المختصر

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/12/2017، العدد: 35، ص(154)]

إدغار موران روائيا

عرفنا إدغار موران مفكرا وعالم اجتماع ذائع الصيت، وها هو يفاجئنا بعمل روائي عنوانه “جزيرة لونا”، كان قد كتبه مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، وظل محتفظا به في أدراجه طيلة سبعين عاما، قبل أن يعيد كتابة الصفحات الأخيرة التي ضاعت منه ويقرر نشره هذا العام. نص مؤثر بطله طفل في العاشرة، ماتت أمه في غيابه، فأوهمه أبوه بأنها ذهبت في رحلة استشفاء وسوف تعود. ولكن الطفل يدرك من خلال المراسم والأزياء والوجوه العابسة أن أمه “لونا” توفيت، ويرفض رغم ذلك كسر حاجز الصمت، فيكابد ألمه في سره ويفشي للورق لوعته، وهو الذي دأب على الكتابة منذ نعومة أظفاره، وكان يشجع أترابه على كتابة مغامراتهم. والعنوان الذي اختاره مستوحى من لوحة “جزيرة الموتى” للسويسري أرنولد بوكلين، وكانت أمه تمنعه من التطلع إليها لكي تجنبه ما يمكن أن تثير فيه من مشاعر سوداء مظلمة. رواية سيرذاتية مؤثرة عن تجربة طفل مع الموت.

أسطورة هوميروس

هل يمكن وضع سيرة ذاتية لشاعر لم يوجد ولم يكن سوى اسم لمجموعة مغمورة من الشعراء الشعبيين؟ ذلك ما نهض له المترجم والفيلولوجي الكبير بيير جودي دو لاكومب ليؤكد أن هوية هوميروس هي ألا تكون له هوية، فاسمه معناه “الجامع″ أي ذلك الذي ينسق مختلف التقاليد الشعرية القائمة ويصل بعضها ببعض. ذلك أن الشعر الهوميروسي، من جهة الشكل، يمزج عدة لهجات إغريقية ليصنع منها لغة مصطنعة يمكن للجميع أن يفهموها دون أن تكون ملكا لأحد. ومن جهة المضمون يُجْمل عدة أساطير سائدة ويعيد صياغتها للجمهور العريض، وفي رأيه أن الإلياذة والأوديسة تمّ تأليفهما منذ البداية في شكل قصائد ضخمة كانت تنشد خلال حفلات الشعائر الدينية الكبرى في ديلوس وفي آسيا الصغرى، وكانت تجمع اليونانيين القادمين من كل حدب وصوب. وكان الرواة قد شعروا منذ البداية بالحاجة إلى اختيار اسم ما للدلالة على تميز أعمالهم الجمعية، فاختاروا هوميروس، فكانت الأسطورة.

معقل الاستبداد البلشفي

جديد يوري سليزكين، مدير معهد الدراسات السلافية والأوروبية الشرقية والأورو-آسيوية في بركلي، كتاب ضخم بعنوان “البيت الخالد” يدعو فيه القراء إلى قلب بيت الحكومة الذي شيده النظام السوفييتي في قلب موسكو ليكون معقلا ومرآة للتطلعات البلشفية نحو عالم جديد بقوم على الاشتراكية. ولئن أعِد المبنى الشامخ في البداية ليكون سكنا لكبار المسؤولين في الحزب، فإن ما فتئ يفقد سكانه بعد عمليات التطهير التي أرادها ستالين. هذا البيت الذي يتكون من خمسمئة شقة وخمس شقق، كان نموذجا للتنظيم الشيوعي للمعيش اليومي، يجد فيه كبار السلطة البلشفية كل مرافق الحياة من البنك والمتجر والمطعم إلى المكتبة والمسرح ومكتب البريد وملعب التنس. استنادا إلى وثائق تاريخية بالغة الأهمية ورسائل وصور فوتوغرافية وشهادات، يروي الكاتب اعتناق الجيل الأول من الاشتراكيين البلشفية، ثم سجن ثمانمئة منهم أو تصفيتهم بتهمة الخيانة خلال عمليات التطهير الكبرى بين عامي 1937 و1938، وكيف أدى ذلك إلى تخلي أبنائهم عن أيديولوجية الحزب ومهّد لنهاية الاتحاد السوفييتي.

