قديس الكتاب المصريين

ثلاثة آراء في تجربة علاء الديب

الجديد  [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(120)]

كان مختلفا عن جيله

إنسان علاء الديب المهزوم سلفًا

منصورة عزالدين

لا أتذكر متى سمعت باسم علاء الديب لأول مرة، لكن المؤكد أنني عرفته وقرأت أعماله قبل التعرف على أعمال شقيقه الأكبر؛ الروائي والمثقف الموسوعي بدر الديب.

لأسباب عديدة -سياسية واجتماعية وثقافية- توارى بدر الديب كصفحة منسية من صفحات الثقافة المصرية، ووُضِع في خانة “كاتب كُتّاب” لن يستسيغ القارئ العادي إبداعاته بسهولة، فيما استقر علاء الديب في قلب المشهد الثقافي المصري ليس باعتباره نجمًا بالمعنى المبتذل والرائج، فلطالما زهد الروائي الراحل في الأضواء واكتفى بالظل، لكن بوصفه الضمير أو القديس حتى لو لم يسع هو إلى تصنيفات على هذا القدر من الحدية.

أتذكر مثلًا أنه خلال حوار صحافي أجريته مع إبراهيم أصلان في 2010 حكى لي بتقدير ومحبة عن دور علاء الديب في تقديم كتاب جيل الستينات من القرن العشرين والتعريف بأعمالهم. نبرة الامتنان والاعتراف بالفضل في صوت أصلان أظهرته كأنما يتحدث عن أستاذ للجيل لا عن أحد الكتاب المنتمين له، خاصةً أن صاحب “مالك الحزين” وضعه في خانة واحدة مع اثنين من آباء جيل الستينات هما يحيى حقي وعبدالفتاح الجمل اللذان لعبا دورًا مهمًا في دعم الستينيين بالنشر لهم أو الكتابة عنهم.

“أسميت الجمل أحد أفراد قوى الخير التي كانت موجودة ومعه يحيى حقي وعلاء الديب” قال أصلان قبل أن يخلص إلى أن أمثال هؤلاء “يحفظون لأيّ حياة ثقافية توازنها”.

هذا الرأي لا يخص أصلان وحده، فلطالما نُظِر إلى علاء الديب -كما سبق وذكرت- باعتباره الزاهد أو القديس في حياة ثقافية موسومة بالمجاملات والمصالح، ولطالما اعتبر الأدباء -على اختلاف أجيالهم- أن كتابة علاء الديب عنهم تعميد لهم وصك اعتراف بهم.

هذه المكانة نالها الروائي الراحل عن استحقاق لموضوعيته واهتمامه بتشجيع الأصوات الجديدة التي يراها جديرة بالتشجيع والتقديم بغض النظر عن أيّ اعتبارات أخرى.

يشبه علاء الديب أبطاله إلى درجة كبيرة، ويكفي تأمل عبارته التالية لإدراك هذا “قتلتني.. من يومها وأنا ميت. لم أعش ـبعدهاـ يوما حقيقياً كاملًا”.

الإشارة طبعًا إلى نكسة يونيو 1967. هذه الجملة التي تبدو لأول وهلة غارقة في المبالغة والتهويل، سيراها قارئ علاء الديب ملائمة تمامًا لا لوصف حياته فقط بل حيوات شخصياته الفنية أيضًا. فهزيمة 67 مثلت نقطة تحول ولحظة انتهت فيها أحلام أبطاله وفسدت حيواتهم إلى الأبد. في كل أعمال الديب تقريبًا تمثُل تلك الهزيمة المدوية كجرح لا يندمل ومرض لا شفاء منه.

عن نفسي، لطالما رأيت في عبدالخالق المسيري وأمين الألفي وغيرهما من أبطال الديب قرناء له وانعكاسًا لوجهه. ولطالما بدا هو لي كموسيقي غير مشغول بكثرة الألحان وتعددها قدر انشغاله بعزف تنويعات على لحن أساسي واحد.

ففي معظم أعماله نقابل البطل نفسه تقريبًا مهما تغيرت أسماؤه. مثقف يساري مهزوم يشعر بالاغتراب عمّا حوله ورافض للانخراط في عالم تحكمه الصراعات والمصالح. عينه ناقدة معرّية للقبح والتناقضات والعيوب. ثمة أيضًا علاقة زواج محكومة بالفشل وحب قديم يبرق في الذاكرة، لكن الأهم الإشارات المتكررة إلى لحظة محددة فسد فيها كل شيء. لا يقتصر الأمر على النكسة السياسية والعسكرية وحدها بل ثمة نكسات فردية أصغر أيضًا. ففي “زهر الليمون” مثلًا تبدو لحظة انفجار قنبلة قديمة منسية في جسد الصغير رضا كحد فاصل بين عالمين وزمنين الأول مزهر ملوّن وحميم والثاني قاحل ذبلت فيه “شجرة الليمون وفقدت ما كان فوقها وتحتها من بهجة وحياة”.

أتساءل أحيانًا ماذا لو لم تحدث هزيمة 67؟ أو على الأقل ماذا لو لم يكن لها كل هذا التأثير على شخص علاء الديب وكتابته؟

من الصعب طبعًا الإجابة على تساؤل افتراضي كهذا، لكن قصص الديب القليلة المنشورة قبل 67 تدلنا على تنوع وحيوية أكبر مقارنة بأعماله اللاحقة، لكن تبقى هذه وجهة نظر شخصية كما أنها قد لا تكون ذات دلالة كبيرة حين نلاحظ أن القلق الوجودي نفسه مسيطر في الأعمال الأولى وكذلك الاغتراب والانفصال عن الآخرين، يتجلى هذا بقوة في قصته الطويلة “القاهرة” (صادرة في 1964)، التي سنجد فيها هي الأخرى لحظة مفصلية (وإن بطريقة مختلفة) تتغير فيها حياة البطل جوهريًا عن السابق، وأقصد بها لحظة قتله لعشيقته “هنا انهزم الإنسان. هنا قتل. هنا اعتدى بيديه على الوجود.. هزيمته دليل على أنه بلغ القمة. هنا انكسر وعيه وسقطت عنه الرقابة، واتحد فكره بالعمل.. هنا كف فتحي عن العذاب، وانكسرت قدرته على تحمل حياته”.

نقرأ هذه الفقرة ونقارنها بلحظات مشابهة في أعمال أخرى للكاتب، فنشعر كما لو أن الإنسان، في كتابات علاء الديب، مهزوم سلفًا. هزيمته قدر. جزء من تعريفه كإنسان. لا يحتاج الأمر إذن إلى هزيمة بحجم نكسة 67 كي يشعر أبطال صاحب “وقفة قبل المنحدر” بالخواء والاغتراب والخسران. أو ربما كانت الهزيمة العسكرية مجرد وسيلة لتأكيد ما يستشعره الديب ويؤمن به منذ البداية من أن القدر الإنساني محكوم بالخسران.

كاتبة من مصر

سجين البيت

إبراهيم فرغلي

حين يذكر اسم علاء الديب أتذكر فورا أنه “القارئ” الذي تفتح وعينا على قراءاته المهمة لأبرز كتب الفترة التي تألقت فيها زاويته الأسبوعية في مجلة صباح الخير “عصير الكتب” والتي استمرت ربما لعقدين كاملين. كان قارئا نموذجيا من حيث اختيار الكتاب ثم تقديمه بأسلوبه الجميل الرشيق والتوقف عند أبرز ما يثيره خلال هذه الزاوية التي لا تزيد عن صفحة واحدة في المجلة المرموقة.

أحببت الديب ككاتب أيضا، لأسلوبه الخاص، الجمل القصيرة المحملة بالشحنة الأدبية والشجن، خصوصا في روايته الذائعة “زهر الليمون”. الأسلوب نفسه وسم ثلاثيته الجميلة التي تتكون من الروايات: “أطفال بلا دموع″، “قمر على المستنقع″، “عيون البنفسج”.

لكنه بالنسبة إليّ كان مختلفا عن جيله الذي وسمت أعمال أغلب رموزه مسحة من التجريبية أو الخيال أضافت إلى المنهج الواقعي السردي المصري إضافات مختلفة، لكن الديب التزم بالواقعية، بشكل كبير. وتفسيري الوحيد ربما يعود لانخراطه في العمل السياسي، يمينا ويسارا، كما أشار في مذكراته “وقفة قبل المنحدر”، وتأثره بفكرة العمل السياسي في التغيير والتي ربما تكون انسحبت على الأدب بشكل ما.

حين قرأت ثلاثيته في الحقيقة قرأتها قراءة مقارنة مع عدد من الأعمال التي تناولت تجربة الاغتراب، وخصوصا تجارب هجرة المصريين إلى منطقة الخليج التي بدأت في السبعينات من القرن العشرين، وأبرز تلك الأعمال كانت “البلدة الأخرى” لإبراهيم عبدالمجيد، وروايتين أخريين لكل من محمد المنسي قنديل ومحمد عبدالسلام العمري.

كانت تلك الروايات، بعيدا عن المستوى الفني، والبناء تتناول قضية الغربة عن معرفة بمجتمع الخليج نفسه، وأحيانا ببعض عوالمه المسكوت عنها لعوالم المجتمع الخليجي، كما في نص محمد عبدالسلام العمري، أو بالتركيبة النفسية للمغترب المصري في مجتمع الاغتراب.

بينما كانت ثلاثية علاء الديب بالنسبة إليّ تتناول الأثر النفسي لمثقف الستينات من القرن العشرين والذي اضطرته الظروف للعمل في الخليج وأصبح يرى في نفسه مغتربا عن مجتمعه من جهة وعن مجتمع الغربة أو الهجرة معا، لكن من دون إيجاد التفاصيل الفنية التي توضح أسباب ذلك، أقصد من دون توضيح تفاصيل مجتمع الهجرة وكيف يضغط على المهاجر المصري ليتحول قيميا على النحو الذي يصبح عليه.

نرى أستاذ الجامعة الذي طلق زوجته وهجر أبناءه وتحول كما يصف نفسه إلى ماكينة لجمع الأموال بطريقة كلاشيهية مستوحاة من الريفي المصري الفقير الذي يتحول إلى الثراء النسبي فيظل جائعا للمال طوال حياته.

كنت أرى أن الديب تجاهل التعريف بتفاصيل علاقات المغترب مع المغترب مثله، أو مع أهل مجتمع الغربة، على عكس رواية “البلدة الأخرى” لإبراهيم عبدالمجيد مثلا، وتجاهل الأثر الرئيس الذي يعد أحد أهم المتغيرات التي أصابت المجتمع المصري منذ السبعينات من القرن الماضي، التي تتمثل في اختراقه وتغيير تكوينه الثقافي والاجتماعي بعد استيراد صراعات السلفية والوهابية على يد بسطاء ونخب المصريين الذين عاشوا في المجتمع السعودي وعادوا لمصر بقيم جديدة مثل الحجاب والنقاب والتدين المظهري المبالغ فيه ومحاولة طمس العديد من الطقوس الاجتماعية المصرية المتوارثة بدعوى أنها حرام.

سلط الديب الضوء في المقابل على الصراع النفسي لمكتئب مغترب، الدكتور منير فكار، أضاع إحساسه بالبساطة وقيم الريف التي نشأ عليها، من جهة، ولم يصبح شيئا ذا بال في الوسط الأكاديمي الذي انتمى إليه في الخليج فأصبح مسخا. وهو في الحقيقة نموذج لعدد كبير من الأكاديميين الذين شوهتهم ليس فقط ظروف الغربة بل وانحدار مستوى التعليم في الجامعات المصرية التي أسهموا في تعميق انهيار مستواها بحيث أصبح التعليم الجامعي تمثيلية رديئة لا تخرج إلا أنصاف متعلمين على أقصى تقدير.

ثم يتابع كيف أثرت هذه التغيرات على الجيل اللاحق عليه من خلال جيل الأبناء الذي نشأ في بيت تخيم عليه الكراهية المتبادلة بين الدكتور فكار وزوجته سناء فرج التي يصفها بالبشاعة وحبّ المال والمادية، ويعتبر اختيارها للزواج أكبر فشل في حياته، ويرى في أبنائه الدليل المستمر على هذا الخطأ الذي لا يد لهم فيه، لكنهم يدفعون ثمنه ويدفع أيضا هو نفسه ثمنا باهظا بسبب حياتهم بعيدا عنه مع الأم بعد انفصاله عنها.

والحقيقة أن علاء الديب في النص كان مشغولا بالتغيرات النفسية للشخصية المصرية وخاصة للمثقفين، وبدا ذلك جليا في كامل النص، وفي الإحساس العام للبطل بالتغيرات التي مرت بها مصر وتغيرت وتشوهت. بتصوير الحنين للريف والقرية باعتبارها المكان الحصين للنقاء الذاتي، والمكان الذي لم يتشوه أهله بنفس القدر الذي أصاب سكان المدينة.

هذه التغيرات أو التشوهات هي أحد أهم ما شغل الديب، وجعلته بعيدا ومنعزلا تماما عن الوسط الأدبي في مصر، حتى أنه ذكر في سيرته مرة أنه لم يمر بتجربة السجن في العمل السياسي، لكنه قرر أن يسجن نفسه في بيته، وهناك يتجمع في بيته أصدقاء مقربون معدودون، وعدد من المريدين والمحبين من شباب الكتاب، ممن يجدون فيه نموذجا ملهما للتعفف عن مشاكل الوسط الأدبي وعن النمائم والتهافت على المكاسب الصغيرة. وينصتون لآرائه في الأدب والثقافة.

في حياته كلها وكما عكسه أدبه يبدو علاء الديب خائفا وناقما على التخلف الذي عاشته مصر لسنوات، وكما يقول في كتابه “وقفة قبل المنحدر” مثلا “ليس التخلّف فقرًا فقط، إنه كائنٌ أخطبوطي ولد في الظلام من الفقر والجهل، وعاش في الغفلة والبلادة، تربى في العجز وضيق الأفق. التخلف بالنسبة إليّ جسدٌ أصارعه في كل لحظةٍ من لحظات وجودي، في بيتي، في عملي، في الشارع في الوجوه، في المشاعر، في مداخل المدن وتحت الكباري، في العلاقات بين الناس، في الحب.. فيما أقرأ وأتناول.. فيما أرضى عنه وفيما أرفضه”.

لكنه في المقابل لم يخضع لليأس، وكان يرى أن مراقبة التخلف، والتغيرات البائسة التي يمر بها المجتمع أدعى للتمسك بالقيم الضائعة. وباستعادة الوطن الذي حلم به ولا يزال يحلم به المخلصين من أمثاله.

كاتب من مصر

قاهرة علاء الديب

علاء خالد

فى رواية “القاهرة” لعلاء الديب، التي كُتبت سنة 1964، تظهر القاهرة بمظهر خانق، لا يتوافق مع صورة قاهرة الستينيات من القرن العشرين والتي تحولت إلى أيقونة، خصوصا في حفلات أم كلثوم وجمهورها، اللذين يوحيان لك بأن هناك أناقة وفرحا في الشارع وفي الروح، وأن الحدود بين الناس ملآنة بالورود. كانت هناك “قاهرة” أخرى لم يتكلم عنها أحد. قاهرة أوج النظام الشمولي، قبل هزيمته، الذي وإن لم يستول كلية على المجال العام الذي يتحرك فيه الناس، إلا أنه قد استولى بقوة على المجال الشخصي والنفسي لهم، وحولهم لأشخاص مُستلبين من قوى كبرى سواء كانت النظام، أو تبدياته في الحياة اليومية والشخصية، أو من المدينة نفسها التي تحولت لنص دعائي.

***

هناك شيء قاهر يقف لهم بالمرصاد، وليس غريبا أن يلعب علاء الديب باسم “القاهرة” كاسم وكصفة. في قاهرة علاء الديب تظهر الضوضاء والزحام والزبالة في الشوارع. قاهرة ما بعد ثورة 52 التي بدأت تفرض شخصيتها على سكانها، وتصبح لها سمات نفسية حادة تورثّها لهم. هنا يظهر علاء الديب كممثل للإنسان المديني الذي يتعامل مع مدينته ككتلة حية وليس كتصور سياسي أو نص دعائي مجرد، كما سيحدث القاهرة فيما بعد هزيمة 67. تلك الهزيمة التي حولت المدينة/القاهرة إلى “مركز″، كرد فعل وانتقام على الهزيمة التي قامت بتهميشها. هذه “المركزية” بدأت تتشكل بعد ثورة 52، مع بداية تشكل النزعة القومية التي أصبحت سمة المدينة والمتحدثين عنها ورواتها فيما بعد. كان علاء الديب في هذه الرواية الصغيرة يقف موقفا مختلفا، لم يسيّس المدينة، وشعر بهزيمتها، في أوج انتصارها وزهوها، وانفصالها عن الجسد الحي الذي يعرفه عنها.

***

في رواية ” القاهرة” لم يكن للمدينة “مركز″ محدد يؤطر ضياع البطل، لأنه لم تكن هناك “مركزية” تم صياغة خطابها، كما حدث في الأدب بعد ذلك. لأن أبطاله لم يكن لهم توصيف محدد سوى أنهم أناس عاديون، قبل أن يدخل “البطل المثقف والهامشي” بحمله الثقيل وهزائمه المتكررة الرواية المصرية، ويؤسس له مركزا هامشيا محاصرا، بعد هزيمة 67. تلك الهزيمة التي أثرت على مسار الأدب المصري وأدخلته في حالة دونية ذاتية، أو بمعنى آخر تم اختزال وحصر المنتوج الأدبي ومجاله لخدمة هذه الروح التي هُزمت.

***

الأبطال في “قاهرة علاء الديب” يتحركون بحرية داخل حدود قاهرة الستينات من القرن الماضي، من الدقي للعتبة لباب اللوق للكورنيش لشبرا. إنها الحدود المدينية لقاهرة الستينات، التي لم تدخلها بعد العشوائيات وضواحيها ولم تدخلها التمايزات الطبقية الحادة التي جاءت مع توسع القاهرة. كان هناك شبه مدينة متجانسة. غياب المركز المحدد في المدينة، أو امتداد المدينة جغرافيا في عين الكاتب، وسَّع من نموذج البطل، لم يجعله نموذج البطل الهامشي الذي أصبح سمة في الأدب بعد هزيمة 67. بل كان ذلك الشخص العادي الذي يرى القاهرة من شباك وظيفته في الطابق الثالث في المتحف الزراعي في الدقي، وأيضا من سقف أحلامه الواطئ. نعم البطل مهمش بحجم القهر الذي يحوطه، ولكنه مازال يملك المدينة المتجانسة بكاملها ليتحرك فيها. كان المجال العام لا تزال به فراغات ومساحات لحركة الأبطال ولنزواتهم وجموحهم الشخصي.

***

لم يكن البطل، في رواية “القاهرة” أديبا أو مثقفا أو سياسيا أو مؤرقا وجوديا، بالمعنى الذي ظهر بعد هزيمة 67، وأصبح الانكسار سمة أساسية له، ومن ثم أصبح له مكان مركزي/هامشي بجانب المدينة، أو امتداد لها، أو في قلبها، ولكنه مسور بحماية جغرافية أو نفسية؛ يصعب أن يخرج منه؛ مثل “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان.

على العكس، كان يأس وانكسار بطل علاء الديب أكثر تبكيرا وحدسا بالهزيمة الآتية، ولم يكن له هامش/مركز يحميه. لا يزال يتحرك في المدينة بحرية ولم يُطرد بعد من قلبها، أو يحتل قلبها في ذاكرته. برغم يأس بطل علاء الديب إلا أنه كان ينثر يأسه هذا على جغرافية المدينة، ويتنقل به من مكان لمكان. ربما لكي لا يركز اليأس في مكان واحد مقدس. وكذلك لكي ينثره على المدينة بكاملها، كي تصبح هي صورة ليأسه وهزيمته، أو يصبح هو صورة ليأسها وهزيمتها. هناك علاقة قربى ونسب وتبادل حميم بين البطل والمدينة. ربما هي امتداد للفكرة الأبوية، أو إحدى تجلياتها.

