الشعر والهوية الضائعة

تحولت الكتابة النقدية عن الشعر إلى مغامرة شاقة، فهي من جهة تحولت إلى بحث شاق عن جماليات الكتابة في مشهد اختلط حابل الشعر فيه بنابل النثر بسبب غياب المرجعيات النظرية وتخلّف النقد عن ممارسة دوره في مواكبة التجارب الهامة، والكشف عن التحوّلات التي طرأت على أشكال الكتابة الشعرية الجديدة والوعي الشعري، سواء على مستوى اللغة أو العلاقة مع الأشياء والرؤية إلى العالم. كل هذا جعل التجارب الجديدة تتخذ ممّا ينشر في المجلات والصحف والمواقع الإلكترونية مرجعية لها، إضافة إلى كسل البعض عن تعميق ثقافته الشعرية وقراءة ما سبق من تجارب وتحوّلات في تاريخ الشعر العربي الحديث، لإغناء وعيه الجمالي وتحقيق التراكم المطلوب الذي تتغذى منه التجربة، وتتخذ منه خلفية في تشكيل فضائها وخياراتها الجمالية الخاصة.

الجديد  مفيد نجم [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(100)]

في ظل هذه الحالة من الفوضى والفساد الذي تعيشه الثقافة، أصبحت كتابة الشعر تشكل إغراء للكثيرين والكثيرات، حتى لمن لا يعرف إلا ما تيسّر من قواعد اللغة وأسرارها ومن جماليات الكتابة الشعرية ومفاتيحها، وبذلك ضاعت الحدود بين القصيدة والخاطرة، وبين السرد النثري وقصيدة النثر، وبين الجملة الشعرية والجملة النثرية، إضافة إلى الجهل بمفاهيم البلاغة الحديثة والشعرية، ولذلك أصبح الاستسهال هو السمة البارزة في هذا المشهد، عززه غياب النقد عن ممارسة دوره البناء والموضوعي.

وعندما تحاول مجلة “الجديد” استعادة هذا الدور الغائب وتفعيل الحوار بين الشعر والنقد، فإنها تحاول أن تفتح أفقا جديدا لعلاقة هي في أساسها بحث عن جماليات الكتابة الشعرية وتعزيز لها، من خلال الحوار النقدي مع النصوص الجديدة، وليس بهدف مصادرة خيارات الشاعر وممارسة دور الوصاية على هذه النصوص، الأمر الذي يستدعي الكشف عن عناصر الضعف والإبداع في آن معا فيها.

في عددها الماضي نشرت مجلة “الجديد” نصوصا مختلفة لشعراء وشاعرات من أجيال وتجارب متباينة، بعضها يقدم نفسه للقارئ أول مرة وبعضها الآخر استقرّت حدود تجربته منذ زمن، الأمر الذي يستدعي أخذ هذا التفاوت بعين الاعتبار، إضافة إلى التباين الواضح في بنية اللغة الشعرية وأشكال المطارحة ومستوى التخييل، والذي ظهر أثره الواضح في بنية اللغة الإيحائية والاستعارية وبناء الصورة ودرجة انحراف اللغة، في نصوص أكثر من شاعرة وشاعر، على الرغم ممّا يجمع بين نصوص الشاعرات من مشتركات حسية وعاطفية ذاتية، تتصل غالبا بعلاقتها بالآخر الرجل أو مع المكان.

ينتمي الشاعر حميد سعيد إلى جيل الستينات من القرن العشرين، والذي اتّخذ من كتابة قصيدة التفعيلة خيارا له، ولذلك فإنّ القارئ لقصائده الثلاث يلحظ أن الشاعر ما زال يكتب من داخل التجربة التي استقرّت على خياراتها التعبيرية والجمالية المعروفة، وقد بدا ذلك واضحا في توظيف الشاعر لانزياح الصمت الدال عليه بالتنقيط، حيث يترك النص للقارئ لملء الفراغ أو استدعاء المسكوت عنه لاستكمال المعنى، إضافة إلى اللعب على دلالة الأفعال للإيحاء بتحولات زمن التجربة وتداعياتها النفسية والوجدانية، على المستويين الوجودي والذاتي “رجل في السبعين..وسيدة في..؟/ يلتقيان/ بمشفى في عمان……./ أتعرفني/…/ يفترقان”. إن هذا السرد المحكم في لغته ذات الإيجاز المكثف تترك إيحاءاتها تتداعى عند القارئ، لكن الشاعر في نصوصه الثلاث لم يغادر حدود هذه اللغة السردية التي تهتم بوصف الحالة وتداعياتها النفسية عبر استخدام المنولوج الذاتي.

في المقطع السابع من القصيدة الثانية كانت تداعيات الراوي هي أقرب ما تكون إلى النثري العادي الذي لم يستطع أن يخلق حالة درامية نامية ومتطورة، عندما استخدم لغة السرد التقريرية “تقول له جارته/بالأمس…وكنت أمشط شعري/في صالون التجميل/ شاهدت امرأة بغدادية…”.

