المختصر

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(150)]

فيلسوف الرغبة والفرح والسعادة

هل يمكن إظهار النور الذي يتجلى في فكر سبينوزا، ذلك النور الداخلي الشبيه بلوحات معاصره فيرمير، الذي يسمح لنا برؤية الإنسان والعالم بشكل آخر؟ ذلك ما نهض به فريديريك لونوار عالم الاجتماع والمفكر، ومنشط برنامج «جذور السماء» في إذاعة فرنسا الثقافية في كتاب جديد بعنوان «المعجزة سبينوزا»، من خلال استعادة الحياة المعذبة والمفاهيم الأساسية لمؤلف «الإيتيقا»، ويبين كيف ابتكر هذا الفتى اليهودي، الذي أنكره أهله وأحزنه فقدان بعض أقربائه وفشله العاطفي، إيتيقا جديدة قائمة على الرغبة، وسياسية جديدة قائمة على الدفاع والديمقراطية وحرية الفكر، وميتافيزيقا جديدة يندغم فيها الرب مع الطبيعة وتمتزج الحرية بذكاء الضرورة. وكانت غايته الحصول على النعمة الحق التي تمنح الإنسان التمتع بالفرح العارم والدائم. وبيّن كيف استطاع هذا الفيلسوف الذي سبق عصره أن يبسط الطريق للأنوار وللديمقراطيات الغربية الحديثة، يؤسس لسيكولوجية الأعماق ويمهد للفيلولوجيا والسوسيولوجيا والإيثولوجيا. وحسبه أن التاريخ يحفظ عنه أنه مبتكر الفلسفة القائمة على الرغبة والفرح، التي غيرت تصور الغرب عن الرب والأخلاق والسعادة.

شبح شكسبير

«شكسبير مخاطرا بالفلسفة» هو حصيلة ندوة شارك فيها نحو عشرين باحثا أكاديميا، تحت إشراف باسكال برويه أستاذة الآذاب الإنكليزية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. لم يكتف المشاركون بالبحث عما أثّر في شكسبير، وإنما أيضا عن تأثيره في الفكر الحديث والمعاصر، تأكيدا لما كان قاله شوبنهاور «إن شكسبير أكبر بكثير من سوفوكليس»، لكونه قطع مع التراجيديا الكلاسكية، وأبطاله لا يكفرون عن إثم خاص، أو تقصير ذاتي، بل عن خطيئة الوجود كله، كما يقول فرنسوا فيليكس. ألا يعبر هاملت مثلا عن «الرضوخ الواعي» الذي يأخذ شكل تخلٍّ عن إرادة الحياة؟ إذا كانت شخصياته كالملك لير وجنونه، عطيل وغيرته، رتشارد الثالث وخيانته، تساعد على التأمل كما هو باد في الكتاب، فإن التصور المفهومي لا يأتي عليها تماما، ذلك أن شكسبير يتلاعب بالمنظومات المحبوكة بخلق سوء فهم دائم. والخلاصة أن شكسبير ليس فيلسوفا كما يقول ريكور، ولكنه يتفلسف من خلال خلق العقد الدرامية، ما جعل الجميع يؤكدون أن شبح شكسبير يسكن الخطاب الفلسفي.

ضراعة الضحايا

هل يُدان من يشي تحت التعذيب؟ هل يمكن أن نحكم على الذين اضطروا إلى التعامل مع العدو لتجنب الموت؟ لا يمكن الإجابة عن تلك القضية المرعبة التي طرحها بريمو ليفي في أواخر حياته، يقول الباحث البلجيكي جان ماري شومون في كتابه «النجاة بأي ثمن»، لأننا لا نعتقد أننا سنصمد بدورنا، ولأننا جعلنا من تعلق الفرد بالحياة قيمة مطلقة لصورة الناجي البطل. ورغم ذلك، لا بد أن نواجهها إن أردنا أن نكون قادرين على الدفاع عن أرواحنا. بعيدا عن أي نزعة أخلاقية، يبحث المؤلف عن سبيل للإجابة عبر ثلاثة ميادين: ميدان المناضلين الشيوعيين البلجيكيين الذين أوقفتهم وعذبتهم قوات الغستابو، ثم واجهوا تهمة الخيانة. وميدان المنفيين إلى معتقل تريبلينكا الذين قبلوا الانضمام إلى «سوندر كوماندوس» ثم ووجهوا بتهمة المساهمة في الإبادة. وأخيرا ميدان النساء المغتصَبات اللاتي تطفح حكاياتهن بالندم لكونهن نجون وكن يتمنين لو متن، لأن نجاتهن دليل ضدّهن. ويبين كيف أن المعذِّبين والجلادين والمغتصِبين، المجرمين الحقيقيين، يسعون دائما إلى جعل الضحايا شركاء في جرائمهم. والرهان أن يقبل المرء الوفاق أو يتحيل على العدو مع احتمال أن يفقد حياته، ولكن يكون قد حفظ شرفه.

