الحكاية هيكلاً للقصة

في مجموعته القصصية “آخر الأصدقاء لامرأة جميلة” الصادرة هذا العام 2017 عن دار فضاءات في الأردن، يواصل الكاتب السوري مصطفى تاج الدين الموسى تجربته القصصية التي بدأها على مستوى نشر المجموعات في العام 2013 بمجموعته “قبو رطب لثلاثة رسامين”، وبمعدل مجموعة كل سنة.

الجديد  حسان العوض [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(134)]

تتألف المجموعة الأخيرة من 15 قصة كتبت بين عامي 2011 و2015 حسب التأريخ الذي حرص الكاتب على تدوينه في نهاية كل قصة باليوم، ما عدا قصة واحدة كتبت في العام 2000 هي “لعبة الأيدي” التي لا تبدو أقل نضجاً من سواها، وهذا قد يدل على استواء القصة باكراً عند الكاتب المولود في العام 1981، وربما يدل أيضاً على عدم إحداثه لتغيرات كبيرة في تجربته لاحقاً.

المراهقة موضوعا

موضوع هذه القصة “لعبة الأيدي” هو المراهقة، وبطلها ذكر يستعيد ذكرياته عندما كان صغيراً مع ابنة جيرانه التي كانت مراهقة ثم يصطدم بشكه في أخته المراهقة مع ابن جيرانهم الصغير وتنتهي القصة بأسئلة تبقى معلقة في عقله المراهق.

ثاني أقدم قصة من حيث تأريخ كتابتها هي “أزمة أنثوية حادة” موضوعها أيضاً المراهقة، ولكن بطلتها أنثى صارت تستيقظ من نومها صباحاً لتفاجأ بجسدها عارياً، وثوبها ممزقاً جانب السرير، قبل أن تكتشف أنها هي من يقوم بذلك من دون أن تشعر، وتنتهي القصة بما يشبه الفصام بين جسدها غير المكترث لشيء ونفسها المكترثة لكل شيء.

الموت قصصيا

يحضر الموت في معظم قصص المجموعة ولكن كموضوع ثانوي، أما في قصة “امرأة غامضة” فيحضر كموضوع وحيد يتجسد على هيئة امرأة جميلة يشتهيها الراوي في مقهى لكنها لم تنتبه له لأنها كانت مشغولة إعجاباً وشهوة بجاره الأصلع البدين الذي لم يكترث لها ما اضطرها إلى أن تنهض عن كرسيها نحوه لتقبله من شفتيه قبلة طويلة توفّي على إثرها، وفي ذلك قلب للحكاية العالمية التي أشار إليها الكاتب “عندما تقبل فيها الحسناء ذلك الوحش” (ص45). ولكن الراوي في مرة ثانية يصادف في مطعم هذه المرأة الفاتنة التي انتبهت له أخيراً.

ثمة قلب آخر، ولكن كآلية نفسية دفاعية، في قصة “سبعة أشهر مع الساحرة ذات المكنسة” حيث يعتقل الراوي سبعة أشهر يعذب خلالها بوحشية جعلت دماغه يقلب ما حدث؛ فيجعل ما تعرض له أثناء التعذيب كابوساً، والأحلام التي يهرب بها من معتقله واقعاً؛ فيرى أن الساحرة ذات المكنسة الكهربائية تأتي يومياً لتأخذه من جانب بيته، وتطير به عالياً باتجاه سوق المدينة الذي لم يعد يستطيع الذهاب إليه بسبب حاجز عسكري، وفي كل مرة يمرّان فوقه يبصقان عليه، وذلك لمدة سبعة أشهر حتى تتوقف المكنسة عن العمل في منتصف السماء فيسقط على الأرض ويغيب عن الوعي.

يتجسد الموت المشتهى هنا أيضاً على هيئة الساحرة التي سوف تحققه له وتطير به إلى العالم الآخر.

يتوافق الموت الفيزيائي للمرأة الجميلة مع موتها القصصي في القصة التي حملت عنوان المجموعة، لكنهما يفترقان في قصص “الخطة العظيمة-الجريمة الأولى والأخيرة-أسمائي بين المشفى والأبدية” فالأولى يرويها البطل بعد موته متأثراً بجروحه وكسوره والثانية بعد انتحاره والثالثة بعد قتله.