فلسفة العنف

“الدفاع عن النفس″ عنوان كتاب لإلسا دورلان، أستاذة الفلسفة بجامعة نانتير، تعرض فيه للعنف الذي يمارسه البشر عبر التاريخ، سواء العنف المشروع الذي تمارسه السلطة، أو العنف الذي تمارسه المجموعة ضد الأقليات، وتبين الخط الفاصل بين من هم “جديرون بالدفاع″ وبين العزّل الذين لا يتركون بغير دفاع فقط، بل يحظر عليهم الدفاع عن أنفسهم، بأي وسيلة كانت. فالقانون الأسود لعام 1685 كان يحظر على العبيد حمل أيّ نوع من الأسلحة ولو كانت عصيّا غليظة. وفي القرن التاسع عشر كانت السلطة الكولونيالية في الجزائر تمنع الأهالي من حمل السلاح وتبيحه للمعمّرين، وفي عصرنا الحاضر، يسمح لشرطي أبيض بأن يطلق النار على مراهق أسود بدعوى أن الشاب يشكل تهديدا. نزع السلاح هذا، تقول الكاتبة، يطرح مسألة لجوء الفرد إلى العنف للدفاع عن نفسه. وفي رأيها أن تاريخ العنف ينير لنا مفهوم الذاتية الحديثة كما يتبدى في سياسات الأمن المعاصرة، وتدعو إلى قراءة نقدية جديدة للفلسفة السياسية على ضوء أفكار هوبس وفانون وفوكو ومالكولم إكس وجون جوردان وجوديث بتلر.

دعوة إلى اشتراكية جديدة

جديد الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني أكسيل هونيت كتاب بعنوان “فكرة الاشتراكية”، يبين فيه التناقض الذي تعاني منه المجتمعات الغربية، التي تدين من ناحية العواقب الاجتماعية والسياسية التي ولدتها العولمة، ومن ناحية أخرى لا تفعل شيئا للخروج من الوضع القائم وتصور وضعا اجتماعيا يتجاوز الرأسمالية. وهذا في رأيه شيء جديد في تاريخ الحداثة. فالمسارات الاجتماعية الاقتصادية تبدو أكثر تعقيدا، بل غامضة أمام الوعي العام بشكل يجعله يرى التدخل البشري الهادف غير قابل للتحقق. وفي رأيه أن تحليل ماركس للتيمية في رأس المال يجد له اليوم معناه التاريخي: فاليقين العام الذي يرى أن العلاقات الاجتماعية غير قابلة في جوهرها للتحول على غرار الأشياء الخارجية، لا يجد صداه في ماضي الرأسمالية، حين كانت الحركة العمالية لا تزال تؤمن بإمكانية تغيير وضع ما، بل في أيامنا هذه. يقول الكاتب “إذا كان الاستنكار العام لتوزيع الثروة والسلطة بهذا الشكل الفظيع يجعلنا عاجزين عن تحديد هدف ممكن، فالسبب ليس زوال بديل الرأسمالية الذي مثله النظام السوفييتي ولا تحولا راديكاليا لفهمنا للتاريخ وعبادة اللحظة الراهنة، بل سيادة تصور تيمي للعلاقات الاجتماعية”.

ما وراء الفضاء الطافح بالصور

“سوبرماركت المرئي” عنوان كتاب جديد لبيتر زندي الأستاذ المحاضر بجامعة ناننتير، المتخصص في الفلسفة والدراسات الموسيقية، يحلل فيه ما كان والتر بنيامين أشار إليه منذ عشرينات القرن الماضي، حول طفرة الصور التي تشغل الفضاء المحيط، ويضيف أن لهذا الاجتياح تاريخا تنامى حتى عمّ منذ بداية تبضيع الصور وتعدد زوايا الرؤية. فمن المصاعد الأولى إلى التقنيات الحديثة للبصريات، يحفر الكاتب في جينالوجيا كل ما يقع عليه النظر، ليستكشف ما وراءه، على غرار دولوز حين أكد أن المال هو قفا كل الصور التي تُظهر السينما وجهَها، لا سيما أن السينما في معناها الأونطولوجي تفيد الكون. ومن ثم يستهدي الكاتب بمشاهد من أفلام هتشكوك وربير بريسون وميكل أنجلو أنطونيوني وبريان دو بالما ليجد له طريقا يقوده من الـ”إيقونوميا” الضيقة إلى “إيقونوميا” عامة بتعبير جورج باطاي.

