أثمان البشر في السوق

الإنسان بوصفه سلعة رابحة

الجديد  ناجح العبيدي [نُشر في 01/02/2018، العدد: 37، ص(18)]

لوحة: سعد يكن
يقال عادة “الإنسان أغلى رأسمال”. لكن هذه العبارة التي تهدف إلى إبراز دور العامل البشري في التنمية الاقتصادية والاجتماعية توحي أيضا بأن للإنسان قيمة سوقية يمكن قياسها بالعملات النقدية كالدولار والدينار مثله مثل السلع الأخرى. فالرأسمال، كما هو معروف، يتجسد بأشكال عديدة كالأصول الثابتة والمتداولة لدى الشركات وهي كلها سلع تُباع وتُشترى. وكذلك الرأسمال النقدي الذي يتمثل سعره في الفائدة التي يدفعها المقترض للبنك. لكن هل يمكن حساب سعر الإنسان بالوحدات النقدية؟ وما هي الطرق التي يمكن اعتمادها للتوصل إلى نتيجة مقبولة؟

صحيح أن هذه الفكرة تبدو مستهجنة ومنافية للأخلاق والقيم الاجتماعية المتعارف عليها وتناقض أفكار فلسفة التنوير وتثير اعتراضات منظمات حقوق الإنسان، إلا أن الواقع يشير بالفعل إلى أن جهات ومؤسسات حكومية وخاصة تتعامل مع حسابات وأرقام تتعلق بالقيمة النقدية لحياة الإنسان وعمره وجسمه. ليس المقصود بهذا تجارة العبيد وأسواق النخاسة التي لم تختفِ تماما من على وجه الأرض، كما أثبت ذلك ما فعله تنظيم الدولة الإسلامية داعش مع الفتيات والنساء الإيزيديات في شمال العراق، والأسعار (الفدية) التي طالب بها لـفك أسرهن والتي بلغت بحسب الناشطة الإيزيدية وعضو البرلمان العراقي فيان دخيل 40 ألف دولار للأسيرة الواحدة.

ولا المقصود بذلك أيضا المتاجرة بنساء البلدان الفقيرة من قبل عصابات البغاء وإجبارهن على العمل في سوق الدعارة في أوروبا الغربية وغيرها. مهما كانت هذه الظواهر بشعة ومقززة للحس الإنساني فإنها تبقى في نهاية المطاف ثانوية واستثنائية لا يمكن تعميمها على عمليات التبادل السلعي في الأسواق. غير أن هناك مجالات أخرى “شرعية” يبدو فيها الإنسان وكأنه سلعه لها سعر يتحدد حسب العرض والطلب.

اشترت قطر قبل أسابيع قليلة اللاعب البرازيلي نيمار من ناديه السابق برشلونة في صفقة خيالية بقيمة 222 مليون يورو. بعد دفع هذا المبلغ الخيالي أصبح الآن نجم كرة القدم ملزما ببيع مهاراته الرياضية -أو قوة عمله بالمعنى الماركسي- لناديه الفرنسي والممول قطريا باريس سان جرمان. من جهته يقوم النادي الجديد بإظهار هذا الرقم في حساباته المالية في جانب الأصول كقيمة معنوية (غير مادية).

وعلى الرغم من أن هذا المبلغ الضخم دُفع نظير سرعته في التلاعب بالكرة، إلاّ نادي سان جيرمان مُلزم من الناحية المحاسبية أن يظهره في ميزانيته الختامية كأصل ثابت “غير متحرك” مثله مثل المباني والآلات الأمر الذي يعني أن هذا الأصل المعنوي يخضع للاندثار السنوي.

وكما يُقسم سعر الآلة على عمرها الافتراضي (مثلا 10 سنوات) فإن “سعر” نيمار يقسم على 5 سنوات. وهكذا تتناقص سنويا قيمة نيمار في الميزانية كل عام بنسبة 20 بالمئة، بينما يمكن لقيمته السوقية أن تزداد أو تنقص بحسب لياقته البدنية وبراعته في تسجيل الأهداف. وفي كل الأحوال فإن نيمار الذي “سيندثر” محاسبيا وسيختفي من الميزانية في نهاية عام 2022، يأمل بأن يبقى يشغل الدنيا بأهدافه لسنوات أخرى طويلة.