سكان اللوحات التشكيلية أبطالا

تحضر اللوحة التشكيلية في قصتين، ولكن بشكل مجرد، فلا واحدة منهما تحيل إلى لوحة تشكيلية محددة؛ فحتى القصة الأولى “في لوحة تشكيلية” وعلى الرغم من أنها تبدأ بتحديد عام رسمها “في عام 1864 ثمة رسام مخمور ومشهور بإدمانه على أرخص أنواع الخمر، رسمني…” (ص7). إلا أنها لا تسمّي هذا الرسام، وهذا لا يهم الكاتب فما يهمه حقاً هم الذين أهداهم هذه القصة، وهي الوحيدة التي لها إهداء في المجموعة “إلى سكان اللوحات” وساكن هذه اللوحة شاب يروي في هذه القصة رحلة لوحته من الرسام إلى أحد الأثرياء وصولاً إلى حفيده الذي أحضر معه عشيقته التي أدهش جمالها شاب اللوحة فبعثت الحياة فيه حتى سقط عن اللوحة.

القصة الثانية “سندريلا البيت المهجور” يحيل عنوانها وأحداثها إلى الحكاية العالمية المعروفة، ولكن النهاية تفاجئنا بعودة البطلة إلى “داخل هذه اللوحة التشكيلية المعلقة على هذا الجدار منذ زمن طويل” (ص96).

القبو مكانا قصصيا

يحضر القبو في قصص مصطفى تاج الدين الموسى، وعناوينها أيضاً، كمكان قصصي، بشكل متكرر منذ مجموعته الأولى؛ بانخفاضه عن سطح الأرض ورطوبته ودلالته الدنيا اقتصادياً واجتماعياً وحتى سياسياً. وفي مجموعته الأخيرة حضر في ثلاث قصص “قبو التماثيل” وهو أحد أمكنة القصة، وربما كان اختيارياً لصاحبه النحات المخمور. و”عندما تعثّر الزمن في هذا القبو الموحش” وهو المكان الوحيد في القصة، وهو إجباري فرض على بطل القصة الذي لجأ إليه “خوفاً من الحرب والموت والاعتقال” (ص97).

“الخطة العظيمة” والقبو فيها واسع بمثابة ملجأ جماعي لمن بقي حيا من سكان الحارة، ولم يذبحه العسكر بعد.

الحرب زمنا

تحضر الحرب وإرهاصاتها في ثماني قصص من المجموعة، وثمة إشارة واضحة في قصة “قبو التماثيل” إلى أنها الحرب السورية، وردت على لسان النحات “ذلك التمثال الكبير للزعيم الأب في ساحة المدينة أنا من نحته منذ عشرين عاماً.. وأيضاً، التمثال النصفي للزعيم الابن في الحديقة العامة أنا من نحته منذ ثلاثة أعوام..” (ص105).

والزعيم هي المفردة التي اعتمدها الكاتب للحاكم/القائد/الرئيس، وقد حضر في ثلاث قصص، ولكن داخل صورته الكبيرة “أسمائي بين المشفى والأبدية-بالون في المدرسة-ما حدث مع الرفيق شاكر ليلة البارحة”.

في قصة “عندما تعثر الزمن في هذا القبو الموحش” يلجأ البطل إلى قبو خوفاً من الاعتقال. وفي قصة “سبعة أشهر مع الساحرة ذات المكنسة” يعتقل البطل لمدة سبعة أشهر من أمام بيته “بتهمة التظاهر ضد الحكومة” (ص90). ويعذب بوحشية حتى يفقد الذاكرة ثم يموت.

وفي قصة “الخطة العظيمة” حصار “منذ عدة أشهر ونحن-ما تبقى من سكان حارتنا- محاصرون بين أنقاض بيوتنا، ننتظر بملل قطعان العسكر حتى يهجموا علينا ويذبحونا كما فعلوا مع سكان الحارات الأخرى” (ص31).

في هذا الحصار حتى الجوع أصبح عمل الرجال “صيد القطط التي صار لحمها وجبتنا الوحيدة” (ص31).