النيهيلية والحقيقة والكذب

منذ أكثر من قرن، عرف نيتشه النيهيلية بالكارثة المعرفية التي تنتج حينما تشير إرادةُ الحقيقة إلى الحقيقة نفسها ككذبة قصوى. أي أن النيهيلية تدل على مفارقة: إذا كانت الحقيقة كذبا، فقول الحق عن كذب الحقيقة هو أيضا كذب. وإذا كانت أزمة النيهيلية هي نتيجة لميلنا إلى الحقيقة، فإن تجاوز النيهيلية يشترط عزل الحقيقة باسم الحياة. وبذلك يغدو كل شيء خاليا من المعنى والقيمة والأهمية. ولكن إذا صار كل شيء عديم الأهمية، فلماذا نقوله؟ في كتابه “العدم المهتاج” يقترح الفيلسوف البريطاني راي براسيي حل مشكلة النيهيلية بالتأكيد أن من الأهمية بمكان أن نعرف ألا شيء له أهمية، فهذا ينتج فارقا في الفكرة بوصفها ذاك، أو في كل ما عداها. وفي رأيه أن التفكير في شيء حق ينتج نوعا جديدا من الاختلاف، مباينا لكل الاختلافات الأخرى.

صيانة الكتب من البراميل المتفجرة

من 2012 إلى 2016 خضعت ضاحية داريا لحصار خانق، فعاش أهلها جحيما فظيعا كان يتخلله القصف بالبراميل المتفجرة، والهجوم بالغازات الكيميائية إضافة إلى سياسة التجويع الممنهجة، من خلال قطع الإمدادات الغذائية. أمام هذا العنف الذي مارسه نظام بشار، قام نحو أربعين شابا من شباب الثورة بإنقاذ آلاف الكتب المردومة تحت الأنقاض، وتجميعها في مكتبة سرية في قبو من قباء المدينة، تم تطهيره وتجهيزه للغرض. وقد عدّت الكاتبة هذا السلوك شكلا من أشكال المقاومة وكناية عن الرفض المطلق لأي هيمنة سياسية أو دينية، وتعبيرا عن نهج ثالث يرفض الخضوع لنظام البعث مثلما يرفض الامتثال لداعش، وهو ما نادت به الثورة السلمية منذ انطلاقها. وقد رصدت دلفين مينوي، مراسلة جريدة لوفيغارو المتخصصة في الشرق الأوسط، كل ذلك ودونته في كتاب بعنوان “الكتب في داريا. مكتبة سرية في سوريا”، جاء ثمرة تعاون أولئك الشبان مع الصحافية الفرنسية والتواصل عبر السكايب.

مواعظ مضادة

“زمن المتنافرين” عنوان كتاب للمفكر والأديب التونسي الراحل عبدالوهاب المؤدب، الذي كان طوال حياته يخوض حربا مضاعفة، الأولى ضد الأصولية الإسلامية، والثانية للتعريف بالإضافة الثقافية التي جاء بها الإسلام. والكتاب عبارة عن مختارات من المقالات الإذاعية والصحافية التي كان يسعى من خلالها إلى البحث عن علاج لأمراض الهوية. وليس المقصود بالمتنافرين هنا الغرب والإسلام، وإنما المتشددون من الجانبين، الأصوليون المتزمتون من جهة، ودعاة صدام الحضارات من جهة ثانية. وتشمل المقالات كل مناطق الصراع التي وضعت الطرفين وجها لوجه بشكل أو بآخر في حلب والموصل وتدمر وزوايا جبال الأطلس وبوكو حرام وذبول أزهار الربيع العربي وخرافة داعش… مقالات تساير وقع الأحداث وتحلل أبعادها من الناحية السياسية حينا والثقافية حينا آخر، باستحضار رصيده المعرفي المزدوج، الذي ينهل من الثقافة الغربية ومن الثقافة العربية، لا سيما ملمحها الصوفي، لتشكل في مجملها مواعظ مضادة لمواعظ تجار الدين.

