جدي حبّوب

الجديد  حجاج أدّول [نُشر في 01/02/2018، العدد: 37، ص(52)]

لوحة: محمد خياطة
غضبت غضبة طفلة عنيدة عمرها لم يتخط الثامنة من عمرها. اسمي أمل. بيتنا فيلا في حي راق، أنا وأختى ووالدينا. غضبت ولي الحق. اتصل بنا العجوز الذي بلغ السبعين من عمره ومازال يخدم جدي. يؤكد أنه لن يستطيع البقاء في خدمة جدي الذي بلغ الخامسة والثمانين من عمره. جدي يعيش في شقته التي تزوج فيها وأنجب وربى أولاده حتى تزوجوا وانتقلوا لمساكنهم الخاصة. توفيت جدتي من عشر سنوات، وجدي مصمم على البقاء في تلك الشقة وعدم الانتقال ليعيش مع ابنه أو مع إحدى بنتيه. العجوز الذي خدم أبي سنوات، مصر على الانسحاب وترك جدي، يقول إنه صار يحتاج لمن يخدمه. ينصح أبي بعدم ترك والده يعيش وحده. فمن بلغ الخامسة والثمانين عليه أن يبقى وسط عائلة.

اجتمع الأبناء الثلاثة في بيت الجد، ابنتاه الكبيرتان وأبي أصغر الأبناء. معهم عدد من أولادهم. صرنا زحاماً في شقة جدي. أنا مع الأطفال من عمري، أشبعنا الشقة لعباً وشقاوة مع صياح مزعج. الأكبر منا قليلاً ومن بينهم أختي نجلاء، كانوا يتراهنون لأيّ من بنتيه سيذهب جدنا ليبقى معها. الرهان كله على ابنته الكبرى صفية، ثم ابنته الثانية ذكية. أما ابنه الأصغر وهو أبي عبدالله فهو مستبعد من الرهان. الجد يحتاج لرعاية ابنة وليس ابناً، وزوجة الابن لن تكون في خدمة حماها مثلما ستفعل إحدى بنتيه. صفية قلقة فوالدها سيكون عبئا عليها، شقتها ليست بالاتساع الكافي، ومعها خمسة أبناء يدرسون من الإعدادية وحتى الجامعة. ذكية مرعوبة. زوجها سيء الطبع ولا يطيق أباها، وهدد إن اختار العجوز البقاء مع ذكية، سيترك هو البيت. هذا ما عرفناه فيما بعد. أمي حضرت هذا اللقاء، فهي تحب جدي منذ أيام خطبتها لأبي.

أبي وأمي سوسن وعمتيّ صفية وذكية حول جدي. أراقب جدي من بعيد. طويل نحيف دقيق الملامح. شعره الفضي مهوش في فوضى، وخصلة منه تستلقي على جبهته البيضاء المُحمِرّة. أنيق في قميصه الشبابي وبنطاله اللين. يقف وسطهم وهم جلوس. تعبيرات وجهه غير راضية، حزين إنه مضطر لترك شقته.

أمي هادئة، لكن أبناءه الثلاثة ينظرون إليه في ترقب قلق. صفية متوترة وذكية أكثر توتراً. جدي ابتسم ابتسامة تحوي ضيقاً، معلناً بابتسامته إنه قد قرر الاختيار مضطراً. نحن الأطفال ومن هم أكبر سناً، نراقب من بعيد لنسخر من تلك التي سيعلن جدي الذهاب إلى بيتها. قال جدي..

- سأذهب لبيت سوسن.

لم يستوعب أبناؤه ما قال، ولا سوسن استوعبت. في ظنهم ربما يحاول السخرية منهم، أو اشتبه عليه اسما بنتيه. أو.. أو. لكنه يقصد ما قال.. سأذهب لبيت سوسن! فلا وألف لا. أنا وأختي صمتنا في ضيق. أبناء عمتينا فرحوا وشمتوا فينا. الأربعة الكبار حول جدي، تأكدوا أنه يقصد بيت سوسن. لم يقل بيت عبدالله ابنه، بل سوسن زوجة ابنه! شاهدنا أمي وهي تقوم وتحتضن جدنا وتقبل رأسه فرحة بقراره. كيف؟ وادعت عمتانا صفية وذكية الغضب أن أبيهما تجاهلهما. هما تحبانه حقيقة، لكنهما تخشيان من متاعب أسرتيهما.

