ولع قديم لا ينتهي في السينما والأدب

من المفروغ منه أن السينما اعتمدت ومازالت في قسم كبير من أفلامها قد يصل إلى الثلث أو ربما أكثر، على أعمال أدبية أو كتب منشورة تعتمد بالطبع على الكلمة المكتوبة. لكن الأفلام السينمائية المقتبسة عن أعمال أدبية ليست هي بالضرورة الأفلام الأفضل لمخرجيها بل ربما الأقل مع استثناءات قليلة بالطبع. (سايكو هيتشكوك، “رفاق طيبون” سكورسيزي”، “سفر الرؤية الآن” لكوبولا، “ران” لكوروساوا (عن الملك لير).. وغيرها.

الجديد  أمير العمري [نُشر في 01/02/2018، العدد: 37، ص(70)]

لقطة من فيلم 'برسونا' أو القناع لانعمار برغمان
ارتباط السينما بالأدب منذ ظهور الفيلم الناطق وحتى اليوم، لا شك أنها تثري السينما، تماما كما يصح القول بأن السينما تثري الأدب، لكن السينما أيضا تثري نفسها بنفسها من خلال علاقتها المتشابكة والمتعدّدة بالفنون البصرية والتعبيرية الأخرى مثل الرسم والفن التشكيلي والعمارة والرقص والباليه والأوبرا والموسيقى والتصوير والمسرح.

تعتمد لغة الأدب على الكلمة، بينما تعتمد السينما على الصورة بالدرجة الأساسية حتى مع وجود الحوار، فتطوّر أحداث أيّ قصة في السينما يجب أن يتم عن طريق مشاهد مجسّدة ولقطات تتكوّن منها هذه المشاهد، ومواقف يتم تجسيد “النص” السينمائي فيها من خلال الصورة والحركة والأصوات والزوايا والمونتاج والتمثيل المباشر الذي لا يترك مجالا لصور متخيّلة عند المشاهد عن الشخصيات المختلفة يمكنه أن يخلق صورها في ذهنه كما يحدث عند قارئ الأدب الروائي والقصصي مثلا.

لكنّ السينما اقتبست الكثير من الحيل المستخدمة في الأدب مثل التشبيهات والاستعارات والمقارنات والتعبير عن المشاعر الغامضة الملتبسة من خلال تداخل الصور واستخدام لقطات دخيلة (متخيلة) أحيانا تأتي من خارج المكان والزمان أي تكسر وحدة الزمان والمتن والحدث (التقاليد الأرسطية التي حددها أرسطو في كتابه الشعر وهو في الحقيقة عن المسرح).

ويكفي مثلا أن نتأمل ما لجأ إليه برغمان في فيلمه الشهير “برسونا” (أو القناع) الذي كتبه مباشرة للسينما دون الاستناد إلى أصل أدبي، لكنه ارتفع به بحيث يتجاوز أرقى أعمال الأدب والفكر. فبرغمان يضمّنه تأملاته الفلسفية والروحانية وأفكاره الخاصة عن الحياة والموت، عن الإنسان والفن، وعن العلاقة بين الماضي والحاضر، وعن فكرة النفس البشرية وكيف يرى الإنسان صورته في الآخر. وقد استخدم برغمان فيه الكثير من الحيل الأدبية المستخدمة في الأدب مع الاقتباس من تجربته المسرحية الطويلة، ولكن في سياق سينمائي بصري أصيل بحيث أصبح من الممكن القول إن السينما نجحت في أن تخلق أدبها الخاص أيضا.

تستخدم السينما أيضا فكرة الروائي الذي يقصّ روايته على القرّاء ولكن بعد أن تجعل من “الكاميرا الموضوعية” التي تنتقل بين الشخصيات والأحداث، هي عين المؤلف أو الراوي الذي يروي القصة وينتقل في ما بين شخصياتها وأحداثها. هنا يمكن اعتبار الكاميرا ضمير المؤلف أو في هذه الحالة المخرج (صانع الفيلم) الذي ينتقل في ما بين الشخصيات وكأنه يعرف عنها كل شيء لكنه يتوقف أمام ما يخدم الحبكة فقط، ويلخّص أحيانا أو يختصر لكي يصل إلى الهدف من خلال شكل السرد الذي اختاره.