لكن “سعر” نيمار” يبقى حالة خاصة بقطاع صناعة النجوم، وإن كانت تداعياته كثيرة. مثل هذه المبالغ الخيالية في انتقال لاعبي كرة القدم لا تثير ضجة كبيرة داخل الأوساط الرياضية فحسب، وإنما تضع أيضا النظريات الاقتصادية عن القيمة والسعر على المحك.

ولو كان كارل ماركس حيا، لهز رأسه بالتأكيد حائرا لأن نظريته القائلة بأن العمل الحي هو المصدر الوحيد للقيمة، تبدو عاجزة تماما عن تفسير صفقة نيمار وغيره من نجوم الرياضة والفن والسينما.

إلى جانب ذلك تثير مثل هذه الصفقات تساؤلات عن الجانب الأخلاقي لتعاملات الأسواق في النظام الرأسمالي وتقدم حججا جديدة لمنتقدي الرأسمالية وللمحذرين من “انفلات الأسواق”.

ديّة الإنسان

بعيدا عن أضواء الشهرة هناك تعاملات مالية كثيرة تفترض وجود سعر للإنسان، وبعضها يعود جذوره لعصور كنا نتصور أنها انتهت دون رجعة.

من دون شك تعتبر الدِية التي لا تزال سائدة في قوانين بعض الدول في العالم الإسلامي أحد الأشكال الملموسة لتسعير الإنسان. ويستند رجال الدين وقوى الإسلام السياسي إلى النص المقدس، ومنه الآية 92 من سورة النساء (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ). لكن ما يثير الاستغراب حقا هو طريقة احتساب الدية التي لا يزال البعض يُقدرها بالإبل والبقر والغنم.

وإذا كانت المذاهب الإسلامية تتفق على أن دية المسلم تساوي 100 بعير وأن دية المسلمة نصفها أي 50 بعيرا، فإن الفقهاء يختلفون حول مقدار دية الذمي من أهل الكتاب كاليهودي والمسيحي، وهل هي مساوية للمسلم أم نصفها أو ثلثها؟ وفي ذيل القائمة تأتي دِية المجوسي والمشرك والمرتد والتي لا تساوى في نظر بعض الفقهاء حتى بعير واحد.

وفي كل الأحوال فإن الكثيرين من ممثلي المؤسسة الدينية والمهتمين بالفقه الإسلامي لا يجدون حتى يومنا هذا غضاضة في اعتماد الإبل كوحدة قياس لقيمة الحياة البشرية في القرن الحادي والعشرين، طالما أنها وردت في حديث نبوي. كما أنهم لا يرون تناقضا بين وصف القرآن للإنسان كخليفة لله في أرضه وأن الله أمر الملائكة بالسجود له وبين مقارنته بدابة على الأرض.

لم يأتِ اختيار محمد للإبل مقياسا لدِية الإنسان عن فراغ، وإنما جاء امتدادا لتقاليد وأعراف حقوقية عرفتها اليهودية والإمبراطورية الرومانية، لا سيما وأن المواشي تعتبر أول شكل للغطاء النقدي قبل استخدام الذهب والفضة. كما أن المواشى كانت ولا تزال تؤدي دور الأضاحي وهو شكل لتكفير الذنب أمام الرب.

التعويض المالي، أي المبالغ التي تُدفع مقابل الألم والمعاناة والضرر النفسي والمادي. يُطبق مبدأ التعويض في حالات كثيرة، ابتداءً من الحوادث ومرورا بالاعتداء الجسدي ووصولا إلى جرائم القتل العمد وغير العمد. وإذا كانت الدية ثابتة أبد الدهر بعدد الإبل المحددة لكل حالة، فإن التعويضات تختلف بحسب درجة الضرر والخسارة المالية المتوقعة نتيجة الوفاة أو فقدان وتلف أحد أعضاء الجسم الأمر الذي يفتح المجال واسعا أمام التفسيرات والتأويلات والتقديرات حول “قيمة” الجسد البشري

وإذا كانت النصوص الدينية واضحة تقريبا في تحديد المقدار العيني للدية، فإن المشكلة التي تواجهها الدول المتمسكة بهذه الشكل البالي للعقاب مثل إيران والسعودية واليمن والسودان تكمن في تقدير سعر البعير أو الناقة لأن التعويض في ظل هيمنة اقتصاد السوق لم يعد عينيا وإنما أصبح نقديا حتى في هذه البلدان المستضيفة لسفينة الصحراء. وهي قضية لا تهم الضحية والجاني وذويهما فقط، وإنما تمس مباشرة مجالات أخرى وخاصة قطاع التأمين.