الغيرية في فلسفة ليفيناس

جديد روبير لوغرو الأستاذ المحاضر بجامعة كان الفرنسية كتاب بعنوان «ليفيناس، فلسفة الغيرية»، يبين فيه كيف أن ليفيناس يسمي وجها الكيفية التي يتجلى بها الغير. فالوجه يطفح ويحطم في كل آن الصورة التشكيلية التي يقدم نفسه تحتها. الغير هو الآخر في المطلق، هو يفرض معنى سابقا لكل معنى معطى. من خلال فهمه للعلاقة بالآخر بوصفه وجها، وعلاقة للآخر في المطلق، يمدد ليفيناس ويشدّد ويغير بعمق الفينومينولوجيا التي أسسها هوسرل، ويقود إلى طرح سؤال راديكالي للأنطولوجيا الهيدغرية، التي تربط العلاقة بالغير بالعلاقة مع الكائن بوجه عام. والكتاب في عمومه يهدف إلى إخراج فكر ليفيناس من الغيرية، عن طريق جعله محاورا لهوسرل وهايدغر وساتر وحنا أرندت. لإبراز ما يتميز به فكره من دعوة إلى ضرورة تحلي كل فرد بنزعة إنسانية.

نقد المكننة البشرية

غزت الأنظمة الآلية حياتنا اليومية عبر التطبيقات المتنوعة للسمارتفون ونظام تحديد المواقع والأدوات المتصلة بالشبكة والروبوهات والسيارات دون سائق. وهي تكنولوجيات ما انفكت تتجدد كل يوم، وتقترح علينا إراحة أذهاننا وتجنيبنا الجهود الزائدة وإلغاء الضغوط علينا، وتزعم أنها تخفف شغل العمال وتعزيز عائدات الإنتاج. والمعروف أن الآلية ظهرت في المصانع خلال الثورة الصناعية، ثم ما فتئت تتطور في المجال الصناعي قبل أن تغزو شتى المجالات، من الطيران والهندسة والبناء والديزاين إلى الطب والتعليم والمالية والموارد البشرية. استنادا إلى أمثلة محسوسة، ودراسات علمية متنوعة، يبين نيكولاس كار، أشهر ناقد للمنظومة الرقمية في الولايات المتحدة، في «تعويض الإنسان، نقد مكننة المجتمع» أن تبعيتنا المتزايدة للمنظومات الآلية ليست خالية من المخاطر، فنحن إذ نستدعي حواسنا وتجربتنا وقدراتنا بشكل أقل، قد نفقد حريتنا ومهاراتنا وقدرتنا على اتخاذ القرار. ومن ثَمّ يدعو كار إلى معارضة مكننة المجتمع العامة، وأولوية التكنولوجيا على الإنسان.

آخر دروس بورديو

الثورة التي تقود من اقتصاد العطاء الخاص بمعظم المجتمعات ما قبل الرأسمالية إلى اقتصاد الأخذ والعطاء في المجتمعات الحديثة انتقلت إلى كل مجالات الوجود، كما يزعم الذين يطبقون على كل الممارسات مثال التحكيم بين التكاليف والفوائد (في التربية، أو في الزواج، وكلاهما مصوغ كتبادل اقتصادي لخدمات الإنتاج وإعادة الإنتاج)، هل تحققت تماما في الدائرة التي قامت على قاعدة «بيزنس إيز بيزنس» التأسيسية؟ في كتاب «الأنثروبولوجيا الاقتصادية» الذي يجمع دورسا كان ألقاها في الكولاج دوفرانس عامي 1992 و1993، يستبعد بورديو مزاعم الأنثروبولوجيا المتخيلية الخاصة بالنظرية الاقتصادية في تعريفها المهيمن، ويطرح فرض نظرية أخرى تقطع مع فكرة اختيار أفراد بلا إرغام، ويستبدل بمفهوم السوق الصافي الممتاز مفهوم الحقل الاقتصادي الذي تهيكله علاقات قوة وصراعات رمزية. وبذلك يبين أن بالإمكان، دون استدعاء الوعي الحسابي الواعي للإنسان الاقتصادي أو منطق «العقلانية المحدودة»، التعبير عن الطبيعة المعقولة لأغلبية السلوكات الاقتصادية، من خلال ملاءمة التمنيات الذاتية للحظوظ الموضوعية.