لكنها تستخدم الكاميرا أيضا من عين شخصية معينة محددة من داخل الفيلم هي التي تروي الأحداث من وجهة نظرها، على غرار رواية- وفيلم- سكوت فيتزجيرالد (غاتسبي العظيم مثلا)… أو كما في فيلم “رفاق طيبون” The Goodfellahs لسكورسيزي وهو بدوره مقتبس عن رواية نيكولاس بيلليجي.

اعتمد كوبولا في "سفر الرؤية الآن" على رواية جوزيف كونراد بتصرف كبير

ويمكن للفيلم أن يُروى من خلال وجهات نظر عدة أو شخصيات متعدّدة كما نرى في واحد من أكثر الأفلام أصالة في تاريخ السينما وهو فيلم “المواطن كين” لأورسون ويلز وهو مكتوب مباشرة للسينما، أو فيلم “راشومون” لكيروساوا المقتبس عن مجموعة قصص قصيرة.

في الرواية يمكن أن تتحدّد علاقتنا بشخصية الراوي الذي يروي لنا الأحداث باستخدام الكلمات، اعتمادا على ما يقدّمه من أوصاف لمشاعره وأحكامه على الآخرين من حوله بل ومن خلال أسلوبه في استخدام “اللغة” التي يكتب بها. أما في الفيلم فأيّ سيناريست أو مخرج يتصدّى لتحويل الرواية إلى السينما، يريد أن يجسّد أفكار الشخصية التي تروي وتتأمل وتفسر وتصدر الأحكام من خلال مشاهد محدّدة وصور وأسلوب في تعاقب الصور مع إضافة جميع المؤثرات التي تجعل المشاهد يقتنع بفكرة (الإيهام بالواقع) أي أنه يشاهد شيئا يمكن أن يحدث في الواقع مهما كانت الشيفرة الخطابية المسبقة بين السينمائي والمتفرّج قد ترسّخت وأصبحت لها تقاليد متعارف عليها ولغة خاصة مستقرّة بين الطرفين.

هناك أيضا الفيلم الذي يظهر بطله وهو يواجه الكاميرا مباشرة، يروي القصة من وجهة نظر ذاتية، يتوقف ثم يعود في ما بعد ليستكمل الحكي ويعلق ويشرح بل ويقدّم أيضا الشخصية التي سيتعامل معها في موقف تال كما رأينا في الفيم البريطاني الشهير “الفي” الذي أنتج مرتين.. وفي السينما العربية أشهر هذه الأفلام “عمر قتلاتو” الجزائري للمخرج مرزاق علواش. وهذه الحيلة بصرية تماما وخاصة بالسينما وليس باستطاعة الأدب أن يأتي بمثلها.

التلاعب بالزمن

مثلا أصبح من المتعارف عليه أن يقبل المتفرج اختصار حدث وقع في سنوات (الحرب العالمية مثلا) في ثوان معدودة على الشاشة من خلال تعاقب الصور الصامتة (مع موسيقى) باستخدام ما يعرف في لغة السينما بالفوتومونتاج.

