الممارسة النقدية الخرساء

بين النقد وتحليل الخطاب

الجديد  شرف الدين ماجدولين [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(48)]

لوحة: نهاد الترك
في لحظة ما من ثمانينات القرن الماضي بدا أن النقد العربي يعيش لحظة عنفوانه، وهي اللحظة التي أفرزت للوجود ما يسمى بـ”الناقد المحترف” الذي لا يحسن الحديث إلا في النطاق الضيق لتخصصه، وداخل سياق شديد الخصوصية قد يكون الجامعة أو المجلة الأكاديمية، أو المؤتمر النقدي الذي تنظمه إحدى شعب اللغات والآداب، ويحضره أهل الاختصاص،… دونما سعي إلى استقطاب الجمهور الكلاسيكي للأدب وأخذه بعين الاعتبار.

وهو السلوك المعرفي الذي حوّل النقد الأدبي إلى مدونة مصطلحية غير مفهومة من قبل جمهور القراء العاديين، وغير ذات وظيفة ثقافية، الأمر الذي قوّض الجوهر الإنساني للأدب، فسرعان ما تحولت معارف تحليل الخطاب وشعريات النص الأدبي إلى أفق يصرم كل صلاته بالتعريفات البسيطة المتواترة خلال عقود النهضة عن معنى النقد الأدبي، باعتبار ما ينهض به من أدوار تقويم المباني والأساليب، وكشف الاختلالات. بدا في لحظة ما أنه بالإمكان الحديث عن كل النصوص بشتى مراتبها على نحو موحد، فقصيدة لعبدالوهاب البياتي يمكن أن تكون موضعا لدرس يتناول “التشكيل الاستعاري” أو “صوت الذات” مثلها مثل قصيدة لشاعر خواطر بدائية غير متحقق، مثلما أن دراسة “منظور السارد” في تحفة روائية من قبيل “رامة والتنين” لإدوار الخراط، يمكن أن تضعها في المقام ذاته مع رواية محدودة القيمة موجهة للجمهور العام من مثل رواية “بنات الرياض” لرجاء الصانع، ففيهما معا يوجد سارد وتوجد صيغ للسرد…

وأعتقد أن الانطلاق من مبدأ خاطئ مفاده أن تحليل الخطابات جزء من النقد الأدبي أو بديل له أو تجاوز له، هو الأصل الذي أفضى بوضع النقد الأدبي العربي في حال من الأزمة ظاهرة، لم يعد فيها مهمّا حجم الصدق والشجاعة في بيان مناحي الضعف والإجادة في صنعة الأساليب الروائية والشعرية والمسرحية والقصصية، بل بات سؤال “القراءة” ذاته الذي يتناول النصوص ليعبّر عن رأي فيها، ملتبسا ومتجاوزا، وبناء على هذا الافتراض تحديدا أضحى كل حديث عن النقد مقرونا بمزاعم “التحليل العلمي” الذي لا حيز فيه للانطباع والذوق، ومن ثم للجوهر الإنساني لعملية القراءة.

أذكر في هذا السياق أن عددا كبيرا من الأبحاث المحشورة في إطار النقد، كان منطلقها نقض مبدأ الجودة التي هي تكوين متعال عن القواعد البنائية، وسرعان ما افتعلت معركة لا منطق لها بين إنسانية الأدب وقوانينه وقواعده، انتهت إلى محو الأدبية في النهاية، وتحويل الدرس النقدي إلى درس للأنساق والوظائف، أي إلى “نحو” للمعنى لا تفصله إلا نسبة قليلة من التجريد عن نحو الألفاظ.

طبعا كان مبدأ هذا الافتراض التحليلي هو الانتقال من “المراجعة” إلى “المقاربة” التي لا تستهدف الحكم على الأعمال الأدبية وتبيان مواطن ضعفها وافتعالها وخطئها، ومن ثم نفي تراث المعرفة النقدية القاصدة للتقويم، والمستندة للمعارف المتعددة بصدد الكتّاب ومقامات إنجازهم وحياتهم وسياقهم الإبداعي، كان القصد هو نسيان مفردات من قبيل”الموازنة” و”الطبقات” الواردة من التقليد التراثي أو “الغربال” و”النقد والخصام” الواردة من رصيد النهضة، بما يعنيه ذلك من تخطّي لمعايير “الصحيح والخطأ” و”الحسن والقبيح”، إذ اعتبرت كل تلك الحدود شأنا نحويا وبلاغيا وأيديولوجيا، وهكذا أضحى التصالح مع النصوص منفذا إلى حال من التسامح المفتوح مع كل أشكال الزيغ الأسلوبي والإبداعي.