طوباوية الأدقّ والأرقّ

بعد «المكان الهادئ، و»اليوم الناجح»، و»الجوك بوكس»، و»التعب» يواصل بيتر هندكه، أغزر كتاب اللغة الألمانية وأكثرهم انتشارا عبر العالم، سلسة نصوصه في أدب المقالة، بكتاب جديد عنوانه «مجنون الفُطر»، عن صديق له يجوب الغابات ليحولها إلى أماكن ساحرة. وكعادته يبرع في التقاط الجزئيات الصغيرة بشكل لا يضاهيه فيه أحد في المشهد الأدبي الحديث، إذ يولي أهمية لأبسط الأشياء، ويسميها بأسمائها، ويصف الساكن منها والمتحول بفعل عوامل التعرية، وينفث فيها الحياة. فهو كرسامي المدرسة الانطباعية، دائم التنقل من مكان إلى مكان، في المدن والأرياف، يرصد أشياء المعيش اليومي ويرسمها بقلمه كما يرسم الانطباعيون لوحاتهم، إذ يحرص دائما على تخير العبارة الدقيقة والوصف الصائب، والإمساك باللحظة الهاربة، وكأنه يحتفي بما سماه النقاد طوباوية الأدقّ والأرقّ.

بوكوفسكي في حميميته

«في الكتابة» هو عنوان أنطولوجيا تضم نصوصا للكاتب والشاعر الأمريكي الأشهر تشارلز بوكوفسكي (1920-1994)، الذي قضى نصف قرن في لوس أنجوس التي يعتبرها مدينته رغم أنه رأى النور في ألمانيا، من أب أمريكي وأم ألمانية. هو أسطورة في بلاده وخارجها، بوصفه أيقونة الثقافة المضادة، وأكثر الشعراء تأثيرا في الأجيال التي تلته. يحتوي الكتاب على وثائق مختلفة من شتى الأجناس لم يسبق نشرها، من رسائله إلى الناشرين ومديري المجلات إلى أصدقائه وزملائه من الكتّاب، وترسم تلك الوثائق بورتريه حميما عن الشاعر يتبدى فيه آخاذا، مضحكا، باردا، معاديا للتقاليد، محطما للأيقونات. ويكتشف القارئ في تلافيف تلك النصوص علاقته الغريبة بالعمل، وإلمامه بالآداب وحركاتها وتياراتها، ويكتشف أيضا نقده اللاذع، وانتصاره للفقراء والمحرومين والمهمشين وكل من لفظه صخب الحياة وأرداه خارج دورتيها الاقتصادية والاجتماعية.

مدخل إلى الأنثروبولوجيا

الفلسفية

هلموت بليسنر (1892-1985) هو أحد مؤسسي تيار في الفكر الألماني عرف بالأنثروبولوجيا الفلسفية لا يزال مجهولا في فرنسا. هذه الحركة التي ولدت في عشرينات القرن الماضي، ومثلها ماكس شيلر وأرنولد غيهلن، تقترح بناء خصوصية الإنسان على أساس فلسفة حياة. و»درجات العضوي والإنسان» الذي صدر عام 1928، وأعيد نشره هذه الأيام، هو أحد تجلياتها البارزة. في هذا الكتاب يحاول بليسر التعرف على الخاصية الأساس لجسد كائن ما وجعله مستويات التنظيم التي يمكن أن يبلغها قابلة للفهم والإدراك. وفي رأيه أن مفهوم «التموقع» يسمح بإبراز ثلاث درجات من النشاط بالنسبة إلى البيئات التي توافق النبتة والحيوان والإنسان. من هذا المنظور، تبدو خاصية الإنسان منحرفة عن مركزها، أي الكيفية التي تمكن بها من وجود «أنا» قادرة على أن تنظر إلى كل شيء بموضوعية، دون أن تكون هي محل نظرة موضوعية.