وعلى خلاف نصوص الشاعر حميد جاءت نصوص الشاعرة مريم حيدري تحت عنوان قصائد الصيف. توزّعت نصوص الشاعرة على مجموعة من العناوين كتب أغلبها أثناء رحلتها إلى روسيا. في هذه النصوص يظهر البعد الذاتي العاطفي بعلاقتها بالآخر الرجل، وانعكاس هذه الحالة الشعورية على العلاقة مع المكان والإحساس بالزمن. تؤثث الشاعرة عالمها الشعري بأشيائها الأليفة والحميمية الخاصة، كما هو الحال في نصوص أغلب الشاعرات حيث يظهر الاستخدام المكثف للمفردات والصور التي تحيل على هذا العالم “تضع في الحقيبة رجاء..- الغرفة- كتاب وعطر ومنشفة وشبابيك”، وذلك من خلال استعادة تفاصيل هذه العلاقة، وصورة العالم الذي تحاول شعرنته.

لكن المشكلة التي تواجهها الشاعرة هي عدم الاستمرار في تنامي الحالة الشعورية ولغتها الموحية التي تعبّر عنها، ولذلك تأتي المقاطع التالية، على خلاف جملة الاستهلال، التي تأتي مكثفة وموحية، كما في قصيدتها الأولى”صمتك قبل الذهاب”، بسبب المشاكل اللغوية، التي تفقد اللغة وحدتها “ليكون أمس الضحكة/وموعدها في الأبد/الذهاب المنقوش بوهم ناصع/ليكون مدن المصير”.

لقد كان يمكن حذف اللام واستبدال الفعل المضارع بفعل الماضي الناقص، لكي تتخلص من هذا الإرباك في بنية الجملة وفي المعنى.

إن سيطرة الطابع الوصفي والسرد النثري في نصوص الشاعرة، قد تجلّى أثره في ميل الجملة إلى النثر العادي واللغة التقريرية، الأمر الذي جعلها تستخدم أكثر من مفردة عامية في هذه النصوص “جنب- طوابق-المدينة السامعة، فإذا بها هضبة من عشب”.لكن هذه الإشارات لا تقلل من قيمة صور شعرية دالة وموحية في هذه النصوص “الظلام ضوؤنا النائم/يوم وحيد كخريف في صحراء- وأكون نبتة الزمن/للتحية ظل/وللوداع ظلال كثيرة”، حيث تتسم اللغة والصورة الشعرية هنا بكثافتها الموحية والدالة.

وعلى خلاف نصوص حيدري تنحو قصائد محمد ميلاد الثلاث نحو النثرية ذات الطابع التقريري على الرغم من محاولته في النص الثاني أن ينحو باتجاه الرمزية. في السطر الأول من القصيدة يختزل الشاعر المشهد الذي يريد التعبير عنه من خلال استخدام تشبيه صورة بصورة “تفنى الرخويات وتبقى قواقعها آثارا متناثرة كالقبور/المهجورة”. لكن رغبة الشاعر في الاستمرار في السرد ووصف ما يحدث داخل هذا المشهد، أدّى إلى الاسترسال في اللغة التقريرية، ولم يسهم في تنامي الحالة الشعرية وتطورها دراميا. لقد تجلّت الجملة النثرية في استخدام الشاعر المتكرّر لحرفي التحقيق لقد وقد، والحرف المشبه بالفعل كأن، وفاء الاستئناف والجملة التفسيرية “لقد” قايضوا الصمت..- (قد) يكون عطل..- (كأنه) يرتديها أو (كأنما) وضعت على مقاسه- (قد) تكون روح المرء- تنفجر بتلات قليلة (غالبا)، أو تنتشر على شكل رقاقات..- (أي) على شكل (بتلات).

لوحة: حسين جمعان

إن هذه النثرية لم تمنع من ظهور لغة موحية ووجود صور شعرية دالة تختزل مضمون التجربة “لم يفتح لهم الوضوح سوى نوافذ عمياء/ولم ترفأ أعماقهم إبرة الهذيان”.

وكان يمكن لنصه عن زهرة “عباد الشمس″ أن يتحول إلى مجال خصب من المدلولات الموحية لو لم يقع مرة أخرى في مطب اللغة النثرية منذ مطلع النص بسبب ضعف التخييل الذي انعكس على البناء الاستعاري للغة، حتى تحوّل النص إلى مجرد سرد عادي “إذا كان يتعذر التحديق في ضوء الشمس/فمن الممكن تأمل هذه الزهرة”. ولا يختلف نصه الثالث عمّا سبقه حيث يستخدم لغة تقريرية أو تفسيرية في سرده “تنفجر بتلات قليلة (غالبا)/أو تنتشر على شكل رقاقات…./فهي ناشبة خارج المعدن.الذي أفرزها/(أي) في…).

