التاريخ ومحاكمة النوايا

“هل كان صلاح الدين الأيوبي يريد تحرير القدس فعلا من الصليبيين، كرجل تقي مسلم؟ أم كانت القدس تكئة أيديولوجية ودينية للحشد حول مشروعه في إقامة مُلك يخصه على أنقاض مُلك سابق عليه؟ وهل كان تدميره لتراث الدولة الفاطمية في الأزهر انتقاما من العِلم؟ أم لأن هذا التراث لم يكن على هواه الأيديولوجي في بناء ثقافة مُلكه من منظوره الديني والثقافي؟.. هذه الأسئلة هي ما يحدد الموقف من صلاح الدين”. فتحت هذه المداخلة السريعة من الشاعر إبراهيم المصري، على الفيسبوك، شهيتي للحديث في موضوع طالما شغلني.

الجديد  وليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين [نُشر في 01/02/2018، العدد: 37، ص(116)]

لوحة: يوسف عبدلكي
وفي ظني أنه يؤشر إلى نقطة غاية في الخطورة، وتحتاج بالفعل إلى حسم؛ ليس لأنها تتعلق بصلاح الدين الأيوبي والخلاف الذي أثارته الطريقة الاستعراضية التي استدعى بها يوسف زيدان واحدة من تصورات كتاب التاريخ عنه تخالف ما تم التكريس له من صور، ولكن لأن التفكير بهذه الطريقة أمر ينبغي حسمه بسرعة وعمق، لأنه أثّر ولا يزال يؤثر على منظومة مجتمعنا الثقافية (أعني بها مجمل الأفكار والعقائد والمعلومات التي يبني أفراد المجتمع رؤيتهم استنادا إليها أو بناء عليها أو بتأثر منها).

إن الإيحاء الأخلاقي الذي تحيلنا إليه العبارة –وكأنها- تطلب منا تقييم الرجال من خلال نواياهم التي قادت إلى أفعالهم، وليس من خلال أفعالهم نفسها مهما بدت عظيمة أو إيجابية، يفتح الباب على احتمالين متناقضين تمام التناقض، الأول يحمل دعوة للفصل بين الفعل وصاحبه، فلا يجعلنا تقديرنا لفعل ما أن نظن أن صاحبه عظيم مثله؛ إلا إذا كان بالفعل كذلك. وهنا يبدأ الاحتمال الآخر، الذي يفتح الباب لقراءة نوايا الرجال التي دفعتهم للقيام بما فعلوا. وهو في ظني أمر لا يدعيه سوى إله، فأجر وثواب العمل عند الله، وفق التصور الشائع له، لا يحصل عليهما سوى المؤمن، فالأصل هو نية العمل وليس العمل نفسه.

هذه الفكرة تحديداً أوقعت الأمة العربية المسلمة لقرون طويلة في أزمة عدم القدرة على احترام أعدائها مهما بلغ شأو وشأن منجزاتهم، لمجرد أن هذه المنجزات ليست خالصة لوجه الله كما يتصوره المسلمون، فاحتالوا على الاحترام بالازدراء ووصلوا إلى حل وسط في رأيي يشبه النذالة؛ وهو أن الله سخر هؤلاء الأعداء بعقولهم وعلومهم وجهودهم ودأبهم لخدمة المسلمين الذين بالطبع وبلا شك أرقى وأفضل عند الله مهما كان من أمر جهلهم وغبائهم وكسلهم، فاستمروا في جهلهم وغبائهم وكسلهم بينما نجح الكافرون بكفرهم.

هذا ما حدا بي للتوقف أمام هذه العبارة –على ما فيها من براءة يمثلها الشق الأول (الفصل بين الفعل وصاحبه)- تسمح للشق الثاني (الأصل في العمل النية) بالمرور، فيرى فيها القارئ قاعدة جيدة للحكم.

فكيف ننقذ أبناءنا ومستقبلنا من هذا الشق المرعب الذي توارى طويلا خلف هذا المنطق إلى أن بات جزءا أصيلا من ثقافتنا؟

فلننظر أولا كيف تمت تربيتهم، أو بالأحرى تربيتنا من خلال مناهج الدراسة ووسائل الإعلام بما فيها الكتب!

تربينا من خلال نظم التعليم والدعوة والإعلام-على تقديس النماذج بصفة مغلقة كلية شمولية، وليس على تقييم عناصرها وتفاصيلها وقبول ما هو إيجابي وبنّاء ورفض ما هو سلبي وهدّام.

هذا الطرح الكلي لا يسمح بمراجعة نقدية، هو من الأصل يخلق بيئة لا تعرف النقد ولا تتطور خلالها ملكات العقل الناقد.