في منتصف عام 2011 أثار الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لغطا كبيرا عندما أمر بمضاعفة سعر البعير في الجمهورية الإسلامية. لم يكن ذلك بالأمر الهين في دولة يُقتل فيها سنويا عشرات الآلاف ويُصاب مئات الآلاف في حوادث المرور. قوبل قرار الرئيس المتشدد باعتراضات كثيرة، خاصة من قبل شركات التأمين التي حذرت حينها من أن ذلك سيعني إفلاسها.

وفي أواخر عام 2011 قررت هيئة كبار العلماء في السعودية بزيادة الدية للمسلم والمسلمة إلى ثلاثة أضعاف على خلفية تضخم أسعار الإبل في المملكة الأمر الذي دفع شركات التأمين لزيادة أقساط التأمين على السيارات لكي تستوعب الارتفاع في ديات قتلى الحوادث المرورية.

وفي العراق عادت الدية في سياق إحياء العلاقات والأعراف العشائرية في العقود الماضية حتى تحوّلت إلى سيف مسلط على رقاب الأطباء إذا ما عجزوا عن معالجة مريض حتى لو كانت الأسباب خارجة عن إرادتهم.

مبدأ التعويض المالي

انطلاقا من فكرة الدِية الدينية قامت القوانين الوضعية الحديثة بتطوير مبدأ التعويض المالي، أي المبالغ التي تُدفع مقابل الألم والمعاناة والضرر النفسي والمادي. يُطبق مبدأ التعويض في حالات كثيرة، ابتداءً من الحوادث ومرورا بالاعتداء الجسدي ووصولا إلى جرائم القتل العمد وغير العمد.

وإذا كانت الدية ثابتة أبد الدهر بعدد الإبل المحددة لكل حالة، فإن التعويضات تختلف بحسب درجة الضرر والخسارة المالية المتوقعة نتيجة الوفاة أو فقدان وتلف أحد أعضاء الجسم الأمر الذي يفتح المجال واسعا أمام التفسيرات والتأويلات والتقديرات حول “قيمة” الجسد البشري. وهذا ما يتضح في التباين الشاسع في قرارات المحاكم في مختلف البلدان.

ولعل تعويض ضحايا اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001 سيدخل التاريخ باعتباره أشهر قضية تعويضات، لا سيما وأنها لا تزال تثير تداعيات قانونية ومالية وسياسية على مستوى العالم حتى يومنا هذا. دُفع حتى الآن أكثر من 7 مليارات دولار لأكثر من 5500 شخص متضرر، من بينهم أكثر من 3000 قتيل. كل عائلة من عوائل القتلى حصلت في المتوسط على أكثر من مليوني دولار من الصندوق الحكومي المخصص.

تفاوت وتمييز

لكن اللافت هنا هو الفروقات الهائلة في التعويضات من حالة إلى أخرى. ففي حين استلم ذوو عامل لغسل الصحون في أحد مطاعم برج التجارة الدولي قرابة ربع مليون دولار فقط، حصلت عائلة مدير أحد البنوك الكبيرة على 8.6 مليون دولار، أي أن “قيمة” حياة المصرفي في نظر القائمين على صندوق التعويضات تعادل أكثر من 34 ضعفا مقارنة بالعامل.

انطلق هؤلاء في تقديراتهم من مؤشرات إحصائية محددة مثل العمر وتوقع الحياة ومستوى الدخل ومعدل التضخم وغيرها. ولهذا يمكن القول بأن التباين في “سعر” الإنسان في النظام الرأسمالي المتطور يعتمد بالدرجة الأولى على التفاوت الطبقي، بينما تختلف الدية في الشريعة الإسلامية بحسب الدين والجنس. ونظرا لارتفاع عدد ضحايا 11 سبتمبر يمكن اعتماد متوسط التعويضات للقتلى كعينة قابلة للتعميم على المجتمع ككل، وبالتالي الاستنتاج بأن متوسط “قيمة” الإنسان الأميركي تقارب مليوني دولار مع أخذ معدل التضخم منذ بداية الألفية الجديدة.

