أدب المدينة الفاسدة

انتقال من الأدب الخيالي إلى الواقع الحقيقي

الجديد  نرمين صلاح القماح [نُشر في 01/02/2018، العدد: 37، ص(48)]

لوحة: ساشا أبو خليل
يعد أدب الديستوبيا Dystopia، أو كما يمكن ترجمته بأدب المدينة الفاسدة أو أدب النهايات، أحد الأنواع الأدبية المندرجة تحت أدب الخيال العلمي. فمصطلح الديستوبيا هو الوجه الآخر لمصطلح اليوتوبيا Utopia وهي كلمة ذات أصل إغريقي تعود إلى الفيلسوف أفلاطون، ولكن ما هو مؤكد وثابت أن الكاتب توماس مور هو أول من استخدم مصطلح يوتوبيا عام 1515م في تسمية روايته المتعلقة بالجزيرة الخيالية.

وهنا تجدر الإشارة إلى الارتباط بين مصطلح (Utopia الإنكليزي، ومصطلحات الإغريقيين القدماء: مصطلح أوتوبوس (Ou-topos) ومعناه اللامكان، ومصطلح (Eu-topos) الذي يعني مكان الخير والفضيلة. وقد ارتبط هذان المصطلحان الإغريقيان بكتاب “المدينة الفاضلة” الذي ألفه الفيلسوف اليوناني أفلاطون، بحيث أصبح الكثيرون يربطون بين مضمون جمهورية أفلاطون وفكرة اليوتوبيا؛ حيث كان يرمز إلى المكان المثالي غير الموجود في الواقع.

فـ”اليوتوبيا”، باعتبارها مصطلحا اجتماعيا، هي أفكار متعالية تتجاوز نطاق الوجود المادي للمكان، وتحتوي على أهداف العصر ونوازعه غير المحققة، ويكون لها تأثير تحويلي على النظام الاجتماعي القائم. ومن هنا يجب التعرض لأنواع اليوتوبيات التي ظهرت في الفكر الإنساني، باعتبارها النماذج المتكاملة التي تسعى الإنسانية إلى تحقيقها:

- اليوتوبيا الفلسفية: تقوم على البحث عن قيم تجريدية قادرة على إقامة نماذج لبناء افتراضي لدولة مثل جمهورية أفلاطون ودولة المدينة لأرسطو والمدينة الفاضلة للفارابي.

- يوتوبيا الدين: وهي التي تقوم على التصوف المنهجي، أي الربط بين قوة الوسيلة وسمو الغاية، بحيث تكون قوة الطاعة في الدين هي الوسيلة للوصول إلى الغاية الأسمى والجزاء الإلهي، وتمثل فكرة “الجنة” غاية اليوتوبيا الدينية التي يسعى إلى الوصول إليها كل المتدينين على اختلاف عقائدهم، تاركين الدنيا وراءهم باحثين عن الغاية الأسمى.

- يوتوبيا الأيديولوجيا: وهي قائمة على فكرة اليوتوبيا الدينية نفسها ولكن بشكل مادي، الوسيلة والغاية، هذا النوع من اليوتوبيا هو الذي بشر بالماركسية والليبرالية وغيرها من الأيديولوجيات.

وتعتمد ثقافة “اليوتوبيا” في الأساس على “الحلم” الكامن في أعماق النفس البشرية، حلم المثالية في المبادئ، الحلم بمجتمع يزخر بأسباب الراحة والسعادة لكل بني البشر، فتأتي “الديستوبيا” أو “عالم الواقع المرير” أو “المدينة الفاسدة” كنقيض له في كل شيء.

“الديستوبيا” أو “أدب المدينة الفاسدة” هو مجتمع – خيالي أو واقعي- فاسد، مخيف، أو غير مرغوب فيه، يقع في المستقبل التأملي، يتميز بالتجرد من الإنسانية، وسيطرة الحكومات الشمولية، مجتمع يعاني من الفقر والتلوث والانهيار المجتمعي والقمع السياسي.

ويمثل القرن العشرون العصر الذهبي لأدب الخيال العلمي وفروعه كأدب الديستوبيا، ولكن يجب أن ننوه أن القرن التاسع عشر هو البداية؛ ففي عام 1863 قدم الكاتب الفرنسي الكبير جول فيرن رواية “باريس في القرن العشرين” قدم فيها باريس في عصر تتقدم فيه التكنولوجيا كثيرا وتتراجع الثقافة.