وفي ظني أن الأمر –كالعادة- بدأ من الأديان، ليس رفضا للأديان، ولكن تصحيحا لكيفية التعامل معها. لن أقول من كهنتها أو المنتفعين منها، ولكن ممن يضعون مناهج لتقديم أفكارها ومبادئها وشرح نصوصها للناس. إنهم هنا مؤمنون يتحدثون عما يرونه مقدسا لا يأتيه الباطل من أي ناحية، وهم في الوقت نفسه –وبحكم سيطرة الإيمان أيضا- لا يملكون الجرأة اللازمة لمواجهة ما يغمض عليهم بالسؤال والبحث، إنما بالتسليم بأن ثمة حكمة وراء ذلك. وليتهم يكتفون بذلك، ويتركون الحكمة لوقتها، إنما ينطلقون من هذا التسليم مندفعين بالحماس لتقديم شرح أو تعليل أو تفسير يفتقر إلى أبسط قواعد المنطق (خاصة لمن لا يملكون إيمانهم وتسليمهم).

وكالعادة -مع الزمن وكثرة العمل الدعوي بمناسبة وبلا مناسبة لأنه فرض يثابون عليه- تتراجع النصوص وتنتشر الشروح، ويسود منطق الأخيرة المختل والمنقوص والمرهون بعقول ومعارف أصحابها وليدة زمنها وابنة عصرها الذي كان بلا شك –مقارنة بما تلاه من عصور- عصر جهل وقلة تواصل واتصال.

مع تراكم الشروح والتفاسير البشرية يتراجع النص بما يحمله من أصول دين إلى خلفية المشهد، وتنتشر بين الناس وعبر وسائل الإعلام ومنابر الدعوة صورٌ بشرية عن هذا الدين، بمن في هؤلاء الناس، العلماء والباحثون أنفسهم الذين تخرجوا من معاهد ومؤسسات تستعمل مناهج لا تقود إلا إلى هذا، وبذلك تنغلق الدائرة ولا يمكن الفكاك من أسرها.

هذه العقلية التي اعتادت على تبني الصور الذهنية التي صنعها آخرون وأغلقوها وراجت كبضاعة، هي نفسها العقلية المجهزة للتعاطي مع كل تفاصيل الحياة بذات المنهج: التبني والحفظ وليس الاستقبال والتحليل.

هل كان صلاح الدين الأيوبي يريد تحرير القدس فعلا من الصليبيين، كرجل تقي مسلم؟ أم كانت القدس تكئة أيديولوجية ودينية للحشد حول مشروعه في إقامة مُلك يخصه على أنقاض مُلك سابق عليه؟ وهل كان تدميره لتراث الدولة الفاطمية في الأزهر انتقاما من العِلم؟ أم لأن هذا التراث لم يكن على هواه الأيديولوجي في بناء ثقافة مُلكه من منظوره الديني والثقافي

والمثقف -في أبسط صور تعريفه هو “من يحلل”، إذن نحن مجتمع سواده الأعظم غير مثقف -بهذا المعنى، بداية من قادة الرأي العام ووعاظ المنابر، مرورا بأساتذة الجامعات والمعلمين … إلى آخر القائمة.

قل لطلاب المدارس -كما يقال لهم حتى اليوم- إن محمد علي باشا هو باني مصر الحديثة، ولا تقل أكثر من ذلك. فلا شك إذن –وفق منهج التفكير المكرس له- أن محمد علي باشا كان رجلا عظيما (بمعنى طيب ومخلص ومحب ونبيل ومنظم ومحسن … إلخ) لأنه بنى مصر.

فإذا خرج أحد القادرين على التحليل وقال “إن محمد علي باشا فعل ذلك ليس لأنه رجل طيب وعظيم، وليس لأنه يحب مصر والمصريين”، يصبح القائل غريبًا وما يقوله مستغرب. فإذا زاد وقال إنه كان على العكس؛ ألعبانًا وداهية وصاحب حيل ومكائد لا تقف عند حدود أخلاق أو دين، أو أنه كان منطلقًا من هوس بالسيطرة وبناء امبراطورية يرثها من بعده أبناؤه، فهو مجدف والعياذ بالله. أما إذا أضاف -استكمالًا للمنطق- أنه لا تعارض بين الأمرين، فقد قدمت أعمال محمد علي لمصر خدمات جليلة، وإن كانت نواياه ليست كما نتصور. إذن فليهنأ القائل -إضافة إلى وصفه بالغريب والمجدف- بأنه صار في نظر الناس مخبولًا ومختلًا والحمد لله!