لوحة: نهاد الترك

الناقد وقاعدة الوساطة

بما أن الناقد وسيط فقد تجلت الوساطة أبعد ما تكون عن تقريب أسباب المتعة أو علل امتناعها، ساعية إلى تأويل يتجاوز حد القراءة المجبولة على الرفض أو القبول بالمقروء، وسرعان ما تحول الناقد من مقرّب وسيط إلى مقارب وسائطي، عدته المفاهيم الجاهزة لا ذاكرة مقروئيته، ومأربه الانتهاء إلى التطابق مع العدة المنهجية لا إلى مكاشفة القارئ بنسبة نجاح النصوص في التشكيل والتجريب والاختراق. لقد بات تعويم عملة الأدب سبيلا إلى التعالم وتخطي عتبات “الفن” و”الجمال” و”إنسانية الأدب” وصلته بالحياة وبالناس. ولأن في هذا التخطي إعفاء من التموقع النقدي، الذي هو عتبة للخصام الإنساني، تجلت المحصلة في الغالب الأعم بما هي سعي إلى تبخيس الأدب لحساب علوم محيطة أو نقيضة، من اللسانيات إلى التحليل النفسي. لا أنسى، في هذا الصدد، محاضرة لأحد أعلام تحليل الخطاب في المغرب حين تحدث عن وجوب دراسة الرياضيات لفهم القصيدة المعاصرة، كان يتحدث على نحو جدي، في الآن ذاته الذي غرق فيه الجمهور في الذهول، قبل أن ينخرط بعضهم في تصفيق مداهن وجبان، وهكذا تم تحويل الأدب إلى حمار المعرفة، حمال أسفار، في أي قافلة تنطلق، شتاء وصيفا.

بيد أن لعنة المقاربات الوسائطية والنزعة المصطلحية، وتليين النصوص لتكون بنيات خرساء، بلغ أوجه حين تناسلت “الجوائز الأدبية” المجزية المخصصة للرواية (بشكل كبير) ثم لغيرها من الأجناس الأدبية الأخرى، حيث لم يعد ثمة دور لوساطة الناقد المقوّم بما هي آلية مزدوجة الأداء في اتصالها بالمتلقّي والمبدع على حد سواء، من شأنها وصل الرسالة الرمزية للأدب بالبنيات الاجتماعية التي تكسب تلك الرسائل دلالتها الفعلية المتعدية، لحساب وساطة ترويجية تمهد السبل للانتشار الشكلي، وهو السلوك النقدي الذي بقدر ما عمق أزمة الأدب ووظيفته، حول التجربة النقدية من “رقابة كابحة” لإمكانات التجريب التعبيري، إلى “خدمة إعلانية” ومن ثم لم تسهم في إنتاج تعبيرات أدبية سليمة، بقدر ما روجت لسلوك مخاتل بوعي مختل عن الكتابة ومقتضياتها.

فتنامت معها ظاهرة ولادة أسماء أدبية من فراغ ودون مقدمات، لإشباع نهم المطابع إلى إصدار الأعمال والتقدم بها للجوائز، مع ما صاحب ذالك من ماركيتينغ ثقافي تلاشت فيه البقية الباقية من مبدأ التقييم والمكاشفة أمام رغبة جماعية في الرياء الصحافي وتلفيق الأكاذيب حول الأعمال والنصوص المفردة لترجيح حظوظها في ميزان التحكيم، ولا جرم من ثم أن تظهر للوجود في سنوات متلاحقة لوائح طويلة وقصيرة مخترقة بأعمال بادية الضعف، وبعضها يكتفي بركوب موجه الصراع السياسي المصطخب بعد ما سمّي بالربيع العربي، الذي لا يكف عن صدم المتابع بالفاجع والصادم والمتجاوز للخيال كل يوم.