لوحة: عمران يونس

كما قدم رائد الخيال العلمي هربرت جورج ويلز روايته “آله الزمن” عام 1895، وهي مصدر إلهام للعديد من الروايات في ما بعد، حيث قدمت صورة متقنة لمستقبل بالغ الشناعة ينقسم فيه البشر إلى صنفين: الصنف الأول “مورولوك” وهم الطبقة العاملة التي تسكن الأنفاق وتحيا حياة بائسة، والصنف الثاني “الإيلوي” الذين ينعمون برغد العيش، ويعتمدون اعتمادا كليا على الآلات والتكنولوجيا، وكانت هذه الرواية بمثابة جرس إنذار مدو لكل البشر حتى لا ينساقوا لسلطة الآلة في مقابل تعاسة البشرية، لكن البشرية تتقدم في إصرار نحو هذه الصورة خاصة في تلك الفترة عصر النهضة الصناعية والتقدم التكنولوجي وانحسار الثقافة وتراجع قيمة الإنسان.

يوجد في القرن العشرين العديد من الأعمال مثل “المحاكمة” لكافكا 1925، و”عالم جديد جريء” لأدولف هكسلي 1932، لكن الرواية بالغة الأهمية، والأشهر على الإطلاق كتبها جورج أورويل عام 1949، وهي “1984” وهي تعد درة أدب الديستوبيا ذات الطابع السياسي، وقد خرجت من نطاق الخيال العلمي حاليا لتتحول إلى رواية واقعية! حتى أن أنتوني بيرجس يقول إنه كان ليفضل استخدام مصطلح Cacotopia (كان هذا المصطلح يستخدم قبل ظهور مصطلح الديستوبيا وهي كلمة يونانية يمكن ترجمتها إلى سيء أو شرير، واقترح جيرمي بينتهام استخدامه مقابلا لليوتوبيا) لتوصيف رواية 1984، فعلى حد قوله إنها تعتبر أسوأ بكثير مما تكون عليه المدينة الفاسدة.

ظهر أيضا نوع آخر من الديستوبيا في رواية “فهرنهايت 451″ لراي برادبوري عام 1953، حيث تناول فيها الديستوبيا الخاصة به من الناحية الأدبية، فبرادبوري لم يحصل على تعليم جامعي وقد علم نفسه بنفسه في المكتبات العامة، وبالتالي كان يكن الكثير من الاحترام للكتب التي أعطته الكثير وكانت رفيقته منذ الصغر، لذلك فإن جحيمه الخاص هو عالم دون كتب، عالم يستقي معلوماته من شاشات وحوائط تلفزيونية ومناهج دراسية صماء، لا مكان فيها للخيال والأدب، مما يسهل مهمة النظام القمعي الذي يوفر الحاجات البيولوجية للشعب ويحرق الكتب من خلال رجال الإطفاء الذين لا يطفئون النيران كما هو معتاد، ولكن يشعلونها في أي منزل توجد به كتب، ومن أجمل مشاهد الكتاب: حوار بين البطل وهو أحد رجال الإطفاء ومديره الذي يقنعه بالشر الكامن في الكتب.

من العرض السابق لأهم الروايات التي تحدثت عن الديستوبيا نلاحظ أن المعاناة دائما هي نقطة البداية، المعاناة هى كلمة السر في خلق عالم الدستوبيا .. أيا كان نوع المعاناة اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية أو أخلاقية أو دينية أو ثقافية أو جميعها.

الديستوبيا في ظني ليست اتجاها أدبيا فحسب، وإنما هي واقع نعيشه عبر التاريخ الإنساني، يظهر حينا فيطالب الحالمون والثوار بمجتمع أفضل على غرار المدينة الفاضلة، فتقوم الثورات وتشتعل الحروب، ومنها ما ينجح ويحقق نتائج ترتقي لوصف المدينة الفاضلة، ومنها ما لم ينجح ويتحول إلى ديستوبيا حقيقية مروعة.

في السنوات الأخيرة أسهمت عدة عوامل في ظهور الانتفاضات والثورات الشعبية في العالم العربي، على رأسها المعاناة التي عاشها الشباب (الفئة العمرية بين 15 و29 سنة) الذين يشكلون أكثر من ثلث سكان العالم العربي؛ هذه المعاناة تمثلت في الإقصاء السياسي والتمييز وجعلتهم ساخطين على الأوضاع الراهنة. وبالرغم من الثروات البشرية والطبيعية الهائلة التي تتمتع بها المنطقة العربية، لكنها شهدت في العقود الأخيرة خللا كبيرا في منظومة توزيع الثروة؛ حيث استأثرت نخب ذات ارتباط وثيق بالسلطة بمقومات الثروة، بينما هُمشت قطاعات واسعة من المجتمعات العربية. وقد تزايدت تلك الظاهرة بشكل ملحوظ مع التوجه لتبني آليات السوق والتجارة الحرة، وتراجع الدور الاقتصادي والاجتماعي للدول، مع قمع واستبداد، وغياب الحقوق والحريات، وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، مع تركيز السلطة في يد نخب بالحزب أو الأسر الحاكمة.