أضف إلى صورة المجتمع، الذي صار بفضل أنظمة التعليم والإعلام والدعوة غير قادر على بناء وجهة نظره إلا من خلال تبني الصور الجاهزة، وغير قادر على التحليل، ولا يملك من أدوات العقل الناقد النزر اليسير، أنه مجتمع لا يقرأ، وإذا قرأ –وهو على هذه التركيبة الذهنية- فإن قراءته قراءة ضريرة، يتلمس فيها كالضرير ما ألفه وارتاح إليه من أشياء، ولا يغامر بالتحقق مما لا يعرف. إنه يقرأ باحثا عما يعزز ما رسخ في عقله من أفكار، وليس سعيا لاختبارها وتثقيفها.

والمحصلة مجتمع ينتظر قادة الرأي ليتبنى ما يطرحون. فإذا صار قادة الرأي هم الإعلاميون الجهال الفارغون فقد اكتملت النعمة وانزاحت الغمة.

ورغم ما اكتظ به التراث العربي والإسلامي من مأثورات، يبقى أن الناس –طالما أنهم لا يبحثون عن معلوماتهم بأنفسهم، وطالما أنهم لم ينشأوا على أن ينحتوا معارفهم بأنفسهم- ستظل ثقافتهم أصداء الرائج والشائع والمكرور والمعتاد في المدارس والجوامع والكنائس والنوادي والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي. فأين المفر الذي يمكن أن يخرج منه عقلٌ ناقد أو محلل؟

رغم ثقتي في أن تأويلي لسؤال الشاعر إبراهيم المصري لا يعبر عن ثقافة الرجل ولا مقصده وقت صياغته، إلا أن الكلمات عندما تخرج تصبح منفصلة عن صاحبها، نتعامل معها بوصفها إشارات تستدعي التفكيك والفهم. وقد يجد قارئ ما فيها بابا للنبش في كتب التاريخ ليخرج لنا بقصص رواها المقربون من الأيوبي عن أنه كان يدعو الله صباح مساء أن ينصره على الصليبيين الكفرة ليحرر أرض القدس.

وقد يسوق البعض حوارات مطولة بين الأيوبي ومعاونيه ورجال أو حكام أو أمراء من التاريخ المعاصر له تثبت ورع الرجل وتعزز نيته الطيبة. ويجد فيها السابحون في بحر النموذج المغلق على ذاته نصيرا لهم يرفع معنوياتهم ويجعلهم ممعنين في تقديس الرجل وأفعاله منطلقين من نموذج أفعال العظيم عظيمة والعظيم أفعاله عظيمة.

وفي الآن نفسه قد تدفع العبارة نفسها آخرين للنبش في روايات التاريخ لإقامة الحجة على أن صلاح الدين الأيوبي كان طماعا انتهازيا وصوليا متملقا منافقا أو لم يكن يصلي أو… أو أنه -كما وصفه الدكتور يوسف زيدان- “من أحقر شخصيات التاريخ”، قبل أن يسحب صفات الرجل على فعله ليجرد الفعل نفسه من أهميته، سابحا في تيار النموذج المغلق المقابل، الأفعال العظيمة لا يفعلها سوى عظماء، وأفعال الأنذال ليست عظيمة.

هل يجوز مثلا أن نرى في عودة القدس فعلا مستقلا عن فاعله، ندرس ظروفه وملابساته كما ندرس آثاره، ولا بأس أن ندرس الفاعل وتاريخه، كما ندرس علاقة الفاعل بالفعل والكيفية التي قام بها والظروف والملابسات التي قادت لذلك والمصاعب وكيف تجاوزها، والمكائد وكيف دبرها إلخ، ولكن بمعزل عن تقييم أي من هذه التفاصيل ثم سحب القيمة على البقية، هل يمكن أن نفعل ذلك؟ وليدرس كذلك من أراد-بمعزل عن النقاط السابقة، أقصد من دون التأثر بها- شخصية الرجل ونفسيته وصفاته كقائد وكزوج وكأخ وحتى تشريحه الجسماني وقدرته الجنسية.

هل يجوز أن نفعل ذلك كله من دون الوقوع في فخ النموذج المغلق الذي يجعل كل من راجع حديثا في البخاري كأنه طعن العقيدة بخنجر مسموم، وكل من وقف متسائلا أمام موقف من مواقف الصحابة كأنه أذنب، وكل من وقف متسائلا أمام نص قرآني وشروحه غير المقنعة كمن كفر؟ هل يمكن أن نفعل ذلك لننقذ العقل الناقد أو ما تبقى منه في منظومتنا الفكرية؟ أظنه ممكنًا، ولكن من أين نبدأ وكيف؟


شاعر من مصر مقيم في الإمارات