أسباب الانتفاضات العربية.. منحى سياسي خلافي جديد

يشير محرر كتاب “شرح أسباب الانتفاضات العربية” الصادر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر -بيروت- لمؤلفه مارك لينش إلى أن كتابه هذا يعود في ولادته إلى شهر مايو 2011 في المؤتمر السنوي لبرنامج العلوم السياسية الشرق أوسطية الذي يديره في جامعة جورج واشنطن أي بعد مضي أشهر قليلة على اندلاع الانتفاضات العربية وكانت ورشة العمل قد ضمت أكثر من ثلاثين عالما وعالمة متخصصين بشؤون الشرق الأوسط إلى جانب ستة متخصصين بسياسات مناطق أخرى، وبعد تلك المناقشات دعا مارك المشاركين إلى تقديم مقترحات تبلورت وتمخض عنها الكتاب الحالي، ومن ثم عقدت مجموعة صغيرة العدد، من ضمنها كثير من مؤلفي هذا الكتاب، مؤتمرا في الجامعة الأميركية في القاهرة لمناقشة الثورة المصرية، قامت بتنظيم مجموعة “برنامج العلوم السياسية الشرق أوسطية” بالتعاون مع ليزا أندرسون ثم مناقشة فصول مسودة الكتاب في المؤتمر السنوي للمجموعة في مايو 2012 وفي أكتوبر 2012 أيضا خلال ورشة عمل في جامعة جورج واشنطن، حيث أجريت مقارنة بين الانتفاضات العربية والثورات التي قامت بعد انحلال الاتحاد السوفييتي.

الجديد  حواس محمود [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(138)]

يحدد مارك لينش في مقدمة الكتاب ثلاثة أهداف أساسية هي:

أولا: ثمة سعي للجميع بين التحليل الأمثل في حقل العلوم السياسية للعوامل المتصلة بتغيير النظام والسياسات الخلافية.

ثانيا: إجراء مقارنة بين الانتفاضات الثورية التي حصلت ومثيلاتها الواقعة في مناطق أخرى وحقبات زمنية مختلفة.

ثالثا: تجنب التأويلات الأحادية الأسباب أو تلك متعددة الأسباب والتدقيق جيدا في النطاق الواسع من اللاعبين الفاعلين الرئيسيين والقطاعات والقوى البنيوية التي تؤثر في رسم سياسات المنطقة.

يشير لينش في المقدمة إلى وجود احتجاجات شعبية قبل عام 2011 ولكن كانت دون حجم وزخم الاحتجاجات الواسعة عام 2011، إذ كانت هذه الاحتجاجات هائلة في حجمها بحيث ضمت شرائح في المجتمع لم تشترك سابقا في الحركات الاحتجاجية، وشكلت صلة وصل بين شرائح من المحتجين ظلت في السابق معزولة بعضها عن بعض، وكان مباغتا بحيث بدأت الحركات الاحتجاجية في حدها الأدنى، ثم بين عشية وضحاها باتت زلزالا وطنيا أخذ الجميع على حين غرة، وغالبا ما كان المحرك -وإن لم يكن دائما- لاعبين جددا في الحركات الاحتجاجية فئة “شبابية” تمتاز بوعي ذاتها قوامها الحراك الاجتماعي المعتمد على وسائل مميزة (وسائل الإعلام الاجتماعية والرسائل النصية القصيرة ولجان التنسيق الشعبية) لتحدي القوانين والخطوط الحمر للعمل السياسي التقليدي، كما أن هذه الفئة ساهمت في تحريك قطاعات وفئات لم تجيش سابقا وجلبها إلى الشارع، وخصوصا الطبقة المتوسطة المدنية التي بقيت قبل ذلك متمسكة بموقفها المتحفظ، ونأت بنفسها عن أيّ شكل من أشكال الاحتجاجات السياسية، وهنالك صفة أخرى مهمة أيضا تتمثل في طبيعة الحراك الإقليمية المتأثرة على نحو واضح بتمدد التظاهرات من دولة إلى أخرى، وباتّباع أحداث التحرك الاحتجاجي من منظور أوضاع كل دولة بمفردها، بل تفجرت جميع هذه الأحداث بشكل متزامن تقريبا على الرغم من الفوارق الداخلية بينها، فقد تبين وجود طرائق وأدوات مشتركة من العمل النضالي، فاستخدمت مثلا شعارات متطابقة وجعلت من صلوات يوم الجمعة نقاطا مركزية لـ”أيام الغضب” واحتلت مراكز مدنية حيوية ومن دون إعطاء الحكم مسبقا على هذه السمات المشتركة.