هذه الحالة من الاختناق السياسي الذي شهدته المنطقة العربية أدى إلى ظهور الحركات الاحتجاجية، بعضها ذات صبغة سياسية أو اجتماعية، وبعضها ذات صبغة دينية أو عرقية. ومن ناحية أخرى فشلت معظم الدول العربية في تحقيق اندماج وطني بين الجماعات الدينية والعرقية والإثنية المختلفة. وتعرضت معظم الأقليات (أو الأغلبيات المهمشة) في العالم العربي لمظاهر الإقصاء والتمييز الديني والثقافي والاجتماعي، ومع تزايد مظاهر القهر السياسي والاجتماعي تصاعد دور قوى إقليمية ودولية، داخلية وخارجية، بدأت تتحرك للمطالبة بحقوقها الثقافية والسياسية، بل بالمطالبة بالانفصال الجزئي أو الكامل عن الدولة الأم.

تصاعد دور الفاعلين الدوليين والإقليميين في السياسات الداخلية لدول المنطقة في السنوات الأخيرة مما كان له دور فاعل في عدم استقرار المنظومة السلطوية في العالم العربي، والتدخل الخارجي ليس بجديد على المنطقة العربية، ولكنه كان في فترات سابقة مرتبطا بالأساس بترسيخ النظام الإقليمي الذي وضعته القوى الاستعمارية في النصف الأول من القرن العشرين، ويدعم النظم السلطوية الموالية للغرب، ولكن في السنوات الأخيرة، دعمت قوى دولية وإقليمية مبادرات تخل باستقرار النظام العربي القائم، وقد تجلى هذا التوجه في التدخل الأميركي في الصومال، الاحتلال الأميركي للعراق، دعم مبادرات الانفصال في جنوب السودان، عزل حماس في قطاع غزة، وحزب الله في لبنان. حتى “النظم المعتدلة” تعرضت لضغوط خارجية متزايدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والربط بين الإرهاب وغياب الحريات لإدخال إصلاحات سياسية وإطلاق الحريات السياسية والمدنية.

ومن ناحية أخرى، شهدت المنطقة تصاعدا في نفوذ قوى إقليمية صاعدة، مثل إيران وتركيا، وبدأت تؤثر بشكل ملحوظ في مجريات الأمور في العالم العربي. بالنسبة لإيران، فقد تولت ريادة المعسكر المناوئ للسياسات الأميركية في المنطقة، وقامت بدعم نظم وحركات راديكالية، مثل نظام الأسد في سوريا، وحزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، والتمرد الحوثي في اليمن، مما دفع بعض الباحثين للحديث عن بداية حرب باردة في المنطقة بين المعسكر الراديكالي بريادة إيران وسوريا، والمعسكر المعتدل بريادة مصر والسعودية، مدعوما من الولايات المتحدة الأميركية. وقد عزز هذا الصراع قدرة الحركات الراديكالية على تحدي السلطة المركزية وتأسيس جماعات منظمة ومسلحة تتمتع بقدر من الاستقلال الذاتي والمالي.

كل هذه العوامل ساعدت بشكل أو بآخر في بناء عالم الديستوبيا الأدبي في الواقع المعيش في العديد من المناطق في الوطن العربي؛ فلسطين أصبحت ديستوبيا صنعتها إسرائيل أمام نظر العالم أجمع ولا يحرك ساكنا منذ عقود ولن يتحرك، سوريا تحولت إلى ديستوبيا حقيقية تعاني الحرب والخوف والتجويع والتشرد، جحيم حي على أرض الشرق الأوسط، تدخلات وتحالفات دولية لمحاربة الإرهاب، سوريا تحولت لأرض يتنافس عليها الدعم الروسي والتحالف الأميركي، تمت إبادة أكثر من 300 ألف من الشعب السوري، الملايين من المشردين تدفقوا إلى أوروبا والدول الأخرى، قتل وتعذيب وامتهان للكرامة الإنسانية، واعتقال عشوائي، ومنع قوافل الغذاء والدواء من منظمات الإغاثة الدولية، واستهداف لصحافيين، وقصف مدارس ومستشفيات، واستخدام الأسلحة الثقيلة والكيماوية ضد شعب أعزل. سوريا لم تعد قطرا عربيا، سوريا تحولت إلى ديستوبيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

لو كان القرن العشرون هو العصر الذهبي لأدب الديستوبيا، فيمكننا القول إن القرن الحادي والعشرين هو العصر الذهبي للديستوبيا الحقيقية المتجسدة على أرض الواقع، ديستوبيا الدول الفاسدة، ديستوبيا الحرب والدمار.


أكاديمية من مصر