وعي نقدي زائف

الظاهر أنه لا يمكن فصل هذا النوع من التجاوز الوظيفي لقيمة الوساطة التقييمة دون الوقوف على تواؤم تدريجي لعدد كبير من الرموز النقدية العربية من جيل مخضرم (يفترض أنه وريث لمشروع طه حسين)، مع ظاهرة التسامح والمرونة، واللجوء إلى المقاربات الرمادية، تلك التي أنتجت لنا ما يمكن وسمه بـ”الوعي النقدي الزائف”، حيث يمتلك مظهرا تنويريا شكليا، سواء بالنظر إلى طبيعة الأسئلة المطروحة أو القضايا المستثارة أو العناوين المقترحة، في الآن ذاته الذي يضمر كنها فكريا تقليديا، يسعى إلى تكريس التصالح مع الوضع القائم (واقع التخلف الثقافي وهيمنة الدولة التسلطية)، وهو السبيل الذي جعل الناقد العربي في هذا السياق المخصوص، ينخرط في معارك لا تعنيه، وبأساليب غير “نقدية”، أولا بالنظر إلى صيغتها السجالية السطحية، وثانيا لتلفيقيتها الظاهرة للعيان، ثم لنزعتها التبريرية للخطاب التحكمي، الرقابي، والقمعي، الذي يجافي سجايا “الحرية” و”الشجاعة” التي تمثل جوهر “الوعي النقدي”. ولكم كان محزنا أن يقع أغلب رموز هذا التنوير الزائف في وهدة حربائية صاعقة عقب موجة الانتفاضات العربية، ليس أقلها التنكر لكل أدبيات “التنوير” التي أنتجوها عبر سنوات من الكتابة والحضور الإعلامي متعدد الصيغ، ولعل من أصدق الصور التحليلية لأعلام هذا الصنف من “الوعي النقدي الزائف”، تلك التي أوردتها الباحثة اللبنانية دلال البزري في الفصل الأخير من كتابها “مصر التي في خاطري”، حيث شخصت أزمات وأمراض المجتمع المصري في العقد السابق لثورة 25 يناير. تقول في إحدى الفقرات، في سياق الحديث عن النسق الذهني لمثقفي ونقاد موجة التنوير الذي دعمته السلطة “كتلة صلبة من الأفكار الجاهزة والمبسطة والملتبسة، المتعايشة مع الهيمنة الدينية، والتي تقف خلف خطاب ‘تنويري’، ‘مدني’، لتحجب علمانية أو يسارية، مزعومتين. نسق فوضوي، لكنه قائم. هو خليط من بقايا الهيمنة اليسارية السابقة على الهيمنة الإسلامية، ومن رومنطيقية نهضوية وفدية، ومن ناصرية ما. ذخيرة لغوية مرتبة بنظام، ينطق بها المثقف غير الإسلامي، ويقدمها على أنها هي مشروعه لمواجهة التشدد الديني” [1].

بطبيعة الحال ستبدو المواجهة كاريكاتورية مع واقع مختل بوعي زائف وبآليات تحليل فاسدة، لكن على الرغم من ذلك فإن الرهان الثقافي للناقد العربي اليوم لم يلتبس كليا بهذا الصوت السلطوي على هيمنته وكثرة مريديه، وظلت المنابر المستقلة والأصوات النقدية النقيضة، على قلتها، منتشرة عبر مختلف أصقاع الوطن العربي، وتسعى جاهدة إلى تحقيق طموح طه حسين النهضوي.

[1] – منشورات دار الساقي، بيروت، 2011، ص 179. والكتاب سيرة للشعب المصري بطبقاته المختلفة في السنوات العشر الأخيرة قبل الثورة، انتهت من صياغته قبل شهور قليلة من اندلاعها، وأهدته لشهدائها، فصوله تسائل نفسية الإنسان المقهور الذي وجد ضالته في التدين والحجاب، وتعرّي عوامل الاندحار التدريجي إلى الماضي، تكشف نفاق المثقفين المصرين اللامعين وهوسهم بتبرير خطايا الدكتاتورية، تبدو فقراته الهجائية لجيل التنوير الزائف لافتة للنظر، تتدفق دون مواربة ولا نفاق. نص فاتن وقاس وصادق..


كاتب وأكاديمي من المغرب