ويشير دانيال برومبرغ الذي يقدم مقاله الموسوم “نظريات التحول” -الفصل الثاني من الكتاب- إلى أنه من غير المرجح أن تتحقق عملية التحديث بنسختها العالمية في عالم عربي تتحكم فيه، وبنحو جليّ لا يرقى إلى الشك، انتماءات دينية أو إثنية أو قبلية تغلب عليها صفة الخصوصية بامتياز

ويستخلص مؤلفو الفصل الثالث في مقالة بعنوان “الرواج والبرهنة” نتائج متعددة من مقارنة شملت ثلاث موجات من الحراكات الشعبية ضد حكام سلطويين:

أولا: أن انتفاضة تونس لم تتوافق مع ملامح الدول التي استهلت الانتفاضتين السابقتين والأوراسية إلا جزئيا.

ثانيا: أن بواعث عملية الرّواج في الحركات الأولى كانت مماثلة لما حصل في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

بالنسبة إلى الحركة الاحتجاجية التونسية التي انتقلت إلى مصر بالذات بسبب أوجه الشبه بين الدولتين، ومن نواح عديدة كانت مصر أقرب إلى أوائل الدول المنتفضة من تونس من حيث خاصيات كل منهما، وكانت مصر في موقع مثالي، كما كانت حال ألمانيا الشرقية وصربيا، مكنها من تعديل الابتكار، ولهذا السبب ولنجاح التظاهرات فيها، كانت مؤهلة أيضا لنقل الدينامية إلى بلدان كثيرة أخرى في المنطقة، وأخيرا وفيما كان نسق الحدث المبتكر تسلسليا في الموجتين الأوروبية والأوراسية تم اقتباسه في دول متعددة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على نحو متناثر، أضف إلى ذلك أن النقطة الأساسية في الانتفاضتين السابقتين تمحورت حول السؤالين التاليين: متى تنضم بلاد أخرى إلى الانتفاضة؟ وهل ستنضم إليها؟ وقد تحددت الإجابة في حجم المعارضة وخبرتها، إلا أن هامش المناورة كان متاحا لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا -اقتصاديا وأمنيا- على العكس من دول أوروبا والأوراسيا التي حدثت فيها الانتفاضات (ما عدا صربيا، وهذا مثير للاهتمام).

وعليه يمكن القول إن دور المعارضة في الموجتين الثوريتين السابقتين كان محوريا أكثر من دور المعارضة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويتناول ستيفن هيدمان رينود ليندر في الفصل الرابع “المنحى السلطوي والثورة المضادة” موضوع التعلم السلطوي، إذ عندما تكشّفت الانتفاضة السورية للعيان لم تعد التطورات في مصر وتونس الباعث على عمليتي التعلم والتكيف اللتين اعتمدهما بشار الأسد ودائرته الضيقة، بل كانت التجربة الليبية هي التي اتخذ منها نظام الأسد أهم العبر والتي انطوت على العوامل المهلكة للنظام وعلى مسارات مؤدية إلى إطاحة النظام اعتبر اتخاذ تدابير وقائية لإبطالها أمرا بالغ الأهمية، وقد بدت جلية أهمية النموذج الليبي بكونه الأساس لعملية التعلم، التي بنى عليها نظام الأسد.

ويتحدث لينش في الفصل الخامس “وسائل الإعلام القديمة والحديثة ” فيشير إلى حصول الثورات العربية في أجواء تغطية إعلامية واسعة النطاق عبر وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) مع وسائل إعلامية إذاعية وتلفزيونية تقليدية مثل القنوات الفضائية والصحافة، كل هذه الوسائل أوجدت مساحة إعلامية مشتركة ومتكاملة بصورة استثنائية ومؤثرة، فالنخبة الشبابية التي كان ينظر إليها سابقا على أنها ضئيلة الحجم والتأثير أثبتت أنها شريحة عريضة ومؤثرة من شرائح مجتمعات الشرق الأوسط، وكان للشباب قدرات ديناميكة للتخلص من الرقابات عبر استخدام الوسائل التكنولوجية والإنترنيتية بذكاء للالتفاف على الرقابات التقليدية والحديثة معا.