وفي قصة “أسمائي بين المشفى والأبدية” يقتل البطل في مجزرة جماعية “ليلة البارحة داهمت قطعان العسكر حارتنا، لتجمعنا بسرعة في ساحتها الصغيرة، وكنا عائلات قليلة.. فأغلب عائلات حارتنا نزحت منذ زمن. وبعد أن جمعونا شرعوا بذبحنا بسكاكينهم وسواطيرهم وهم يقهقهون” (ص21-22).

السخرية أسلوبا

ولد الكاتب مصطفى تاج الدين الموسى ونشأ في مدينة إدلب السورية، والمعروف عن أهلها حس النكتة والتهكم والسخرية، كما عرف عن كتاب السرد فيها اعتمادهم السخرية حتى اشتهروا بالقص الساخر، ومن أعلامها فيه حسيب كيالي وخطيب بدلة ونجم الدين سمان بالإضافة إلى والد الكاتب مصطفى القاص الراحل تاج الدين الموسى.

لا شك أن هذه البيئة العائلية والاجتماعية والأدبية التي ترعرع فيها الكاتب قد أثّرت فيه من ناحية اعتماد السخرية أسلوباً للكثير من قصصه، وإن لم يكن وحيداً؛ ففي هذه المجموعة تظهر السخرية في معظم قصص المجموعة خاصة قصص الحرب التي رغم حضورها الكثيف لم يكن هذا الحضور إلا خلفية لأحداث تسخر وتتهكم منها. ولكن ثمة قصتان يمكن اعتبارهما ساخرتين بالدرجة الأولى “بالون في المدرسة” عن طفل أحضر من بيته واقياً ذكرياً إلى المدرسة ظاناً أنه بالون نفخته له زميلته وراحا يلعبان به قبل أن تراه المعلمة التي خافت منه، مثلها مثل المديرة وباقي المعلمات اللاتي كان همهن التخلص منه من دون أن يكتب بهن تقرير “للرفاق في القيادة العليا” (ص53 وص54).

“ما حدث مع الرفيق شاكر ليلة البارحة” عن “عضو القيادة العليا للحزب الحاكم في البلاد” (ص123) الذي كان يرغب بممارسة الجنس مع زوجته لكن ابنهما استيقظ فحضنته أمه وغطا في نوم عميق، قبل أن ينام مزعوجاً ويرى كابوساً يشرح له فيه ابنه عن الجنس الذي يمارسه في المدرسة “مع المديرة، أعلى سلطة تشريعية وتنفيذية وأمنية في المدرسة” (ص126). “بمتعة جانب الصورة الكبيرة للسيد الزعيم” (ص126).

الحكاية هيكلاً للقصة

على الرغم من حضور كل عناصر القصة المتفق عليها في قصة مصطفى تاج الدين الموسى؛ إلا أن الحكاية باعتبارها حدثاً أو مجموعة أحداث تجري تبقى الهيكل الذي تستند إليه بقية العناصر من زمان ومكان وشخصيات. ولذلك توزعت قصص هذه المجموعة على ضميري الغائب والمتكلم، من دون أيّ تداخل بينهما/تعدد أصوات، ومن دون أيّ حضور لضمير المخاطب، ومن دون أيّ تجريب على مستوى الشكل القصصي؛ فحتى القصتان اللتيان تم تقطيعها مرة ترقيماً “بالون في المدرسة” ومرة تنجيماً “ما حدث مع الرفيق شاكر ليلة البارحة” لم يخدم هذا التقطيع وظيفياً ويمكن الاستغناء عنه.

والعناوين أدت وظيفتها كعتبات نصية أولى للقصص في الحد الأدنى؛ إذ جاءت مستلة منها أو تلخيصاً لها فقط، كما أنها طويلة؛ فثمة قصتان يتألف عنوان الواحدة منهما من سبع كلمات، وهذا يشي برغبة عارمة في الحكي بدءاً من العنوان. وثمة ثلاث قصص أيضاً تحيل إلى حكايات عالمية.

إن ما سبق قد يشير إلى أن قصة مصطفى تاج الدين الموسى المحتفية بالحكي أقرب إلى القصة التقليدية، وهذا توصيف وليس حكم قيمة سلبياً، ولكنها قصص ممتعة وشائقة، مضحكة ومبكية في نفس الوقت، مدهشة في نهاياتها المفاجئة.


كاتب من سوريا