الاستبداد النقدي

النقد وأسئلة الفقدان

الجديد  علي حسن الفواز [نُشر في 01/01/2018، العدد: 36، ص(72)]

لوحة: نهاد الترك
كثيرون يتحدثون عن غياب النقد، وعن عجز النقاد في متابعة ما ينشره الكتّاب هنا أوهناك.. هذه الشكوى التوصيفية لحال النقد العربي، تصطدم بالواقع، حدّ أنها تبدو غير واقعية تماما، لأنّها تحمّل النقاد ما لا يحتملون، وتطالبهم بأن يكونوا أشبه بأصحاب العربات الذين يركضون لصق عرباتهم، ويدارون زبائنهم لأنهم زوّادة الرزق.

الشكوى من الغياب النقدي تبدو مطلبية في هذا السياق أكثر مما هي حاجة فنية، لا سيما مع الذين يعافهم النقاد، أو محرّرو الصفحات الثقافية، وتحت عنوان البحث عن مناطق دافئة، وعن أسماء وكتب لها بريق ووقْعٍ ولمعان، وهو شأن اجتماعي وليس ثقافيا خالصا، ولصيق بطبيعة الشخصية العربية المثقفة وغير المثقفة، أو ربما بتعالي البعض من النقاد على ما هو جديد في الكتابة، أو عن الأسماء غير القارّة في اللاوعي الجمعي للقرّاء.

ليس من وظائف الناقد أنْ يكون مُطارِداً لكلّ ما تنشره المطابع من كتب، فهي وظيفة لها متابعوها في الصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية إنْ وجدت! لأن النقد مَعنيٌ برصد الظواهر، وبالكتب التي تُثير أسئلة، أو تقارب بعضا من الظواهر الثقافية المعرفية والأدبية، وبما يُعزز من وظيفة الناقد في وعيه، وفي حضوره، وفي تعاطيه مع ما يُثيره المشهد الثقافي من إشكالات وأسئلة.. فضلا عن العلاقة الملتبسة للوظيفة النقدية، ولجدّية الناقد بالرثاثة التي تستغرقنا، والتي يمكن أنْ يصطدم بها الناقد ذاته، إذ تغمر فضاءنا الثقافي ومساحات النشر، وتفرض سطوتها على قناعة البعض من صنّاع القرار في هذا المطبوع أو ذاك، لا سيما المطبوعات- الصحف والمجلات- الرسمية، والتي لها توجّهاتها وأنماط خطابها المهيمن، بما فيها العلاقة مع النقد وما يخضع منه لضرورات الرسالة الأيديولوجية، أو ما يمكن أنْ يدخل في حساب تلك الجهات الرسمية، بعيدا عن ما يثير صداع السلطة، أو ما يستفز ملفات المكبوت والمقموع والمسكوت عنه، حتى بات النقد بوصفه الحيوي رهينا بضرورات الحرية، والتي من الصعب أنْ نلمس وجودها في بلاد الاستبداد العربي، حيث تُخضع السلطة كل شيء لرقابتها، بما فيه الكلام والمواقف والآراء والمقاربات النقدية التي تمسّ جوهر الأشياء.

الرؤيا بعيون الناقد

الناقد ليس كائنا فوق النص، أو شارحا للنص، بقدر ما هو القارئ الأكثر فعالية للنص، أو كما يسميه رفاتير بـ”القارئ العمدة” وهذه التوصيفات تمنحه امتياز تعيين الأحكام، وتوجيه مسارات القراءة العمومية، وبما يساعد على إضاءة النصوص، وتقويمها على وفق ما تُتيحه المناهج والنظريات، والتي تعزز فاعلية القراءة، والفهم، وبالتالي المساعدة على استنباط تلك الأحكام.

رؤيا الناقد هي العتبة الأولى في الاختيار، وهي الأداة التي تعزز وظائفية ذلك الاختيار والكشف، إذ لا يمكن للناقد أنْ يكون عشوائيا في تعاطيه مع الكمِّ الهائل من المطبوعات، والتي باتت البعض من دور النشر والطبع تنشرها لأسباب تجارية بحت، أو لحساسيات أخرى، وهي ما يُلقي على عاتق النقّاد كثيرا من المهام والمسؤوليات.. وبقدر ما يُثير البعض من القرّاء أسئلتهم حول قيام النقاد بمسؤولية الكشف عن ما هو زائف وسطحي وما هو (تجاري) فإنّ قدرة البعض من النقاد قد لا تتحمل مثل هذه المهمة الصعبة، والتي قد تضعهم أمام حرجٍ كبير، وصراعات من الصعب السيطرة على تداعياتها، في وسط تهمين عليه كثيرٌ من العصابيات والقرابات، أو البعض من الجهات السلطوية والحزبية، والتي تسعى دائما إلى الترويج لبضاعة مريديها على حساب ما هو قيمي وجمالي ومعرفي.

إنّ جدّة أيّ مشروع نقدي تتبدى من خلاله ارتباطه بعمل مؤسسي، ليس بالضرورة رسميا أو سلطويا كما يفهمه بعض المعنيين، بل بجهات مدنية قادرة على إيجاد فضاءات، ولو محدودة يمكنها أنْ تُحفّز على العمل باتجاه (الاستثمار الثقافي) من جانب، أو باتجاه تشجيع رأس المال الوطني (شركات ومؤسسات ونقابات وجامعات) على مساعدة تلك المؤسسات الثقافية من خلال تطوير فكرة (الداعم) كما نجده في الكثير من المهرجانات والمؤتمرات العلمية والفنية.

النقد والهامش

تاريخ ثقافتنا العربية قرين بتاريخ المركزيات، والاستبدادات، بما فيها الاستبداد الشعري، والاستبداد الحكواتي، والسردي في مراحل لاحقة، وهذه الاستبدادات تفرض شروطها اللاواعية لقدسية الشعر والرواية، وبما يجعل النقد عنها وكأنه الهامش الذي لاحقَّ له أنْ يكون مركزا، أو متنا له حضوره ومركزيته، وحتى له مهرجانه ومؤتمره وورشات عمله، لذا ما نجده في أغلب فعالياتنا الثقافية هو هيمنة الظاهرة الشعرية والسردية، مقابل تهميش واضح لأيِّ جهدٍ نقدي، أو المطالبة- مقابل ذلك- بأنْ يكون هذه النقد متعالقا مع ما يُقرأ من نصوص، أو ما تتم مناقشته حول هذه الرواية أو تلك.

إنّ هامشية النقد هي من يدفع الناقد للتعالي، وللانتقاء، وأنْ لا يراهن على العموميات، والامتناع عن جعْل الناقد موظفا ورقيبا في دار النشر (س) أو دار النشر (ص) ورغم خصوصية هذه الحالة، إلّا أنَّ واقع الأمر في مجرى النقد العربي لا يخرج عن هذا التوصيف، لا سيما وأنّ عديدا من مؤسساتنا الإعلامية لا تُعطي أهمية حقيقية للنشر النقدي الأدبي والثقافي، وتحت يافطة الحاجة إلى (النجوم) وإلى الكتابة عنهم وعن كتبهم وعن تأثيرهم الدائم على الأجيال والجماعات والنصوص والظواهر.


كاتب من العراق