صار متعارفا عليه أيضا أن ينتقل الفيلم في الزمن ليقفز إلى الأمام من دون أن يمرّ بمراحل التطور الطبيعية التي تحدث في الواقع. كما أن المتفرج يمكنه أن يقبل التطلّع إلى الشخصيات في مشهد أو أكثر عبر جدار وهمي لم يعد قائما بعد أن حلّت محلّه الكاميرا مثلا أو من قاع بئر أو من أسفل قطار، أو من زاوية مرتفعة كثيرا.. وكلها تقنيات أو وسائل فنية مصطنعة ورغم غرابتها وبعدها عن “التأثير الواقعي” إلا أنّ المتفرج يقبلها ويفهمها يتعامل معها، فليس من الممكن على سبيل المثال الاستماع لشخصين يتحدثان وهما يسيران معا على مسافة بعيدة تماما أو وهما داخل سيارة تنهب طريقا صحراويا ونشاهدها من بعيد في لقطة عامة مثلا، لكن هذا مقبول في السينما وله استخداماته كما له جمالياته الخاصة أيضا. هذا التصوير ليس من الممكن العثور عليه مثلا في أعمال الأدب. فالسينما تجسّد الواقع (السينمائي) بطريقتها وطبقا لتقنياتها. وكل الواقع في السينما هو واقع سينمائي افتراضي فالسينما ليست فن الواقع بل الإيهام بالواقع والمتفرّج يعلم هذا ويتقبّله. وهي في الوقت نفسه فن التلاعب بالزمن كما سبق أن شرحنا.

الرجل الذي يكتب على جسده في "ميمنتو"

بعيدا عن التقنيات ووسائل التعبير عن تعاقب الزمن يعتمد التلاعب بالزمن أساسا على شكل السرد، أي الطريقة التي يدفع بها الكاتب والمخرج الأحداث. لدينا مثلا فيلم “ميمنتو” (2000) لكريستوفر نولان وهو مأخوذ عن قصة قصيرة تدور حول رجل يبحث عن قاتل زوجته لكنه يسجل كل ما يقابله على جسده أو في أوراق صغيرة لكي يقاوم فقدانه الذاكرة: هنا يصوغ السيناريو (الذي كتبه نولان) الأحداث التي نشاهدها من خلال خطين متوازيين، الأول خط هابط يسير من النهاية إلى الأمام، أي يروي القصة من نهايتها، والثاني يسير حسب خط صاعد. ولكن الاثنين لا يصوّران نفس الأشياء تماما. هذا السياق المركّب لا يفقد التشويق رغم ذلك، والإثارة بل يبقي المشاهد منتبها طوال الوقت لمعرفة ما الذي سيحدث أو ما الذي حدث رغم أنه قد شاهد بالفعل نهاية الموضوع.

يمكن القول أيضا إن العلاقة بين السينما والأدب كانت دائما محل تساؤل ومقارنة وخلافات قد تصل إلى القضاء أيضا، أي الخلاف بين المخرج والمؤلف الأدبي. فكثيرا ما يتهم الكثيرون المخرج بالخروج عن أو مخالفة النص الأدبي وعدم الالتزام بما جاء فيه. بينما الطبيعي أن المخرج يستفيد من الأفكار والصور الأدبية، ويهضمها ويستوعبها في عقله ووجدانه وخياله ثم يقدّم رؤيته الخاصة التي قد تختلف تماما عن رؤية الأديب، خاصة لو صاغها في بناء فني يختلف عن البناء الأدبي. وهذا أمر مشروع تماما في الفن، فرؤية السينمائي تتدخل في صياغتها عناصر أخرى ترتبط بتجربته الشخصية في الحياة، بثقافته وخبراته الخاصة، بنظرته للفن: مغزاه وأشكاله، وبطموحه السينمائي وأسلوبه الخاص في استخدام عناصر السينما أيضا. هذا على سبيل المثال ما برع فيه سيّد دراما التشويق السينمائية ألفريد هيتشكوك. وفيلمه الأشهر “سايكو” الذي يستند إلى رواية أدبية للكاتب روبرت بلوك الذي كتب أيضا سيناريو الفيلم وترك لهيتشكوك حرية التعامل مع النص السينمائي كما يرى. وكان هيتشكوك دائما ما يُملي على كتّاب أفلامه الأفكار التي يريدها ويقترح عليهم بعض المخارج والأحداث كأن يقترح مثلا الطريقة التي يقتل بها أحد الأشخاص ومكان الجريمة أو مكان المطاردة في ما بعد (داخل مسرح مثلا أثناء حضور الجمهور عرضا مسرحيا) وغير ذلك، وكان يتناول النص لكي يحوّله إلى صور بأطوال دقيقة وأحجام محددة للقطات، وزوايا التصوير ووضع الشخصية داخل الكادر أي أنه كان في الحقيقة يخلق أدبه السينمائي الخاص.