الفصل السادس “العلاقات البينية العربية والنظام الإقليمي” لكيرتيس ر. ريان يركز على العلاقات الدولية للنظام الإقليمي العربي ولا سيما التفاعل بين الديناميات الداخلية والخارجية، ويشير إلى أن من يحكم الدول العربية هي الأنظمة ولا يمكن اعتبارها دولا، وأن طابع هذه الأنظمة أمني صرف، وأن المظالم الاقتصادية كانت سببا كبيرا للانتفاضات العربية، وأن الوضع السوري قد أثّر على عموم المنطقة وأحدث استقطابا دوليا وإقليميا متنازعا من خلال تحالفات إقليمية ودولية مع طرفي النزاع في سوريا: المعارضة -وبالتالي الشعب- والنظام.

الفصل السابع هو “دول ومصرفيون” لكليمينت م. هنري ويشير إلى أن هناك علاقة طردية بين الدول المتقدمة نسبيا وترسخ مكانة القطاع الخاص نسبيا في المنطقة العربية، وربما كان ذلك لأن حقوق الملكية مؤشر رئيسي على “الدولنة” وكذلك هي الضامن للنشاط الاقتصادي كما يتوافر لدى الدول الأكثر تقدما مثل المغرب وتونس ومصر أكثر القطاعات الخاصة شمولية وهو ما يشير إلى مستوى تقديم خدمات الائتمان المصرفي في تلك الدول.

لوحة: عادل داؤود

الفصل الثامن هو “الجيوش العربية” لروبرت سبرينغبورغ ويشير إلى أنه بالرغم من تضاؤل عدد الدراسات المعنية بالجيوش العربية وبعلاقتها مع الفئات السياسية المدنية بعد منتصف العقد السابع من القرن العشرين، فقد تنامى عدد الدراسات التي تناولت الدكتاتورية العربية وبينت بعض هذه الدراسات بالحجج والبراهين اتصاف الأنظمة الدكتاتورية في الشرق الأوسط بتركيز السلطة في يد الجيش والنظامين الأمني والمخابراتي الملازمين لها دائما، ترابطا مع الاختراق المقنع لسائر مكونات الدولة والمجتمع والقطاع الاقتصادي، كما أن المنطقة العربية هي الأقل قابلية للدمقرطة وبالتالي، وبحكم التعريف هي المنطقة التي تملك أقل قدر من الرقابة المدنية على العسكر.

الفصل التاسع “الجغرافيا السياسية ” لجيليان شويلدروريان كينغ يريد ه أن يبين قيمة المكان في العملية السياسية، ويشير إلى الساحات التي كان يتجمع فيها آلاف المحتجين إبّان الثورات العربية ومدى أهميتها السياسية. كما أن تضمين الجغرافيا السياسية في التحليل لا يجيب على كل الأسئلة بل يساعد في استكشاف جملة من الأسئلة البارزة في الثورات العربية: لماذا تبدأ بعض حالات التعبئة في المحيط قبل أن تتحرك باتجاه المركز؟ كيف تمهد برامج التنمية الاقتصادية الطريق للاضطراب والإقصاء وغير ذلك من ضروب الفصل بين فئات السكان الذين كان يمكنهم أن يتفاعلوا بصورة مباشرة لولا ذلك؟ كيف تساهم فضاءات التواصل الاجتماعي في التقريب بين المحتجين رغم تباعد مسافات تواجدهم الأساسي؟

الفصل العاشر هو “الحركات والمنظمات العمالية” لفيكي لانغور يشير إلى أنه كما كانت الحال في كثير من التحولات في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية وأفريقيا، أدى العمال أدوارا محورية في الانتفاضات التونسية والبحرينية وحشدوا بقوة في الأيام الأخيرة من الثورة المصرية، في حين أن حالتي المغرب والجزائر تثبتان أن قوة النقابات العمالية واستقلاليتها لا تهيئانها تلقائيا للتعبئة لتحقيق الديمقراطية.