في سيارة أبي ونحن عائدون لبيتنا، بقينا صامتتين أنا وأختي. وفي البيت صرنا في لوم لأمنا بدون كلام مباشر. لكن من تقطيب جبيننا. وتناولنا لعشاءنا شطائر جبن حتى لا نأكل على المائدة مع والدينا. كانت تلك مؤشرات فهما منها أننا في حالة عصيان. أمي تبتسم غير آبهة بما نفعله. أبي وضح عليه غضبه منّا، لكننا لم نأبه بغضبه. ونحن ذاهبتان لحجرتي نومنا، نادانا أبانا. جالس ونحن واقفتان أمامه. قال في جديّة قليلاً ما يحدثنا بها..

- غدا سيأتي أبي ليعيش معي. ليعيش مع ابنه. مع ابنه الذي أنجبه ورباه حتى صار ابنه في مركز كبير بين الناس. وأنتِ يا أمل. ستتركين حجرتك وتنضمين لحجرة أختك. اذهبا وتصبحان على خير.

قبل أن أنام بكيت بكاءً حاراً. لكمت وسادتي لكمات هائلة. أيأتي لنا هذا العجوز ويعيش معنا، ويربك ما تعودنا عليه؟ أليس من الأولى أن يذهب لإحدى ابنتيه؟ كيف يختار أمي؟ وأيضاً ينتزع مني حجرتي؟! هذا ظلم. هذا حرام. غدا سأشبع أمي لوماً لتبلغ لومي لأبي.

جاء جدي وسط عدد من جيرانه في بيته الأصلي، ميكروباس محشود بالرجال والنساء والأطفال. خرجوا من الميكروباس يودعونه في حرارة وبأصوات عالية، يقبلونه ويضاحكونه، حتى أن بعض الفيلات من حولنا، نظروا من خلف نوافذهم متعجبين، ففي منطقتنا هذه، الهدوء يفرض نفسه. والدي ابتسم لهم وشكرهم ودعاهم لدخول فيلته، فرفضوا محرجين.

استولى جدي على حجرتي. مائدة الطعام الكبيرة تصدرها جدي. أبي ترك له مكانه وجلس على يمينه. وعلى شمال جدي تجلس أمي ثم أنا، أما أختي نجلاء، فهي على يمين أبي. التوتر أحاط بنا جميعاً رغم أنف أبي وأمي.

تبدلت أحوال بيتنا، هل لم تتوقع أمي هذا؟ تغيرت أنواع الأطعمة وطرق الطبخ حتى تناسب معدة ومزاج جدي. وأنا وأختي نجلاء مازلنا ضد الجد ولم نستسلم للأمر الواقع. صباح يوم باكر. أنا وأختي في ملابسنا الداخلية ومازلنا لم نرتدي ملابس المدارس، إذا بباب الحجرة يُفتح ويطل منه وجه جدي! أنا وأختي خبأنا جسدنا الطفولي شبه العاري بما لحقت به يدانا من قطع الملابس. صحت فيه..

- أقفل الباب.

لم تفارقه ابتسامته وهو يغلق الباب ويعود من حيث أتى. شكوت لأمي.. كيف لا يطرق الباب كما يفعل أبي؟ حتى أنت تطرقين على الباب ولا تدخلين عنوة! ابتسمت أمي وأوجدت له عذراً! لقد صارت سوسن أماً لجدي قبل أن تكون أماً لي أنا وأختي!

وكأن جدي أحس، لا. بل هو أحس بأن حفيدتيه أمل وجيهان لا يستريحان له، فقرر التغيب من البيت لأطول وقت ممكن. بمجرد أن يتناول إفطاره وحده، هذا ما صمّم عليه، يخرج من فيلتنا. يرتدي بنطالا خفيفاً وتي شيرت ناصع. وعلى رأسه كاب برفرف أمامي يحميه من الشمس، وفي قدميه حذاء رياضي. يسير في الطريق الهادئ المعشب على جانبيه. يلقي تحية الصباح بصوت عالٍ على كل من يقابله، لا يهم أنه لا يعرفه. لا يهم كبيرا كان أم صغيرا رجلا أم امرأة. لا يهم أن منطقتنا هذه بالغة الهدوء ولا تتداخل عائلة بأخرى، فليس بينهم سوى هز رأس سريعة، أو تحية مقتضبة إن تلاقت أعينهم.

يصل للسوق. هناك المقاهي ومحلات السوبر ماركت والخضروات والفاكهة والصيدليات وغيرها، كل ما يحتاجه السكان في هذا السوق، بالإضافة لمستشفى صغير وناد متوسط الاتساع. يعود جدي وقت الغداء وهو محمل بأكياس فاكهة متنوعة. أمي طالبته أكثر من مرة ألا يشغل نفسه بشراء أي شيء. يسمعها مبتسماً وهو يهز رأسه موافقاً، وفي اليوم التالي يأتي بالفاكهة! أبي يضحك فيضحك جدي، ولا يأبهان بعبوسنا أنا وأختي.

لوحة: كمال إسحق

أسبوع مضى. لم يعد جدي يتناول الغداء معنا. يبقى في السوق ويأكل في أحد المطاعم. أو يتناول شطائر في أيّ مقهى ويأتينا متأخراً. يشاهد التلفاز ويتناول علبة زبادي وفاكهة وينام. حقيقي.. كنت أنا وجيهان سعيدتان لابتعاد جدنا عنا.

شهران والشتاء أتانا في أشدّه. جدي لم يتبدل، فقط ملابسه تبدلت. صارت أثقل. وإن أمطرت يوماً، عنده معطف مطر. لكن لم يتوقف عن ترك الفيلا صباحاً والعودة عصرا أو في مغرب الشمس، ولا يتوقف عن تحية كل من يقابله. التلفاز ثم علبة الزبادي والفاكهة والنوم.

انتهى العام الدراسي. بدأنا التعود على جدنا. نتقبل منه صباح الخير ونجيبه. لكن أنا لم أنس حجرتي المغتصبة، قاومت فكرة خبيثة. فكرة شيطانية.. سيموت جدي قريباً، وسأعود لحجرتي، وتعود أمي صافية لنا أنا وأختي وأبي. نذهب أنا وجيهان للنادي نلعب أكثر من لعبة. جدنا يراقبنا من بعيد. يفرح لتفوقنا ويصفق لنا، لكنه لا يقترب منا. يحيينا بإشارات من يده وقبلات على الهواء.

عام دراسي. وصيف. وعام دراسي وصيف. في العام الرابع لتواجده عندنا، كبرنا ودخلت أنا المرحلة الأولى إعدادي مشاركة لجيهان التي في السنة الأخيرة من نفس المرحلة. بدأ جدنا في إتيان أمور غريبة. صار كثير النسيان. كثير الابتسام في بلاهة. كثيراً ما ينادي أمي سوسن باسم إحدى بنتيه صفية أو ذكية، ثم امتنع عن ذكر اسميهما وصار ينادي أمي باسم خديجة! من هي خديجة؟ إنها زوجته. جدتنا التي ماتت من حوالي خمس عشرة سنة! عندما يخرج من الفيلا صباحاً، يكون في أناقته المعهودة التي لا تنازل عنها. ربما ظهره انحنى قليلاً وبرز له كرش صغير. مشيته لم تعد رشيقة كما السابق. وربما ينسى أن يتناول إفطاره. إلا إذا كانت أمي لم تذهب لعملها بعد وأصّرت على إطعامه.

يبقى جدي في السوق طويلاً، ولا يعود عصراً أو مع الغروب. إن كان أبي قد عاد من عمله، يذهب باحثاً عنه في السوق. يعود به ليلاً. أبي غاضب يلوم جدي على تأخره، وجدي يبتسم غير مبال به. وإن كان أبي قد تأخر في العودة، تذهب أمي وتعود به، لكنها لا تبدي غضباً، بل تضاحكه وهو يضاحكها سعيداً بخديجة! انتهى الأمر. صارت أمّي سوسن هي خديجة عنده. وأبي سعيد بهذا وأمّي أكثر سعادة! تجرأت أختي وقالت إن أبي وأمي أبلهان فيما يخص جدي. وافقتها. ورغم هذا بدأنا أنا وجيهان نحب جدنا! ونسيت حجرتي المغتصبة. ويوم أن مرض قليلاً. كنت أنا بجانبه أناوله دواءه. فماذا فعل؟ كان راقداً. اعتدل واحتضني وقبّلني ثم عاد لرقاده سعيداً. فملت أنا عليه وقبلته. لم أكن أعلم أن أمي سوسن تشاهدنا. قبل أن أنام قبلتني أمي أنا وجيهان وهي تدمع. قالت أنا سعيدة بكما وفخورة. وفي الصباح كان وجه أبي منيراً فرحاً بنا واحتضننا وقبلنا. ذهبنا لمدرستنا ونحن سعيدتان بجدنا وبأمنا وبابينا.

أبي عاد بأبيه ذات ليلة وهو غاضب أشد الغضب. جدي لم يعد يحمل نقوداً معه، ينسى، حتى وإن وضعت أمي النقود في جيبه دوماً، يذهب إلى السوق ويأخذ ما يريد ولا يدفع. يشرب أكثر من مشروب في المقاهي ولا يدفع! أبي دار على كل المحلات والمقاهي التي يتردد عليها أبي، وطالبهم بكتابة حساب ما يأخذه جدي، وهو سيأتيهم مساء كل يومين أو ثلاثة ليدفع ما يكتبونه. أبي يحكي لأمي.. أن جدي صار علامة من علامات السوق المفرحة. يتحدث مع الجميع والجميع يحبونه. حتى أن صاحب محل وصاحب مقهى رفضا كتابة حساب جدي، قالا إنهما يحبان جدي وكأنه أب لهما! أصر أبي على الدفع. ليلاً أنا وجيهان وجهنا لوماً لأبينا.. كيف يغضب جدنا! فابتسم ثم ضحك. أفهمنا أنه يدعي الغضب حتى يقلل جدنا من تماديه. وأكد لنا أن جدنا يعلم أن ابنه يمثل عليه الغضب، لذلك يستمع لكلمات اللوم ويضحك. فضحكنا أنا وجيهان وتوجهنا لحجرتنا.

تابعته أمي يوماً. تعجبت وحكت لنا ليلاً.. جدي لم يعد يكتفي بتحية من يقابلهم بالكلمات، يقف ويقفون ليصافحونه مرحبين مبتسمين وهو أكثر ابتساماً. كلما رأى أحدا يخرج من فيلته متجهاً لسيارته أو عائداً، يصيح مصبحاً عليه ويجيبه الآخر. في السوق يتناول ما يعنّ له من كل المحلات. يضاحك البائعين المشترين ويلاعب الأطفال، ويصرّ على مصاحبة شيخ الجامع لرفع الأذان ويبقى داخل الجامع فترة، ثم يبقى معه وقتاً يستمع له بجوار القبلة. يخرج راضياً وينتشر في السوق، يضاحك الجالسين في المطاعم، وأحيانا يجلس بجوار عائلة ويتناول من طعامهم وهو يشجعونه ويطلبون مزيداً مما يرغب فيه جدي. وهكذا في المقاهي. يصر الكثيرون على أن يبقى معهم جالسين أو واقفين ليحكي لهم عن سنوات زمان، وأشهر النوادر التي حدثت له خاصة مع النساء والفتيات. يبدي إعجابه بجمال امرأة أو فتاة، ولا تغضب منه أيّ منهن ولا يغضب منه الزوج أو الأخ أو الابن أو الخطيب. الكل يبتسم أو يضحك.

أنا لم أقل اسم جدي، اسمه كمال. لكن اسمه صار في السوق وعند الجيران حبّوب! الكل يناديه حبّوب. أحد أبناء أسوان العاملين في المقهى تعود أن يناديه هكذا.. حبّوب. فانتشر هذا الاسم وصار اسمه الحقيقي، راضين به وهو راضٍ.

بإلحاح من حبّوب، زارتنا عدّة عائلات. وبإلحاح منه أيضاً، زارنا جرسون مقهى وبائع في سوبر ماركت وسيدة تعمل في نظافة محمل. وأبي وأمي ردا عددا من الزيارات لتنشأ علاقات بين عائلات الفيلات، وهذا حدث نادر. وبالطبع أنا وجيهان صارت لنا صداقات غير صداقات الدراسة والنادي.

بدأنا أنا وجيهان ليس فقط نحب جدنا، بل صرنا في ولَه به. لا بد أن نداعبه صباحاً ونصر على أن يتناول إفطاره معنا. وحين يتأخر في السوق، أنا وجيهان اللتان تذهبان للعودة به، لا يهم أن نترك مذاكرتنا. في السوق نتحادث مع الذين حوله مؤكدتان أننا حفيدتا حبّوب. هكذا.. حبّوب بدون أي لقب كما ينادونه في السوق وكما يناديه الجيران، خاصة الفيلا التي بجوارنا، وفيها الأرملة سميحة وبنتاها اللتان تكبران أختي جيهان. والفيلا التي أمامنا وفيها يوسف وزوجته تريزا وابنتهما ماري. يصر جدي على إلقاء السلام عليهم وبيان أن بنتي سميحة تكبران وجمالهما يزداد. وماري قاربت أن تنافس أمها تريزا في الحلاوة. وكلهم في انبساط بمشاغباته. يحتضننا ويبيّن لمن حوله كم نحن ذكيتان متفوقتان في الدراسة والرياضة، وكم نحن نساعد أمنا ولا نغضبها ولا نغضب أبانا. نعود معه هو وسطنا ونحن على جانبيه. نمسك بيديه أو نشاغبه دغدغه. يعود مصطنعاً فتوّة الشباب ويغنّي بصوته الأجش أغاني الحب وأغاني الأطفال حسبنا يرغب، ونغنّي معه بقدر ما نستطيع، ثم يسابقنا للبيت ونتركه يسبقنا. وإن قابلنا سمّوحة كما يناديها، أو إحدى بنتيها، يضاحكهما. وإن شاهد باب فيلا يوسف مفتوحاً ينادي تريزا يلقي السلام على من يظهر منهم.

أمي سوسن أتت بجدي بعدما تعبت بحثاً عنه. كان في الكنيسة. يجلس صامتاً هادئاً. وجدته مشهوراً هناك. وهي عائدة به قال لها..

-اسمعي يا فاطمة. اطبخي لي طاجن بالسمك. طاجنك السمكي رائع.

قال أبي إن فاطمة هي جدته، أم أبي.

فاكهتنا أنا وأختي هي حبّوب. حبيب أمّي المدلل هو حبّوب. فخر أبي هو حبّوب. حبيب الناس من حولنا وحبيب السوق كله.. حبّوب. كيف فعل هذا؟ إنه عجوز منطلق فطري محب للجميع. لكن الزمن لا يترك حالا على حاله.

أحداث مؤسفة حدثت في أطراف المدينة بين مسلمين ومسيحيين. القسوة كانت على المسيحيين. يومها زار حبّوب الكنيسة. وعاد وحده غير راض. وعند المغرب مع توالي الأخبار غير الطيبة، وجدنا جرس الباب. فتحنا كانت تريزا بوجه حزين تسأل..

-أين حبّوب؟

كان جدي يحمل علبه الزبادي في صالة البيت. رأته ورآها. اتجهت إليه مباشرة واحتضنته بقوة. ثم تركته وعادت خارجة ودمعات صافية تبلل خديها. في الصباح وقبل موعده المعتاد، خرج حبّوب متجها رأسا لفيلا يوسف. دخل عليهم وقال..

-صباح الخير. أنا لم أتناول إفطاري.

تناول إفطاره معهم، ثم خرج متجها إلى السوق.

عدنا من ساعات الدراسة. نادتنا ابنتا سميحة. الحزن على وجهيهما ووجه أمهما. حبّوب تعب فجأة وأدخلوه مستشفى الحيّ، ومن هناك أخذه ابنه إلى مستشفى كبير في المدينة. قالت سميحة إن أمنا سوسن شدّدت على بقائنا مع بنتي سميحة. أتتنا ماري. في المغرب أتى حبّوب في سيارة إسعاف. حشد من الناس خارج الفيلا والازدحام داخلها. المقيمون في الحي والعاملون فيه، فكلهم يعرفون بعضهم، والكل قلق يدعو لحبوب بالشفاء.

قبل منتصف الليل انصرف الجميع على أن يأتوا ليطمئنوا عليه صباحاً. في الداخل معنا سميحة وبنتاها ويوسف وتريزا وماري. قبل منتصف الليل أصرت سوسن أن يذهب كل منهم إلى بيته ليستريح. وأنا وجيهان كنا متماسكتين كما أمرنا والدانا، نبتسم كذباً لحبّوب وهو يرد ابتساماتنا المشجعة بابتسام رضا. طلب كوبا من أمي وقال لها..

-شكرا يا سوسن!

غلبنا النوم فذهبنا إلى حجرتنا. وفي الفجر استيقظنا فزعتين على بكاء أمّنا العالي. أسرعنا لحجرة حبّوب. أبي يكفكف دمعاته. مات حبّوب.


كاتب من مصر