والكاتب الروائي الجيّد هو من ينظر إلى الفيلم المأخوذ عن رواية له باعتباره عملا مستقلا قائما بذاته ينتمي إلى جنس آخر مختلف له لغته الخاصة. هذا على سبيل المثال ما كان يفعله نجيب محفوظ في نظرته للأفلام التي اقتبست عن أعماله وهي كثيرة.

في مصر

في مصر ساهم الازدهار الكبير الذي شهده الحقل الأدبي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، في تطوّر تيار الواقعية في السينما المصرية. وكانت لروايات الأديب الراحل إحسان عبدالقدوس على وجه الخصوص جاذبية كبيرة لدى مخرجي الأفلام الاجتماعية. ففي سنوات الخمسينات طرحت روايات عبدالقدوس مشاكل وقضايا مرحلة الانتقال من مجتمع ما قبل الحرب العالمية الثانية بقيمه القديمة، إلى مجتمع جديد يواجه الماضي بنوع من التمرّد.

هنا برزت قضايا المرأة وتعليم الفتيات وأحلام الشباب المتطلّع إلى مجتمع أفضل، وموضوع الكبت الاجتماعي والنفسي، والتطلّع إلى الصعود في المجتمع الجديد، وغير ذلك من القضايا والموضوعات التي تبناها إضافة إلى إحسان عبدالقدوس، كتّاب آخرون مثل يوسف السباعي ويحيي حقي وصبري موسى وعبدالحميد جودة السحار وصلاح حافظ. غير أن الواقعية في الأدب والسينما ارتبطت كثيرا بأعمال نجيب محفوظ.

نقل نجيب محفوظ السينما من مرحلة “الحدوتة” المسلية الى القصة المحكمة ذات الدلالات الاجتماعية والسياسية، كما في “اللص والكلاب” و”ميرامار” و”ثرثرة فوق النيل”، وإلى مجال الأفكار الإنسانية والفلسفية الكبرى كما في “الطريق” و”الشحّاذ” و”قلب الليل”.

انتوني بيركنز في لقطة من فيلم "سايكو" لهيتشكوك

وقد لعب محفوظ دورا رائدا في إثراء السينما المصرية عندما عمل منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي كاتبا للسيناريو، سواء من خلال السيناريوهات التي كتبها للسينما مباشرة، أو قام بإعدادها عن رواياته، أو قام غيره من كتّاب السيناريو بإعدادها عن أعماله الأدبية. وتعاون نجيب مع المخرج صلاح أبوسيف نتج عنه عدد من أفضل أفلام السينما المصرية التي ارتبطت بالواقعية مثل “درب المهابيل” (1955) لتوفيق صالح و”الوحش” (1954) و”شباب امرأة” (1956) و”بداية ونهاية” (1959) لصلاح أبوسيف. ولا شك أن نجيب محفوظ أفاد صلاح من الناحية الفكرية والأدبية وأثرى خياله بأفكاره المستمدة من الواقع، من تجاربه ومشاهداته الخاصة ودفعه إلى التعرّف عن قرب على ما يجري في الشارع وتسجيل ملاحظات يمكن أن تفيده في أفلامه في ما بعد. كما يمكن القول إن صلاح أبوسيف أفاد نجيب محفوظ بأن شرح له كيف تعمل السينما أي كيف يمكن تحويل الأفكار العظيمة إلى صور: مشاهد ولقطات وأحداث وشخصيات تتحرك، فأفاده هذا في كتابة السيناريو فكتب بعض الأفلام المرموقة في تاريخ السينما المصرية منها “المذنبون” (1976) لسعيد مرزوق و”الاختيار” (1970) ليوسف شاهين.

وكما ترك الأدب تأثيره الواضح على السينما وأثراها فكريا، ترك الفيلم بصماته على الكثير من الأعمال الأدبية سواء في مجال القصة أو الرواية. فقد تأثر كثير من كُتّاب الرواية والقصة بطريقة المونتاج والإيقاع السريع والتداعيات والتعبير من خلال وصف الحركة والحدث وليس فقط الانفعالات والمشاعر الداخلية لأبطال رواياتهم.

لكن أصبح غالبية السينمائيين المصريين يفضلون كتابة سيناريوهات أفلامهم بأنفسهم. وتعتمد هذه الأفلام في معظمها، على اقتباس الحبكة من أفلام أميركية ناجحة.

يرجع جانب من القطيعة بين الأدب والسينما في السينما المصرية والعربية عموما، إلى قلة كتّاب السيناريو المحترفين الذين يمكنهم تطويع الأدب إلى لغة السينما، فالغالبية العظمى ممن يملكون هذه الموهبة يفضّلون تحويل الروايات الأدبية إلى مسلسلات تلفزيونية، فهي تتيح للكاتب مساحة زمنية أطول يشغلها بالشخصيات والأجيال المتعددة المتعاقبة، كما أنها تحقق دخلا ماديا أكبر للكاتب مما يحققه السيناريو السينمائي. والنتيجة أن السينما تخسر، ويذهب المكسب إلى كتّاب الدراما.

خارج مصر

اتجه السينمائيون العرب في لبنان وفلسطين والمغرب والجزائر وتونس، إلى التمسّك بفكرة أنّ المخرج هو صاحب الفيلم ويجب بالتالي أن يكتب موضوعه بنفسه لكي يعبر فيه عن رؤيته الخاصة.

ترتبط هذه الظاهرة بنظرية “المخرج- المؤلف” التي ظهرت في فرنسا مع بروز دور نقّاد مجلة “كراسات السينما” في الخمسينات، الذين تحوّل معظمهم في ما بعد، إلى الإخراج وأشهرهم غودار وتريفو وشابرول. هذه النظرية تتلخص في ضرورة أن يكون الفيلم مثل الرواية والقصيدة واللوحة التشكيلية. وبالتالي يجب أن يكون هناك “فنان” واحد للفيلم، صاحب الرؤية الفنية التي يتضمّنها، هذا الشخص هو المخرج، “فنان الفيلم” أو “المخرج- المؤلف”. ولكن كلمة مؤلف لم تكن تعني عند مخرجي الموجة الجديدة أنّ المخرج يجب أن يكتب سيناريوهات أفلامه بنفسه. إنه يوازي في إبداعه المؤلف الروائي، أي يعبّر عن رؤيته الخاصة من خلال أفلامه حتى لو اشترك في كتابتها مع كتّاب آخرين.

هنا سنعود مجددا الى نموذج هيتشكوك الذي كان يعتمد كثيرا على روايات أدبية منشورة، وكان يعتمد دائما على كتّاب سيناريو محترفين يكتبون له، فكان عادة ما يقوم بتوظيف أكثر من كاتب للعمل في الفيلم نفسه، ولكن من دون أن يفقد الفيلم طابع وبصمة هيتشكوك وأسلوبه الخاص الذي كان يبرع في صبغه على فيلمه من خلال ما يعرف بالديكوباج أي تقطيع المشاهد إلى لقطات في سياق تتابع معيّن، ومن زوايا تصوير محددة، واستخدام أحجام اللقطات وحركة الكاميرا، ووضع الممثل داخل اللقطة في علاقته بغيره أو بقطع الديكور، وتوظيف الإضاءة، واستخدام شريط الصوت والموسيقى بوجه خاص.

ألفريد هيتشكوك كان ينسب السيناريو للكتاب لكنه كان يدخل في الصياغة النهائية

كذلك كان يفعل فيلليني وتروفو وكيروساوا وأنتونيوني، ومازال كثير من السينمائيين المرموقين في العالم، يفعلون أي يسندون كتابة السيناريو لأكثر من كاتب لكنهم مع ذلك يكونون هم المسؤولون عن الأفكار وعن الصياغة السينمائية النهائية التي تظهر على الشاشة لذلك فليس من الممكن -مثلا- الاستناد الى ما ينشر من كتب (وهي سلاسل طويلة منشورة في الغرب) لسيناريوهات الأفلام التي تكون في الأغلب الأعمّ سيناريوهات ما بعد التصوير أي وصف مقتضب لمشاهد ولقطات الفيلم بعد أن أصبح فيلما، وهو وصف أو بيان لا يغني بالطبع عن مشاهدة الفيلم نفسه لأن جوهر الفيلم هو الإيقاع والإحساس بتعاقب الزمن وهو ما لا يمكن الإحساس به من قراءة هذا البيان أو الوصف. أضف إلى هذا أنّ ما هو منشور ليس هو السيناريو الذي كتبه كتاب السيناريو وهو عادة يكون أكثر تفصيلا وشمولا وقد يحتوي أيضا على الكثير من الأوصاف مثل الديكور والإضاءة وحركة الممثلين وحركة الكاميرا.. إلخ، ثم يقوم المخرج في الديكوباج بإدخال المزيد من التفاصيل الأكثر دقة التي ستساعده أثناء التصوير الفعلي في اليوم التالي.

درس معظم مخرجي بلدان المغرب العربي السينما في فرنسا، وتأثروا بالأسلوب الفرنسي في الإخراج وبنظرية “المخرج المؤلف”. أما السينما الجزائرية، فقد نشأت في أحضان الجبال أثناء حرب التحرير، حيث كان الاعتماد الأساسي على شخصية المخرج وقدرته على إنجاز معظم مراحل العمل في الفيلم دون حاجة إلى نظام معقّد لتقسيم العمل، يشمل كتّاب سيناريو محترفين، فقد كان المخرج يقوم بكل شيء. استمر سينمائيو الجزائر بعد الاستقلال يعتبرون المخرج أساس الفيلم، وهو نفس ما حدث في تونس والمغرب. وتدريجيا سُلّطت الأضواء على المخرج السينمائي باعتباره النجم الحقيقي للفيلم، وأدّى هذا إلى إبراز مهنة الإخراج بحيث أصبح معظم الشباب الراغب في احتراف العمل السينمائي يتجه إلى دراسة الإخراج.

ويذكر المخرج الجزائري المخضرم أحمد راشدي أنه عندما كان يعمل مديرا لمؤسسة السينما الجزائرية في السبعينات من القرن الماضي، كان يتلقّى سنويا نحو 300 طلب للحصول على منح لدراسة السينما، من بينها 298 طلبا لدراسة الإخراج، ويضيف أن شروط دراسة الإخراج لم تكن تختلف كثيرا عن غيرها من شروط الالتحاق بالعمل في الشركة الوطنية للنفط والغاز أو الشركة الوطنية للمعادن، فقد كانت الوسيلة المؤكدة للحصول على العمل -حسبما يقول راشدي- هي أن يكون للشخص قريب أو صهر!

والمشكلة أنّ قيام مخرجي المغرب العربي بكتابة سيناريوهات أفلامهم دون أن يكونوا ملمّين بالضرورة بالشروط الدرامية التي تجعل الفيلم مقبولا أو -بالأحرى- مفهوما من طرف الجمهور، بل ومن دون أن يكونوا على دراية حقيقية باللغة السائدة في الشارع، يخلق مشكلة حقيقية، فالغالبية العظمى من سيناريوهات وحوارات الأفلام تكتب باللغة الفرنسية، ثم تترجم بطريقة ما إلى اللغة العربية التي لا يجيدها معظم المخرجين أو لا يعرفون كيف يتحدّثون بها خاصة عند مناقشة قضايا فكرية أو نظرية أبعد من الاستخدام المباشر البسيط في الحياة اليومية.

من "شباب امرأة" لصلاح أبوسيف عن قصة وسيناريو نجيب محفوظ

تخضع أساليب الفيلم المغاربي لبناء يعتمد على تصوير حالة أكثر من تصوير شخصيات، وابتكار مشاهد تعاني من الإفراط في تحريك الكاميرا، وأساليب مفتعلة في تشكيل الصورة، وتفكك في تصوير العلاقات، بحيث يبدو الفيلم غامضا، يعاني من الترهل، كما يسقط أحيانا في الجمود المسرحي والخطابة واستخدام الشعارات، وفي أفضل الأحوال، يعتمد على الرموز الساذجة والمعادلات التي لا يمكن للجمهور استيعابها.

ومن أقرب الأمثلة على ذلك الفيلم الجزائري “نهلة” للمخرج فاروق بلوفة الذي تدور أحداثه في لبنان في بداية الحرب الأهلية اللبنانية، ويصوّر الصراع السياسي من وجهة نظر مصوّر صحافي جزائري يجد نفسه تدريجيا متورّطا في الكثير من الأحداث والصراعات. والمشكلة أن الشغف الخاص لدى المخرج – المؤلف، باستخدام المعادلات الرمزية يجعل الفيلم يعجز عن تحديد هوية واضحة لموضوعه، فبطله يبدو ضائعا وسط الصراع، مع كثير من الرموز التي يراها حوله، فهناك شخصية ترمز للبنان الممزق، وشخصية أخرى ترمز للبورجوازية العربية التي يصوّرها تتفرج على الأحداث، وشخصية ثالثة ترمز لليسار العربي العاجز عن القيام بدوره.. وهكذا.

نتيجة طموح سينما المغرب العربي لتجاوز الطابع التجاري للسينما المصرية السائدة التي تخضع لمقاييس السوق السينمائية داخل مصر، يجنح المخرجون إلى التخلص عمدا من مواصفات “الحبكة” أو ما يسمى”الدراما التقليدية”، ويفضلون أسلوب التداعيات التي لا ترتبط بحبكة درامية معينة ولا تؤدي إلى التفسير النفسي للشخصيات، وبالتالي تم إهمال الاقتباس من أعمال الأدب التي لا تزال توفر مادة درامية لنسبة كبيرة من الأفلام السينمائية الأميركية الناجحة مثلا.

ومن جهة أخرى، أدّت هذه القطيعة الى غياب كتاب السيناريو المحترفين، كما أصبحت كتابة نص الفيلم تتم عن طريق المخرج الفرد. والمشكلة أنّ المخرج الشاب قد لا تتوفر له بالضرورة تجربة إنسانية عميقة تسمح له بالاقتراب من كثير من المواضيع التي يتصدّى لتصويرها في أفلامه، أي لا تسمح له بالتعبير عن “رؤية” بسبب نوع من الانفصام القائم في المجتمع نفسه بين التوجّه الثقافي للشعب، وانعزال النخبة عن الشعب وتطلّعها إلى فرنسا والثقافة الفرنسية، بل إن الكثير من الأفلام تسعى أساسا لإرضاء السوق المحدودة لأفلام الأقليات في فرنسا، أو قنوات التلفزيون، وهي الجهات التي يأتي منها التمويل.

هذه المشكلة المزمنة ستظل قائمة طالما ظلت عملية الإنتاج مغامرة غير مأمونة العواقب بسبب تقلّص السوق الداخلية مع التراجع الكبير في عدد قاعات العرض، وانحسار تجربة نوادي السينما التي كانت تشد جمهور الشباب إلى مشاهدة الأفلام على الشاشات، وتفضيل الغالبية الانعزال أمام شاشات الكومبيوتر والاعتماد على الأفلام المقرصنة. وهي بلا شك، مشكلة أخرى.

العلاقة بين السينما والأدب علاقة شبيهة بالزواج الكاثوليكي أي لا انفصام بينهما، ولكن التمايز موجود وسيظل كذلك، فلكل وسيط أسلوبه وطريقته ومنهجه في الوصول لجمهوره. والموضوع على أي حال مفتوح بأبعاده المتعددة التي حاولنا تسليط الضوء على بعضها فقط في هذا المقال.


ناقد سينمائي من مصر مقيم في لندن