الساسة وإنكار التغير المناخي

هل يمكن أن يواصل المرء ممارسة السياسة كأن شيئا لم يكن، كأن كل شيء ليس بصدد الانهيار من حولنا؟ في كتابه الجديد «أين نهبط؟ كيف نهتدي في السياسة»، يقترح برونو لاتور أستاذ العلوم السياسية علامات جديدة مادية صالحة لكل من يريد تجنب أطلال أنماط تفكيرنا السابقة. هذه المقال السياسي يهدف إلى ربط ظواهر ثلاث تفطن لها المعلقون، ولكن دون أن يقرنوها برابط، ولا يرون تبعا لذلك الطاقة السياسية الهائلة التي يمكن أن نحنيها من تقاربها. أولا «رفع القيود» الذي يعطي كلمة «العولمة» معنى لا يني يزداد سوءا. ثم انفجار التفاوت الاجتماعي المستفحل، وأخيرا السعي الآلي لإنكار التحول المناخي. ويرى أننا لن نفهم شيئا من المواقف السياسية منذ نصف قرن، ما لم نعط مكانة مركزية لمسألة المناخ. كل شيء يجري وكأن جانبا هاما من الطبقات الحاكمة انتهى إلى خلاصة مفادها ألا وجود على الأرض لمكان لها ولبقية السكان في الوقت نفسه. وهو ما يفسر في رأيه تفاقم التفاوت واستشراء رفع القيود ونقد العولمة، والرغبة الملحة في الرجوع إلى الحمائية القديمة.

حكاية حب قَمرية

«شرارتي» هو عنوان الرواية الثانية للقَمري علي زامير، وهو اسم فتاة في طائرة تربط جزيرتين من جزر القمر تسترجع علاقتين غراميتين، وحكايات كانت ترويها لها أمها، بدءا بتلك التي تتعلق بولادتها هي. هذه الرواية التي فازت بجائزة سنغور للرواية الفرنكفونية، وأثنى عليها الكاتب الكونغولي المعروف ألان مابانكو، تتناول العلاقة بين حبيبين، دولور (ألم) ودوسور (لطف) وما يحف بها من مغامرات وعادات وتقاليد، نكتشف من خلالها عالم تلك البيئة وأهلها وأسماءهم الغريبة أمثال «شرارة، ألم، لطف، وحتى كالسيوم، وفيتامين، وإفيرالغان ودافلغان. يقول زامير، الذي يبلغ ثلاثين عاما ويقيم حاليا بمدينة مونبلييه: «رغم أني لم أسمع أمي تذكر تلك الصيغة التي تبدأ بها الحكايات «كان يا ما كان»، فإن هذه الحكاية لا تزال ترن في مسمعي مثل خرافة، هي حكاية عن طالبين تبدأ في مدغشقر وتنتهي في مدينة مهاجنغا ذات أشجار الباوباب. أذكر تلك الحكاية كلما تعرضت لمشكلة.»

في ظل شجرة البراءة

«نشيد الأكاسيا» هي الرواية الخامسة للكاتب التوغولي المقيم في فرنسا كوسّي إفوي، بعد «صولو للعائد» التي فازت بجائزة القارات الخمس. وتروي قصة إيو أنّا التي وشمت اسم ابنتها المرتقبة «جويس» أسفل ظهرها، وحماتها غراس العرافة التي رأت في منامها رؤيا واعدة. قالت لكنتها: «الثقة هي طريق من يتجنب المصيبة.» فتركت المرأة تلك المقولة لدى غراس حتى تنقلها إلى جويس، لأنها لا تدري هل ستستطيع أن تقولها لها، ولكنها كانت تريد أن تعيش التجربة بنفسها، ففرت على دراجة لتتجنب النظام البطريركي القاسي صحبة صنداي الحمال، الذي سيصبح أبا للطفلة جويس. وبعد سلسلة من المغامرات الت يتخذها الكاتب مطية لتصوير عسر الحياة في أماكن ذات مسارب وطرق وعرة، ومخاطر جمة تواجهها أجيال من الإفريقيات المتمردات على التقاليد البالية، تقبل جويس محمولة على رمث لتستقبلها أمها وجدتها عند ظل شجرة أكاسيا، شجرة البراءة.


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا