لتأسيس دولة المواطنة والقانون والحرية والعدالة الاجتماعية نكوص واضح نتيجة تسابق بعض القوى الدينية والتسلطية لقطف ثمارها في ظل غياب قوى وطنية ديمقراطية منظمة قادرة على توجيه طاقات الفعل الثوري الشبابي لخدمة التقدم والتحرر من الاستبداد الموروث، وذلك بتواطؤ ظاهر مع القوى الإمبريالية التي ظلت تنظر إلى شعوب الأمة غالبا من زاوية مصالحها الاقتصادية والسياسية، مشعلة فتيل النعرات والعصبيات القبلية والمذهبية لترويج أسلحتها وبضاعتها ولتضع يدها على مقدرات شعوب المنطقة وما تحتويه من ثروات طاقية وبشرية راهنة بذلك مستقبل الأمة لمصير مجهول.

إن الاستبداد الموروث والناشئ في واقع الأمة العربية يبرز بجلاء أن الداء الفتاك يكبح قوى التقدم والتحرر والإبداع والابتكار ويعمم الدمار والحروب التي كلفت شعوب المنطقة العربية ثمنا باهظا في الأرواح والممتلكات والرصيد العمراني التاريخي والبنى التحتية التي تم تدميرها في بعض البلدان بشكل شبه تام، كل ذلك يحدث لأن “المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحكم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق”، فماذا تغير بين الأمس واليوم، بين عصر ابن رشد والكواكبي، وما تعيشه المجتمعات العربية في راهنها؟

لا شك أن التاريخ يخضع لمنطق الحركة والتطور، ومنه فنحن لا نروم بالسؤال نفي ما شهده العصر من تقدم وتحول ساهما في ربط المجتمعات العربية بركب الحضارة الإنسانية المعاصرة، لكن اللحظة الراهنة تقتضي التنبيه إلى حجم النكوص الاجتماعي والتراجع في الحقوق والحريات وتدهور البنيات الثقافية والعلمية في عالم صارت فيه قيم الرأسمال المعرفي والتحرر الفكري والسياسي معايير للمفاضلة بين الشعوب.

في ظل هذا الشرط التاريخي يفترض بمثقفي الأمة وعقولها المفكرة طرح سؤال النهضة من جديد وتجديد البحث عن سبل الخلاص الجماعي لمحاربة روح اليأس وقيم التردي والسلبية، وخلق مناخ ملائم لبلورة رؤية واضحة للمستقبل وبالتالي انتشال شعوب الأمة من واقع الاستبداد والتخلف.

وعليه فإن التحرر من قيود الاستبداد والتحليق خارج رقعة السواد، تقتضي التسلح بما يقتضيه العصر من عدة وعتاد، ذلك أنه لا يصلح واقع الأمة إلا بما صلح به واقع المجتمعات المعاصرة المتقدمة من خلال العلم والعمل واحترام القانون وإعطاء الإنسان فردا أو جماعة ما يستحق من اهتمام.

فإصلاح شأنه رهين بإصلاح واقعه وهذا يعني أن الخروج من النفق يقتضي العقلانية في بناء الرؤى والتصورات، فعندما تدرك الشعوب ماهية الدولة والحكومة التي تحكم، أي طبيعة الحكم السياسي، وعندما تدرك الشعوب حقوقها وكيفية تحقيقها، وعندما تعي ما ستجنيه من أمن واستقرار وتقدم في سياق الدولة المدنية المعاصرة التي تتأسس على المساواة والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وأن ممارسة الحكم ترتبط بتطبيق القانون عبر مؤسسات فاعلة، لا بنزوات الحكام ومصالحهم الضيقة، وحينما تتسع دائرة المستفيدين من الثروة والتعليم ويبنى في الأوطان اقتصاد متين غير مرتهن لتقلبات المناخ والطبيعة تشكل فيه الصناعة دعامة أساسية، حينذاك يمكن التبشير والتهليل بملامح واقع عربي جديد ينفلت فيه الفرد والمجتمع من وطأة الاستبداد والفكر الشمولي التسلطي. خاصة أن التغيير لم يعد مرتبطا بالثقافي الصرف فالتقنية والآلة والرقمنة والمعلوميات صارت تشكل ملامح العصر وملامح المستقبل.

هكذا يمكن فهم ما أشار إليه الكواكبي في كتابه الرائد عن الاستبداد، “أن الحرية التي تنفع الأمة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها، أما التي تحصل على إثر ثورة حمقاء فقلما تفيد شيئا، لأن الثورة غالبا تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولا”، ولعل المتابع لما أعقب ثورات “الربيع العربي” في كل من مصر وسوريا وليبيا والبحرين واليمن وغيرها، سيدرك بجلاء مرامي الكواكبي ودقة رؤيته فالاستبداد داء لا يمكن أن يعالج بالاستئصال، وإنما لا بد من مداواته ومقاومته استنادا إلى استراتيجية محكمة يؤدي فيها علماء الأمة ومثقفوها الأحرار دورا محوريا، انطلاقا من رؤية عقلانية تنويرية ترسم طريق التغيير بوضوح للجماهير والشعوب المتعطشة للحرية. تبرز مظاهر الاستبداد وما يخلفه من ألام وكسور وانحرافات في العقل والتربية والاقتصاد ونمط الحياة الفردية والجماعية. رؤية غايتها تأسيس دولة مدنية حديثة تقوم على العلم والحريات وتطبيق القانون المرتضى بين الناس والعدالة والمساواة، فالحياة لا تكون في واقع الناس إلا بانجلاء الليل وعتمته، ومن هنا يبرز دور المثقف العربي العضوي ومسؤوليته التاريخية في مقاومة الزيف والرجعية الفكرية في التبشير بواقع أفضل عبر التحليل العلمي للواقع لرسم الأمل وطريق الخلاص من الاستبداد والفكر الهدام، وبناء واقع عربي لا يكون فيه غدا مكان الفقر أو السجن أو الجهل.


كاتب من المغرب