نتيجة مقاربة توصل إليها ثلاثة من العلماء النمساويين والذين قاموا بدراسة وتحليل 1500 حكم تعويض أصدرتها محاكم ألمانية ونمساوية في قضايا تتعلق بفقدان وتلف أعضاء في الجسم، وبناء على حسابات ومعادلات رياضية قدّر الثلاثة في عام 2008 قيمة جسم الإنسان في ألمانيا وفرنسا بنحو 1.7 مليون يورو (ما يقارب 2 مليون دولار). ومع أن الدراسة كشفت أيضا أن النساء الأوروبيات يحصلن عادة على تعويضات أقل إلاّ أن حظهن أفضل مقارنة بحقوق نظيراتهن المسلمات وفق أحكام الدِية. كذلك قام مخرج الأفلام الوثائقية الألماني بيتر شارف (Peter Scharf) في عام 2014 بمحاولة تقدير قيمة جسمه. ففي فيلمه بعنوان “كم هي قيمتي؟” حاول المخرج ضمن عملية بحث استقصائية مضنية أن يحتسب سعر دمه وشعره وكليتيه وكل ما يمكن بيعه من جسده. وبعد استطلاع آراء الكثير من الأطباء والصيادلة وخبراء قطاعي التأمين والصحة توصل شارف إلى أن قيمة جسدة تساوي مليوني يورو. ومع أنه طرح الكثير من التحفظات الأخلاقية حيال الموضوع برمته إلاّ أن “قيمة” الإنسان في أوروبا تبدو أكثر بكثير مقارنة بالبلدان الفقيرة في العالم الثالث.

لكن إضفاء الطابع النقدي على جسم الإنسان يتضح بجلاء أكبر في التأمينات على الحياة وعلى أعضاء معينة في الجسم. من المؤكد أن نادي سان جرمان الفرنسي لم يدفع الثمن الباهظ لشراء اللاعب البرازيلي نيمار إلاّ بعد أن أمّن على رجليه بمبلغ كبير يضاهي المخاطرة المالية في حالة الإصابة. لكن ذلك بقي طيّ الكتمان. في المقابل تبدو حاليا ساقا نجم الكرة البرتغالي كريستاينو رونالدو الأغلى في عالم الساحرة المستديرة، لأن ناديه ريال مدريد أبرم عقد تأمين لرجليه بقيمة 140 مليون يورو. أما المغنّى الشهير توم جونز فلم يؤمن مصدر رزقه المتمثل في صوته القوي، وإنما شعر صدره المميز بقيمة 5.5 مليون يورو.

لكن تلك المبالغ تبقى ضئيلة جدا مقارنة بنحو مليار دولار هي القيمة التقديرية للساقين الجميلتين لنجمة البوب الأميركية ماريا كاري. جاء ذلك على خلفية اتفاقية للترويج لأدوات الحلاقة النسائية بين المغنية الشهيرة وبين شركة جيليت والتي تضمنت جولة فنية في عام 2006. ولو حصل أثناء الجولة مكروه لساقي النجمة يحول دون تسجيل أفلام الدعاية، فإن جيليت كانت ستستلم المليار دولار المتفق عليها.

بطبيعة الحال تبدو مبالغ التأمين الفلكية التي يختارها نجوم الرياضة والفن غير واقعية ومن عالم الخيال وهدفها الإثارة وجذب الاهتمام والدعاية لهم، لكن المبالغة في قيمة التأمين تعني بالضرورة ارتفاع أقساط التأمين.

من جانب آخر لا توقع شركات التأمين على مثل هذه العقود إلاّ بعد احتساب كل الاحتمالات والمخاطر استنادا على معايير اقتصادية وصحية كثيرة. مثل هذه المؤشرات الإحصائية تعتمدها شركات التأمين أيضا في الحالات “العادية” عندما يُقدم مئات الملايين من البشر على تأمين أنفسهم تحسبا للوفاة أو الإصابة في الحوادث أو فقدان مصدر الرزق وغيرها والتي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الحياة الاقتصادية المعاصرة. ولكنها تشير في نفس الوقت إلى طغيان الطابع النقدي والتجاري على جوانب هامة من العلاقات الإنسانية.

لوحة: عبدالله العمري

التأمين والصحة

إلى جانب قطاع التأمين تلعب المؤشرات والحسابات عن القيمة النقدية للحياة البشرية دورا كبيرا في القطاع الصحي أيضا، خاصة في الدول الصناعية حيث يواجه المجتمع مشكلة الشيخوخة. ففي حالات كثيرة تفرض ندرة الموارد الاقتصادية ضرورة الموازنة بين التكاليف من جهة وبين “المنفعة” من جهة أخرى أثناء علاج المصابين بأمراض مستعصية. أو بكلمات أخرى: ما هو المبلغ الذي يتعين إنفاقه لإطالة عمر المريض؟ من الواضح أن ذلك يعتمد أيضا على مؤشر إحصائي هو توقع الحياة، أي السنوات المتبقية للإنسان من الناحية الإحصائية.