مجندات داعش

يلتقي فتحي بن سلامة أستاذ التحليل النفسي وفرهاد خوسروخوار عالم الاجتماع في كتاب “جهادية النساء” لتطارح مسألة انجذاب النساء إلى الفكر الداعشي والعوامل التي دفعتهن إلى الالتحاق بصفوفه هذا التنظيم الإرهابي، لا سيما أن عددهن قارب عام 2015 عدد الرجال الذين غادروا أوروبا ليلتحقوا بجبهات القتال. استنادا إلى المعطيات الاجتماعية والتحاليل النفسية يقترح هذا الكتاب تحاليل تقوم على معايير موضوعية كالسن والطبقة الاجتماعية ومكان الإقامة والتكوين الإسلامي أو الدخول في الدين… ثم يسلّط الضوء على الاعتبارات الذاتية لتفسير الانضمام إلى ذلك التنظيم العنيف الذي ينكر على المرأة حريتها وتفتّحها، ويوهمها بتحقيق ذاتها كزوجة مقاتل وأم أشبال، منذورة إلى القتال بدورها مثل زوجها حتى الموت. ويهتم المؤلفان بتفسير قوة الجذب التي يشكلها الفكر الداعشي كعلامة على تدنّ حضاري لم تفلح المدرسة والمجتمع الغربي في التنبه إليه.

كيف يغدو المرء جلادا؟

كيف السبيل إلى عقل الجلادين؟ ذلك هو هدف كتاب فرنسواز سيروني عالمة النفس الخبيرة لدى المحاكم الدولية “كيف يغدو المرء جلادا؟” من خلال تجربتها مع “دوش” قائد المعتقل س 21 في كمبوديا زمن حكم الخمير الحمر، عند محاكمته في بنوم بنه. هذا الرجل كان مسؤولا عن تعذيب وقتل ثلاثة عشر ألف سجين في ظروف وحشية، رغم أنه لا يشكو من أي مرض نفسي. ولكن وجوده داخل نظام مجرم ذبح نحو مليوني شخص في بلد لا يتجاوز سكانه سبعة ملايين نسمة، صنع منه جلادا عديم الشفقة. وفي رأي سيروني ينبغي الدخول في عقل الجلاد كي نعرف كيف يصنع، فالمرء لا يولد جلادا بل يغدو كذلك. ومن ثم لا بدّ لعلم النفس أن يجدد أدواته، وأن يموقع نفسه بين الحياة النفسية والجيوسياسية، ولكي نفكك ميكانيكا منظومة ما نفسانيا وسياسيا واجتماعيا تقدم سيروني عدة أدوات ليس لفهم ما جرى فحسب، وإنما أيضا لتجنب حدوثه، والقضاء في المهد على أنظمة مجرمة أخرى يمكن أن تهدد البشرية، مستعينة في ذلك بأعمال حنا أرندت وجورج دوفرو وتوبي ناتان وجيل دولوز وفيليكس غيتاري.

الأمَة التي صارت قديسة

“بخيتة” هي الرواية الثالثة عشرة لفيرونيك أولمي، وقد وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة غونكور في دورتها الأخيرة. تروي الرواية قصة طفلة سودانية من قرية في دارفور اختطفها تجار الرقيق وتداولوا على بيعها، فعرفت التمزق والعذاب حيثما حلت، حتى اشتراها قنصل إيطالي اصطحبها إلى بلاده. هناك اعتنقت المسيحية والتحقت بكنيسة، فصارت تعرف بجوزفينا بخيتة. وبعد أن حصلت على حريتها، صارت حديث الناس في إيطاليا كلها، ونشرت حكايتها في الصحف ثم في كتاب، بل إن موسوليني استغل حالتها لتبرير غزوه لأثيوبيا ثم احتلاله ليبيا، بدعوى أن تلك البلدان الأفريقية “المتوحشة” يلزم تثقيفها. ظلت نصف قرن راهبة يناديها الناس بـ”مادري موريتّا” أي الأم الصغيرة السوداء. ولما توفيت، أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني طوباويةً عام 1992، ثم قديسةً عام 2000.


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا