المفهوم المراوغ

التفكير النقدي والنقد الأدبي‎ العربي

الجديد  خلدون الشمعة [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(40)]

لوحة: نهاد الترك
أستخدم كلمة «مقاربة» لأشير من ناحية إلى السيرورة التي تصل بين التفكير النقدي والنقد الأدبي في تجارب العرب المعاصرين، وإلى أنها من ناحية ثانية تعني النزوع إلى الوصول، ولكي أتفحص من جهة ثالثة إمكانية تتويج تلك الرحلة ببلورة ما يمكن اعتباره شبيهاً بمقولات تجريبية، مقولات ليست قَبْلية، بل مفاهيم تتضمن سبباً ومحمولاً معرفياً رائزهُ العقل ومُحركهُ الفن.

ليس ثمة شك في أن غلبة مقولة نقدية واستيلاء صاحبها على مضمونها هي فاعلية استبداد تومئ إلى علاقة الهامش العربي بالمركز الغربي، المُختلف بالمؤتلف، الخلاف بالاختلاف، الحداثة بالقدامة.

وكما يشير دومنيك أورفوا فإنه: «في ما يتعلق بالفكرالحديث، درجت العادة على وضع العالم العربي في ركاب الغرب، وليس هذا فقط خطأ في المنظور من جانب العالم الغربي التوسعي الذي نسي جذوره العربية، بل هو أيضاً خطأ في المنظور من جانب بعض الشرقيين الذين طنوا أنهم يستطيعون الحصول على القوة المادية للخصم بدون أن تتأثر به شخصيتهم. وهذه الفكرة التي انتشرت في ثلاثينات القرن التاسع عشر مع الطهطاوي، أدت إلى موقف ملتبس: أي المطالبة بالأصالة وبحق التقليد في آن». (أنظر: المفكرون الأحرار في الإسلام.. ت. جمال شحيّد).

ويشير المصدر نفسه إلى أن هذا ما عبر عنه جاك بيرك عندما قال: «إن العرب يريدون ألا يشابهوا الآخرين وألا يختلفوا عنهم. فلو ذكرت أمامهم خصوصيتهم يشعرون بالمهانة ويطالبون بأن يكونوا كمثل قائل هذه الملاحظة، وإن طبقت عليهم نفس المعايير التي تطبق على الآخرين يجفلون».

ويصل الباحث بهذه الفكرة إلى الذروة قائلاً: «إن هذا التوهم بأن التكنولوجيا الغربية قابلة للفصل عن خلفيتها النفسية إنما هو ناجم عن رؤية مادية اختزالية للتاريخ».

وأحد الردود السجالية على هذا التناقض الصوري ما يشير إليه عزيز العظمة من وجود تقاطع بين الاستشراق ودعوة الأصالة (العربية): «فكلاهما عبورٌ معرفي عبر مغايرةٍ مطلقة، يروم الربط الفاعل بين الغيرين، كلاهما استصلاحٌ مُعَرّفٌ لماض منقطع. أما الفرق بينهما فإنه يقوم في الشحنة المعيارية المعطاة للماضي والحاضر».

ويضيف: «ليست الأصالة كمفهوم لثقافة حصرية، فكرة محلية عربية بل لها أصول قديمة في الفكر الغربي المحافظ المعادي للاستنارة وللثورات في القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، خصوصاً لدى مفكرين مثل دوميستر ولورنزفون شتاين وسافيني وغيرهم من دعاة التحول التاريخي العضوي النابع من أصالة شعب ما، ولها امتدادات وحيزات واسعة في الفكر الفاشي في ألمانيا وإيطاليا في هذا القرن. كما أنها تتنامى باطراد في أوروبا اليوم».. (أنظر: التراث بين السلطان والتاريخ).

-2-

جدلية المماثلة والمغايرة في تمثيلاتها النقدية العربية تجاوزت وتتجاوز هذا السجال لأسباب تتعلق بامتثالها للأمر الواقع من جهة، وبإعادة تعريفها لحركية الثقافة من جهة أخرى. بل يمكن القول كما سبق أن أشرت في مكان آخر، أن أفكار إدوارد سعيد التي قدمت أجوبة على أسئلة المماثلة والمغايرة، أسئلة مثالها مستمد من حركية الأدب والنقد، لم تكتب بالاستجابة لمفهوم الجماعة أو الشعب أو الأمة، بل بالاستجابة لأوضاع ذات نزوع ذاتي خصوصي.

يقول ثيودور أدورنو معبراً عن تجربة ذاتية مماثلة لإدوارد سعيد (مع اختلاف التفاصيل): «الكتابة بالنسبة لكائن لم يعد لديه وطن، تصبح المكان الذي يسكن فيه».

هذا القول يصلح مقدمة تضيء ما يردده إدوارد سعيد (ربما ممثلاً بالنص المكتوب تحديداً) من أن الثقافة تكتسب اكتساباً ولا تورث توريثاً، وأن ثمة قطبين يربطان بين حركية الثبات والتغيير. القطب الأول يعبر عنه مفهوم «البنوة» الذي يعكس حتمية بيولوجية، هي حقيقة انتماء الإبن للأب، حقيقة كون الكائن نتاج أبوين. وأما الثاني مفهوم «التبني» فهو يعكس بدلاً من ذلك الاختيار الذي يتيح للفرد فرصة الإنتماء إلى أب ثقافي مجازي من اختياره. هذا الأب المجازي ربما كان في بعضه هو الآخر المغاير.

وفي وقت لاحق كتب محمود درويش قصيدة مهداة لإدوارد سعيد، عنوانها: «طباق إلى إدوارد سعيد». في هذه القصيدة نزوع تتحكم فيه شعرية الذات بكل وضوح. فعندما يصبح خيار الشعب متعذراً أو مراوغاً أو بعيد المنال، يحل محله الخيار الفردي.

-3-

في المآل الأخير يمكن القول مجدداً إن خطاب المركزية الغربية قد خلق صوراً عن الشرق لا يمكن إنكارها. هذا الخطاب المجتر والمتواطئ عن الآخر، اخترق وعي المثقف العربي مشكلاً لديه مفهوماً جوهرانياً مراوغاً للحداثة، لا يستعصي على التحديد فحسب، بل يحرك عملية ردم مستمرة ولكن متعثرة لبرزخ معرفي يفصل بين الأنا والآخر حيناً ليواجه هوة فاغرة بين الذات والموضوع حيناً آخر.

ومهما يمكن من أمر فإن النقد العربي يستمد شحنته المعيارية من مصدرين: الأول هو التفكير النقدي السائد في المركز الغربي، والثاني التراث النقدي العربي الذي يعاد انتاجه ليمنح أبعاداً متجددة بعد توطينه وموضعته في سياقٍ مستعار من فكر الآخر.

-4-

في ضوء ما تقدم نستخلص المؤشرات التالية التي تومئ إلى مشروع عبور معرفي:

أولاً: رحلة التراث النقدي والبلاغي العربي من القدامة إلى الحداثة، وهي الرحلة التي تقتضي موضعة نماذج من التراث العربي في سياق نظرية لسانية وشعرية حديثة. والحقيقة كما يعرضها ثلاثة نقاد (عبدالقادر المهيري وحمادي صمود وعبد السلام المسدي) أنه: «ليس ثمة أمة فكرت في قضايا الظاهرة اللغوية وما يحكمها من قوانين مختلفة إلا وانطلقت في إنجاز كل ذلك من دراسة لغتها النوعية».

ويضيف هؤلاء النقاد أن القضية مردها إذن: «قدرة أمة من الأمم على أن تصف جهازها اللغوي ثم تتجاوز ذلك إلى إدراك منزلة التفكير المجرد في شأن الكلام باعتباره ظاهرة بشرية تقتضي الفحص الموضوعي بغية الكشف عن نواميسها العامة التي تقوم مقام الكليات الذهنية أو المقولات المنطقية. والحضارة العربية قد أدركت هذه المنزلة».. (أنظر: النظرية اللسانية والشعرية في التراث العربي من خلال النصوص).

وكان عبد السلام المسدي قد سبق هذه المحاولة المشتركة بكتابه الرائد: «التفكير اللساني في الحضارة العربية».

ثانياً: يمكن اعتبار هذا المجهود النقدي بالغ الأهمية. فهو يبرز خصيصة «أدبية» الإنسانيات العربية بمختلف صنوفها ومن ثم يقوم بدمجها وموضعتها في سياق نقدي وبلاغي حداثي.

ثالثاً: يستخلص الكتاب في حركية الترحيل هذه نماذج لافتة تومئ إلى العناوين التالية: حد اللغة، بنية الكلام، الدلالة، أدبية الكلام.

وتشمل هذه الحركية مروحة نصوصٍ للجاحظ وابن حزم والقاضي عبدالجبار، والرازي، وعبد القاهر الجرجاني، والفارابي، وإخوان الصفاء، وابن سينا، والغزالي، والتوحيدي وابن مسكويه وابن جني وابن خلدون، وابن الانباري، والزجاجي وابن قيم الجوزية والسكاكي.

-5-

واللافت أن حركية الترحيل والموضعة هذه تزامنت مع بروز النزعة اللسانية لدى إدوارد سعيد (أنظر: العالم، النص، والناقد) في تسليطه الضوء على أحد أهم الدراسات التي دشنت الانعطافة اللسانية في النقد الأدبي الغربي ونعني به كتاب (المحاكاة) للناقد إيريش أويرباخ. هذه الدراسة الطموحة التي تهدف إلى تقديم تمثيل واقعي للأدب الغربي، كتبت في اسطنبول خلال الحرب العالمية الثانية حيث لا توجد مكتبات مزودة بكتب باللغات الأوروبية.

-6-

ثمة نقلة معرفية شهدها النقد العربي الحديث ونعني بها العبور من النقد الأدبي إلى النقد الثقافي. هذه النقلة التي لا أعتقد أنها تمثل انتقالاً، دشنها الناقد عبدالله الغذامي (أنظر: النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية).

كتاب الغذامي طموح يتضمن إعادة نظر جذرية في الحداثة العربية. والمعروف أن النقد الثقافي يعود في أصوله إلى ثيودور أدورنو وبالتحديد إلى دراسة مبكرة عنه ظهرت في كتابه: (المنظورات) خلال ثلاثينات القرن الماضي. وقد تزامن ازدهار هذا النقد وتوثقت صلته بمناهج الإنسانيات مع انتشار الدراسات الثقافية في الجامعات الأمريكية.

أخيراً أود أن أشير في ضوء ما تقدم إلى أن الفصل بين النقد الأدبي والعلوم الأخرى (الإنسانيات) فصل ربما يمكن استخلاصه من رأي ابن سلام الجمحي في أن الشعر ثقافة وصناعة لا يعرفها سوى أهل العلم. ولكن الفصل هنا يظل الاستثناء لا القاعدة. الفصل أصل السكون والثبات. أما الوصل فهو أصل الحركة والوصول.


ناقد من سوريا مقيم في لندن