***

البطل في الخامسة والثلاثين. ولكنه يتكلم بسن من انتهت حياته واتضح كل شيء في المستقبل. ربما هنا يُرجِع الكاتب السبب للمدينة، التي أفرغت بطلها العادي من كل طموح سياسي أو اجتماعي، أو شخصي. من قطف عمر هذا الشاب مبكرا؟ لم تكن الهزيمة أتت بعد، كانت لا تزال أمامها ثلاث سنوات. ربما المدنيّة، أو الحداثة، أو أشكال الحياة الحديثة ومساوماتها، ربما المسئولية التي لم تعد تتحملها فردانية الإنسان الحديث، ربما النظام الشمولي الجمعي الذي كان يحكم وقتها. جميعها قطفت عمر هذا الشاب، وجميعها إحدى صور انتهاء عصر الأبوة. هناك عصر جديد يضع الابن وحيدا في مركز الثقل في الحياة، الذي يدفعه لكي يهرم مبكرا. ربما الرواية تدور حول انفصال قسري عن عالم الأبوة الحميم. تذكرنا من بعيد بأبطال نجيب محفوظ قبل أن يختفي سؤالهم الوجودي، أو تتوقف رحلة بحثهم عن معنى للحياة؛ ويتعقد ويصبح مبهما وغامضا عليهم.

***

الجزء الطارئ على هذا التجوال الحر للبطل في مدينته، هو لحظة الذهاب للمقابر لدفن أخيه. هناك شعر أنه خارج عقل المدينة، خارج مركز القهر، فاستيقظت غرائزه ودبر المؤامرة التي ستودي بحياته وبحياة خليلته. ربما الحرية الخاصة للفرد تتأكد هنا عندما تخرج عن سيطرة المدينة الإله العقل المراقب لتصبح أنت الإله، كما يذكر البطل في الرواية، وتقرر مصيرك بنفسك، وتضع خططك لنفسك، وتنتقم منه في صورتك.

***

في حوار ممتع أجريته مع الأستاذ علاء الديب حول سنوات الجامعة، شرح لي كيف كان تجواله في قاهرة خمسينات القرن العشرين، قاهرته التي أحبها. كان يسير في “مناخ ساج”، كما يصفه بدقة، في طريقه للجامعة. تشعر في حديثه بأن الكون كله متسق معه في سيره اليومي. برغم كل الزخم السياسي لقاهرة الخمسينات إلا أنها لم تكن حائلا لشعوره بالاتساق والتوحد مع نفسه، كانت المدينة لازالت كتلة حية بالنسبة إليه ولم تتحول بعد إلى قاهرة مسيطرة، أو إلى نموذج أبوي بالمعنى الفرويدي الذي تود قتله والتخلص منه أو الهرب. كانت القاهرة وقتها لها نظام أبوي حان في نظر علاء الديب، وهي أيضا نظرته للأبوة، كما حكى لي في علاقته بأبيه، نوع من التقدير وليس الصدام. هذا الإحساس الأبوي بقاهرة الخمسينات من القرن الماضي بالمدينة سيفقده بطله بعد ذلك خلال سيره في قاهرة الستينيات من القرن نفسه، ربما بضغط الحس الأبوي الشمولي الذي كان يفرضه نظام عبد الناصر.

***

دائما ما نلتقي في الإسكندرية في غرفته بفندقه المطل على البحر، وهناك يحدثني عن مرسى مطروح، المكان الذي يبعد كثيرا عن قاهرته. الإسكندرية ومطروح هما قاهرته الجديدة/القديمة التي يستعيد فيهما حالة الاتساق والتفاعل الحي. لم يعد هناك مركز للإلهام إلا بعيدا. ولكن تظل الروح الساجية التي امتلكها الأستاذ علاء الديب والتي فرشت ظلالها ومحبتها على الجميع، والتي جعلته ينظر لحياته وللآخرين من مكان ظليل، كأنه كان يسير في نزهة طويلة امتدت لعشرات من الأعوام.

شاعر من مصر

تنشر المقالات الثلاث بالاتفاق مع مجلة "بانيبال"