وعلى غرار أغلب النصوص المنشورة تتألف قصائد آلاء أبوالشملات “أنفاس مبهورة” من ست قصائد تتميز باقتصادها اللغوي وشفافية لغتها الوجدانية من خلال اشتغالها على ثنائية الغربة والوطن والعلاقة الدرامية التي تنشأ على مستوى العلاقة مع المكان بين الهنا والهناك. لكنّ نصوصها التي تتميز بقدرة لغتها على التكثيف الدلالي وشحن القصيدة بالتوتر على المستوى الدرامي، كما في قولها “تقطف الحمى عن جبين الليل/حبات مذعورة” وذلك من خلال التجسيد والتشخيص الذي يؤدي إلى أنسنة الأشياء. لكن الشاعرة تقع أحيانا في مطب اللغة التقريرية “هناك في اللاذقية لم نكن نشتري الحبق”.

تلعب الشاعرة على ضمائر التعيين المكاني في أكثر من نصّ لخلق حالة درامية تجسد فيها معاني تجربتها الروحية والوجدانية، لا سيما في نصّي “هنا وهناك” و”أنفاس مبهورة”، وهو ما يظهر في هذا التكثيف اللغوي والدلالي المعبر عن انغلاق أفق التجربة التي تعيشها ذات الراوي “لا أجد/ثقبا واحدا/في هذا السور/حيث تنمو نباتات الألم”. أو في هذا التخييل الشعري للعلاقة مع الطفولة “أراها الآن من وراء نافذتي/تلهو/بثلج/ قديم”.

وعلى خلاف هذه النصوص تتسم قصيدة “أمي” بلغتها التقريرية، وكذلك قصيدة “ملكة الثلج” بسبب ميلها إلى الانشغال بسرد التفاصيل، ما أدى إلى إضعاف كثافتها الدلالية وترابطها كبنية محكمة، في حين عادت في نصها الأخير رباعية إلى التكثيف الدلالي واللغوي وجمالية الصورة “لا حديقة لي لأزرع الحبق والنرجس/أو حتى بخورة مريم/أصابعي مسامير دقيقة/تنقر نعش الوقت”.

وتنفرد نصوص محمد السعدي التي حملت عنوانا رئيسا “الضوء من تحت الباب” عن التجارب الأخرى من حيث غرابتها وميلها إلى الطرافة والفنتازيا في رؤيتها إلى الأشياء وعلاقتها بها، ما جعلها تظل في إطار التعبير عن هذه الحالة، مستخدمة لغة مكثفة وإيقاع سريعا في سرد الحالة “أذهب إلى النوم/لكن الضوء/يتسلل من تحت الباب/أفكر/بالخروج”. ويستخدم الشاعر في قصائده المكثفة تنويعا في أساليبه التعبيرية كالحوار والسرد والوصف، على الرغم من بساطة الحالة التي يعبّر عنها وغرابتها. لكن بعض هذه القصائد لم يعمل على تعميق معاني هذه الحالات واستحضار دلالاتها إذ بقيت مخلصة للبحث عن عنصر الغرابة في التجربة.

أما تجربة دارين فستق التي حملت عنوان “شلال ضائع″ فهي تجربة تقارب في موضوعها وتكثيفها نصوص آلاء، لا سيما على مستوى هواجس التجربة بين الهنا والهناك في العلاقة مع المكان وما يتولّد داخل هذه المسافة من شعور بالغربة والحنين والانقطاع. وكما كانت الأزهار والبحر هي علامات مكانية تستحوذ على كثافة عاطفية دالة تتغذى منها علامات النص وشعريته فهي كذلك في نصوص دارين.

وعلى الرغم من أن بداية القصيدة ببنائها المحكم تخلق مجالها الإيحائي المعبر عن مضمون التجربة “ماؤك المالح/يهشم أعماقي..”، إلا أن الشاعرة تعود لتسقط في فخ الجملة النثرية التي تؤثر على تنامي فضاء التجربة وعلاقاتها الدرامية. ويتكرّر هذا في أكثر من مكان في نصوصها “استند إلى نفسك فقد ذاب كتفي”. إن شفافية هذه اللغة العاطفية كسرها في بعض الأحيان استخدام مفردات عامية “يا ضربة قلبي” على خلاف ما تحمله جملها الأخرى من شفافية في التعبير”يا سكر جسدي” ومن صور موحية ودالة “دمي شلال ضائع في جسدي/من الجسد إلى الجسد يمتد جرح الأرض”. لكن الشاعرة تعود إلى النثرية في مواضع أخرى من نصوصها، ما انعكس سلبا على مستوى بنيتها الشعرية الموحية، كما ظهر ذلك في نصها الأخير “يا أنت” الذي يظل فيه خطاب الشاعرة مستغرقا في مكاشفاته العادية “لئلا تظل ظلا رسمته المخيلة-طالما تمنى نفحة من شذاك” والإيقاع الذي “يمايزها” عن النثر.


ناقد من سوريا مقيم في أبوظبي