الفصل الحادي عشر “الحركات الاسلاموية” لكوين ميتشام يبين تأخر وتردد الجماعات الإسلاموية في الالتحاق بالاحتجاجات الشعبية التي ظهرت عام 2011 وهي قد سلكت هذا السلوك لأسباب استراتيجية واستفادت بشكل كبير من الإصلاحات السياسية وعمليات انتقال الأنظمة، وأتاحت الجماعات الإسلامية من خلال عدم قيادتها للمظاهرات بشكل عام بتعريف التعبئة السياسية في مصطلحات وطنية فضفاضة مما ساهم في نجاح الثورات الشعبية في تونس ومصر وليبيا في تحقيق أهدافها، لكن عندما يشارك الإسلاميون في الحكم ستدفع عملية الحكم الأحزاب الإسلاموية المنتخبة إلى اتخاذ قرارات صعبة قادرة على تعقيد هويتها الإسلاموية وتؤدي إلى عدم رضا التقليديين الذين انتخبوا هذه الأحزاب، كما قد يؤدي إلى الغموض في البرامج السياسية، حيث يتم غالبا التغاضي عن الحلول المحددة على أساس السياسات للمشاكل الاجتماعية والسياسية لصالح الشعارات والقيم الدينية، ولا يفوت المؤلف الإشارة إلى سقوط نظام مرسي الإسلاموي في مصر بعد أن أطاحت به المؤسسة العسكرية.

الفصل الثاني عشر “الانتخابات ” لإيلين لاست يشير إلى أن الانتخابات في العالم العربي قد أثّرت على عمليات توطيد الأنظمة الاستبدادية وانهيارها وتحولها، وعلى النقيض مما يقال تقليديا إن الانتخابات كانت “بلا جدوى” قبل الانتفاضات العربية وأصبحت مهمة في أعقابها، فإن الانتخابات أدت أدوارا مهمة ومختلفة قبل الأزمات السياسية التي نشأت بالتزامن مع الانتفاضات العربية وفي ردود الأنظمة على هذه الأزمات وربما في النتائج التي تلت ذلك.

الفصل الثالث عشر “الأنظمة السياسية المفضلة لدى الجماهير العربية ” لمارك تيسلرومايكل روبينز ينطلق من نتائج استطلاعات مقياس التغيرات العربية التي أجريت في 2010 -2011 والتي تشير إلى أن شرائح واسعة من الجماهير في معظم البلدان العربية لا تفضل الديمقراطية فحسب، بل تفضل أيضا نظاما سياسيا لا يؤدي فيه الإسلام دورا رئيسيا، وذلك على الرغم من عدم وضوح درجة ارتباط الماضي بهذا التغيير، وعلى الرغم أيضا من الانتصارات الانتخابية للأحزاب الإسلامية في تونس ومصر.

الفصل الرابع عشر “المواقف السياسية للجماعات الشبابية” لمايكل هوفمان واماني جمال يشير فيه المؤلفان إلى أن المعلومات التي بين أيديهما تفيد بأن التعبئة الشبابية ضد الأنظمة السياسية المختلفة لم يكن محركها الأساسي “الشكوى” من النظام لأن الشباب كان أكثر ميلا إلى الشعور بالرضا عن الأنظمة الموجودة مقارنة بمجموعات أخرى، (وهذا بحد ذاته يناقض دراسة تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2016 الصادر عن الأمم المتحدة والذي يذهب إلى أن الشباب هم الشريحة الأكثر عدم رضا من باقي شرائح المجتمع – كاتب السطور)، لكن المؤلفان يوصيان بضرورة دراسة وضع الشباب العربي بإجراء مقارنة بين الظروف قبل وبعد الربيع العربي لدراسة التغيرات التي أدت إلى وقوع أحداث الربيع العربي وكذلك أثر الربيع العربي نفسه في هذا الصدد.

الفصل الخامس عشر” الثورات الدستورية والمجال العام ” لناثان ج ز براون يشير إلى أنه توجد في جميع أنحاء العالم العربي اختلافات كبيرة في حيوية المجال العام وجدوى المؤسسات الدستورية والإجراءات التي تساعد الباحثين في فهم بعض الأنماط التي ظهرت في خضم اضطرابات عام 2011، ومن المؤكد أن من الممكن توصيف العملية التي جرت في مصر من حيث كونها مماثلة بالبحث العالمي للنقاشات السياسية المعاصرة في تركيا بين النخب الدينية والعلمانية.

مارك لينش: يحمل إجازة من جامعة ديوك وماجستير ودكتوراه من جامعة كورنيل، بروفيسور في العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، مدير معهد الدراسات الشرق أوسطية، وعضو بارز غير مقيم في مركز الأمن الأميركي الجديد، وله مدونة إلكترونية ينشر فيها كتاباته حول السياسة الخارجية، له العديد من المؤلفات والبحوث والدراسات حول عدة قضايا في الشرق الأوسط والعالم.


كاتب من سوريا