لقد توصل المخرج بيتر شاف أثناء التحضير لفيلمه الوثائقي “كم هي قيمتي؟” إلى أن القطاع الصحي في بريطانيا مثلا ينطلق من أن قيمة سنة واحدة من العمر تتراوح بين 20 إلى 30 ألف جنيه إسترليني.

وهذا يعني بأن العملية الجراحية التي تكلف نصف مليون جنيه تبدو “مجدية” اقتصاديا لمريض عمره 30 عاما بعكس مريض عمره 70 عاما والذي لم يتبقَ له للعيش من الناحية الإحصائية سوى 14 عاما.

تجارة الأعضاء

ورغم كل التحفظات الأخلاقية تبدو مثل هذه الحسابات أكثر إنسانية من تجارة الأعضاء البشرية. حتى الآن تعتبر إيران البلد الوحيد الذي شرّع المتاجرة بالكلى.

صحيح أن تجارة الأعضاء غير الشرعية منتشرة سرا وربما علنا في كثير من البلدان وتتخذ أشكالا بشعة للاستغلال، إلاّ أن الإيرانيين بإمكانهم عرض إحدى الكليتين للبيع عبر إعلان في الصحف. وبحسب الشطارة في المساومة بين “المتبرع″ والمريض يتراوح السعر بين ألفين وخمسة آلاف دولار للكلية الواحدة.

وإذا كان زرع الأعضاء يثير جدلا فقهيا، فإن إعطاء المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الضوء الأخضر لتشريع سوق الكلى يثير أكثر من علامة استفهام.

غير أن إيران الرسمية لا تأبه كثيرا للتحفظات الأخلاقية وتشير إلى النتائج العملية “الباهرة” والمتمثلة في عدم وجود طابور طويل للمرضى الذين ينتظرون الحصول على كلية مناسبة، كما هو الحال في كثير من بلدان العالم.

ومن اللافت للنظر أن “الشيطان الأكبر” الولايات المتحدة الأميركية تبدو مهتمة كثيرا بالتجربة الإيرانية في تشريع تجارة الأعضاء البشرية.

من الواضح أن البشرية نجحت إلى حد بعيد في القضاء على النظم التي تتعامل مع الإنسان كسلعة عادية قابلة للبيع والشراء كما هو الحال في تجارة الرقيق. ولكن طغيان الطابع التجاري، الذي لم يعد يقتصر على الاقتصاد فحسب، بل وشمل مجالات أخرى مثل الثقافة والرياضة والبيئة والدين وغيرها، يهدد أيضا بدخول الكثير من العلاقات الإنسانية بطريقة تبرر الحديث عن وجود “قيمة سوقية” للحياة البشرية.

لكن هذه العملية التي تبدو وكأنها حتمية في سياق تطور اقتصاد السوق، تثير الكثير من التحفظات الأخلاقية. ومن المؤكد أن الفيلسوف الألماني إيمانوئيل كانط (1724-1804) يستحق جائزة السبق بصفته أول من قام بتأصيلها فكريا. ففي كتابه “ميتافيزقيا الأخلاق” الصادر عام 1797 نفى كانط بشكل قاطع أن يكون للإنسان سعر (قيمة سوقية)، بل واعتبر الإنسان غاية بحد ذاته ويحمل قيمة مطلقة.

ومن المثير للانتباه أن فيسلوف التنوير كانط أكد على وجود تناقض مستعص بين السعر والكرامة الإنسانية،عندما قال في كتابه المذكور “كل شي، إما له سعر أو كرامة. ما له سعر يمكن أن يوضع محله أيضا شيء ما معادل له، بينما الشيء الذي يسمو فوق السعر، ولا يوجد بالتالي معادل له، يملك كرامة”. ويضيف كانط بأن “المهارة والجد في العمل لها قيمة سوقية. في المقابل ليس للإخلاص في الوعود والالتزام بالمبادئ قيمة داخلية”. هنا يفرق كانط بشكل واضح بين قوة العمل لدى الإنسان كقيمة نسبية وبين الإنسان وكرامته كقيمة مطلقة.

ويبدو أن هذه الشعرة الدقيقة ستبقى الحصن الأخير للحيلولة دون تحول الإنسان إلى مجرد سلعة في العالم اللامتناهي للأسواق.


كاتب من العراق